يبدو الأمر كدعاية ترويجية لإحدى وكالات السياحة الفضائية في «نيويورك تايمز»، حيث تتنافس هذه الشركات في ما بينها لاستقطاب مغامرين مستعدين لدفع ربع مليون دولار مقابل قضاء ساعتين على متن مركبة فضائية للتفرج على كوكب الأرض من علٍ، دون أي ضمانات مسبقة بلقاء سكان الفضاء، فما رأيك بالدعاية؟
عندما تتعامل مع الدولار، لا تبحث عن الختم الأعظم في ورقته كدليل على وجود المسيح الدجال بيننا، إنما ركز على جرس الحرية، الذي يزغلل عيني الناظر إلى هذه العملة الأخطر في التاريخ، حينها ستدرك لماذا شاع «لقب عبدة الدولار» وأنت تفك شيفراته اللاتينية التي تؤرخ لديانة الشياطين الجدد! تراك بعد هذا تستنكر شراء الأحلام والآلام بورقة خضراء من أجل رحلة سياحية للمتعة الفضائية ودر الأرباح الخيالية على دجالي الوكالات الإعلامية الذين يبشرونك بإحدى الخديعتين: المقاومة أو الحرية، و»حزك مزك» أيها الفلسطيني بين «الميادين» و»أم بي سي»، كالعالق بين «طنجرة وغطاها».
فيلم عساف بين النطنطة وقفز الحواجز؟
كم ظلموك يا محمد عساف عندما استغلوا معاناتك وفنك على حساب حلمك وألمك.. وحولوك من بطل إلى منتج دعائي للبريق، أو حسب تعبيرهم: «ملهم» لشعب اختصروا نضاله في رياضة القفز عن الحواجز والنطنطة لعبور الحدود أو اجتياز شرطة الأمن في فنادق خمس نجوم !
الشره في «عالم الماركتنغ» لا يأبه للرسالة الإنسانية والقضايا الوطنية بقدر ما يتغذى عليها ويمتص دمها كأنثى البعوض، وهذا كما يفترض يجب أن يستتر بذكاء استثماري لهذه القضايا مستغلا الحالة كنموذج ليس للترويج إليها بل لاستخدامها كنموذج إيحائي للمشاهد ليوهمه أن الوكالة الإعلامية هي جنة الأحلام الموعودة !
من يتابع فيلم «يا طير الطاير»، الذي أخرجه الفنان الفلسطيني هاني أبو أسعد صاحب فيلم «الجنة الآن»، الذي رشح للأوسكار ونال الـ «غولدن غلوب» لا يعثر على رمزية الكفاح في سبيل الحرية، كما صرح المخرج، بل يجده أقرب إلى ما اعترف به علي جابر مدير عام «أم بي سي»، الذي اعتبره بنكا لتوفير فرص للشباب العربي من أجل الوصول للشهرة والنجومية.
الفيلم في حد ذاته لم يكن مقنعا لا سينمائيا ولا واقعيا، فالترميز المتعمد الأقرب إلى تهميش القضية الفلسطينية لم ينجح بتحويل العمل إلى رمز ما دام البطل السينمائي ظل منكفئا على ذاته، وهذه ليست الشخصية الفلسطينية ولا هي شخصية عساف ولا يمكن أن تحملها بعدا رؤيويا يشفع لها عزلويتها وانسلاخها عن إطارها العام، الذي غيبت عنه وغاب عنها في الفيلم بحيث لم يبق لك صناعة ما تتابعه أو تتبعه سوى نقرات الكاميرا وهي تتسلق سلم الحكاية لتصل بك إلى الذروة: نشوة الانتصار في معركة التصويت، أم المعارك !
«طخه أو اكسر مخه»
المحتل أيضا يكاد يغيب هو الآخر وراء إيحاءات خلفية خافتة كأنه إكسسوار أو ديكور جانبي ليس إلا، وهو ما يفضح نوايا العمل التجارية البحتة التي تروج لمعاناة عساف كبرومو دعائي لم يكن الفيلم وفيا له بقدر ما حرص على خيانته عن سابق إصرار وتعمد ، حتى تكاد لا تستبعد خلوه من مشاهد حميمة أو التصاق فموي لدر المزيد من الدولارات، التي يمكن لها أن تسد عجز المديونية المترتب على «جاستا» قبل تفعيله، حينها سيكون المبرر العروبي أشد تأثيرا من المبرر الفني أو التجاري، وأقوى من المحاذير الاجتماعية والاعتبارات الظرفية للقضية، مما يضعك أمام جريمتين لا ثالث لهما: «يا طُخه يا اكسر مخه» !
لم يتبرأ عساف من الفيلم، ولكنه كان عادلا مع وطنه ونزيها مع ألمه لما لم ير سوى في جزئه الأخير «مرحلة عرب آيدول» ما يلتقي به مع تجربته، التي اختطفت منه، إن لم تكن انتزعت، لتدغدغ طموحات التائقين لواجهات المجد وفاترينات العرض والسجاجيد الحمر وصندوق الكنز والبتاع !
الشاعر يتفوق على رحلة أيدول
برنامج «رحلة أيدول»، الذي يقدمه خالد الشاعر رافق محمد عساف الحقيقي كبطل لحكايته بكل تلقائيتها وبساطتها وتعقيداتها اليومية ومواجهاتها مع الاحتلال وإجراءاته التعسفية، موثقا للمشاعر الفطرية التي غفلت عنها عين «الطير الطاير» واقتنصها الشاعر وهو يسترق النظر لبرج المراقبة خلف جدار العزل العنصري، لما قال له عساف: تعال نروح من هون هسه بطخونا! ظن الشاعر أن عساف يمازحه، ولكنه فاجأه لما سأله: شو بتخاف من الطخ؟!
دهشة المذيع أمام جبروت الشجاعة كروتين حياتي لا يعبأ بالخوف كإحساس مجاني بقدر ما يحترمه كحق إنساني، هي الإجابة الذهبية عن سؤال الخوف، وهي التي تضع العربي في مواجهة مع عروبته لا مع وطنيتك، لأنه من العيب أن لا تكون فلسطينيا حين تكون في فلسطين !
تفوق الشاعر على برنامجه وتفوق واقع عساف في البرنامج على مخيلة الفيلم، التي تحرر من إسارها البطل الحقيقي ليظل البطل السينمائي أسيرها الافتراضي .
جداريات سينمائية
لو عدت لفيلم «الفراشات السوداء»، ورأيت كيف يوثق لحياة شاعرة جنوب أفريقية «بيضاء» تجلت معاناتها الشخصية بكل صراعاتها النفسية والعاطفية والإبداعية والإنسانية من خلال نضالها ضد نظام الفصل العنصري والعرقي في بلادها، لعرفت قيمة أن يكون العمل السينمائي بحد ذاته قيمة… أنغريد جونكر، التي ألقى نيسلون مانديلا أشعارها في افتتاحه لبرلمان الوحدة الوطنية وانتهاء عصر الحكم العرقي في البلاد لم يعرفها الكثير من هذا العالم، ولكن الفيلم نجح بالتأريخ للذات النضالية والإبداعية عبر تداعيات الحكاية التاريخية ضمن سياق يتلاحم فيه الشخصي والعام في عروة وثقى… وربما كان الإنتاج البريطاني لفيلم «راقص الصحراء» الذي يتكئ على قصة الإيراني أفشين غافاريان عملا رمزيا لحكاية راقص تحدى النظام القمعي وشرطة الأخلاق الإرهابية في إيران ليصل إلى العالم عبر فنه وقضيته، حتى لتبدو البطولة الحقيقية في هذين الفيلمين من نصيب التأمل السينمائي، الذي قفز عن الفواصل أو الجداريات الوهمية بين المبدع وشعبه، ولم يشيد جدارا سينمائيا بينهما كما فعل صناع فيلم «الطير الطاير»، الذي ما حلق وارتفع إلا ليقع !
لم يخسر عساف من مشواره ولا نضاله ولا فنه ولا وطنه ولا ألمه مثقال ذرة، الخاسر الحقيقي هو التاجر، الذي تعامل مع الحلم على طريقة مروجي السياحة الفضائية في الفقرة الأولى من هذه المقالة وهو يبصم على خسارته بالختم الأعظم: الدولار !
حنظلة يهشم أبارتهايد «الميادين»
اضحك أيها المشاهد ثم اضحك، فالضحك «ببلاش»، لأن «الميادين» احتفلت ببناء جدار عازل لـ «الإرهابيين» حول مخيم عين الحلوة على اعتباره طوقا أمنيا، وخلاصا مقاوماتيا من أمراء التطرف الداعشي في المخيم، فأهلا أهلا !
وكلاء بن جدو في هذه المركبة الفضائية يروجون للسياحة الإرهابية وهي الوجه الآخر للسياحة الفضائية، التي سقتها في فقرة «عرب أيدول»، وهو ما يشبه احتفالات «عيد الرعب» التنكرية، فبينما تبث الحوار و«الجزيرة» و«أم تي في» اللبنانية «يا للعجب» استنكارات سكان المخيم وخوفهم من هذا العزل الجداري، الذي يذكرهم بسياسة الفصل العنصري الصهيوينة، ترى «الميادين»، التي تعرض لك رسومات حنظلة «شهيد عين الحلوة، وبطل المخيم الأبرز» على مدار الساعة، تبارك ما اعتبرته إجراءات وطنية أمنية، تبيح لها زج الفلسطينيين في علب كبريت قابلة للاشتعال الذاتي؟ سبحان المقاومة !
طيب من وين المصاري؟ يعني لم نر هذا الإحماء الأمني والوطني ضد مخيمات الزبالة التي اكتسحت البلد في ظل تعطل رئاسي مقصود؟ يا للمهزلة.
ما الفرق بين الجدار السينمائي الذي يعزل عساف عن وطنه وبين الجدار الأمني الذي يتذرع بالإرهاب ليعزل الفلسطينيين عن الحياة… كأنك في بوتيك إعلامي للجدران الفاصلة !
لم يبق عليك يا حنظلة سوى التحرر من أقدارهم الجدارية، وشاشات الفصل العنصري لتسقط الحواجز الفارقة بين ذبابة الجاحظ التي تغلب الوقار وبين حمامة أبي فراس، التي تتماهى مع النواح!
كاتبة فلسطينية تقيم في لندن
لينا أبو بكر