سَنَدٌ لا مُسْنَد

المسند والمسند إليه مصطلح نحويّ اعتبره فريق من الدارسين بديلا عن مصطلحات أخرى كالفعل والفاعل والمبتدأ والخبر.
حين بدأ المصطلح يتردد في الكتابات تجسيدا لاقتراح تيسير النحو، لم أكن معنيا به، فقد كنت آنذاك في الفرع العلمي من الدراسة الإعدادية، ثم إلى كلية الهندسة التي فصلت منها بعد ثلاثة أسابيع. ولكن بعد شهرين حدث أن زالت أسباب الفصل التعسفي، ولما كان النظام الجامعي، آنذاك، لا يسمح بالعودة إلى الجامعة بعد الفصل من أي كلية فيها، إضافة إلى انتفاء الرغبة الشخصية، دخلت كلية الآداب، من الشباك لا من الباب.
في السنة الثانية، وأثناء ما كان أستاذنا المرحوم إبراهيم الوائلي يشرح شاهدا نحويا، ذكر عملية الإسناد (المسنَد والمسنَد إليه) سألته: هذا المسنَد الأول إلى أي شيء أُسْنِدَ كي يكون اسم مفعول؟ قال: مصطلح نتقبله كما تقبلنا غيره، فهو أهون من (اللام المتزحلقة) مثلا. قلت له: غفر الله لهم، زحلقوها بعلّة كأنها قشرة موز فتزحلقت. وطال الحوار.
(ملاحظة: قالوا إن اللام المتزحلقة – أو المزحلقة – هي لام ابتداء، تزحلقت من بعد (إنّ) المكسورة الهمزة. والعلّة كراهية ابتداء الكلام بمؤكدَين. ومن شواهدهم (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) حيث قالوا: حقّ هذه اللام أن تكون قبل اسم (إنّ) إلا أنهم كرهوا الجمع بين حرفي التوكيد فزحلقوا اللام إلى الخبر).
على أي حال.
لم أستعمل مصطلح (المسند والمسند إليه) يوما. لأني كنت في شك من سلامة المصطلح، وعدم اقتناعي بما فسروه به. حتى كانت سنة 1992 حين بدأت بإعادة تحقيق كتاب «العين» للخليل بن أحمد (ت 175هـ) وتنظيمه على الألفباء واستنقاذه مما وقع في مطبوعه من خلل، فرأيت الخليل يقول: (الكلام سَنَدٌ ومُسْنَدٌ، كقولك عبد اللهِ رجلٌ صالحٌ، فعبد الله سَنَدٌ، ورجل صالح مُسْنَد إليه) (العين 3/226، طبعة مسقط 1994).
المثال واضح لا يقبل جدلا، ولكنّي أحببت أن أكون على يقين أعمق. فرجعت إلى الكتاب (المنسوب لسيبويه /ت 180هـ/ نسبة تملك لا نسبة تأليف) فرأيت المصطلح (المسند والمسند إليه). وليس السنَد والمسنَد.
الكتاب هذا حققه مجموعة من المحققين آخرهم المرحوم عبد السلام هارون، فلم أرجّح وقوع خطأ في التحقيق. ولكنّي ملت إلى القول بأن النون من (مُسند) الأولى مكسورة (مُسْنِد) يُسند ما بعده، وما بعده يُسنَد إليه. إلا إذا كان ثمة خطأ ما فالصحيح (سند) وذكرت ذلك في كتابي (المنظومة النحوية المنسوبة للخليل، نشر سنة 1996).
وحدث أن تحاور معي بعض النحويين المعاصرين ومنهم من ذهب إلى أن المصطلح الخليلي (سند ومسند) والمصطلح السيبويهي (مسند ومسند إليه).
غير اني رأيت أن ليس لسيبويه أن يغير ما يمليه عليه شيخه الخليل. ثم بدا لي أن أتبين الخط الذي كان يكتب به سيبويه، فوجدت أنه أمر مستحيل لأن أقدم نسخة من نسخ (الكتاب) التي اعتمدها (أو اعتمد عليها) المحققون في تحقيقهم له، نُسخت بعد حوالي خمسمئة عام من وفاة سيبويه.
لم يبق إلا العودة إلى الخطوط القديمة التي كان القوم عموما يكتبون بها، فظهر لي أن من الخطوط خطوطا كان الناسخون يضعون فوق ركزة السين الأولى إذا ابتدأت به الكلمة مثل (سند) خطا صغيرا مائلا مثل الخط الظاهر في أعلى رقم (1) في الأرقام المعتمدة على عدد الزوايا. فإذا وضعنا في اعتبارنا نوعية المداد (الحبر) والورق والأقلام التي كان القوم يستعملونها وسرعة الكتابة لملاحقة إملاء الخليل، سنجد أن من اليسير أن يقع خلل في الرسم يوهم اللاحقين من الناسخين أن أمامهم حرفين ميم سين (مسـ).
وحين جاء المحققون المعاصرون سلّموا بما يرونه أمامهم. لذا أعتقد ضرورة أن يعاد إلى المصطلح الأصيل (سَنَد ومُسْنَد)، خطوة أولى يمكن أن تساعدنا على تيسير النحو الذي صار طالبوه يختنقون بأجوائه الكئيبة.
وقاكم الله شرّ الكآبة.

* باحث عراقي ـ لندن

سَنَدٌ لا مُسْنَد

هادي حسن حمودي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية