كنتُ أتصفح بعض كتب سنن الحديث النبوية، فلفت انتباهي حديث شريف شدني متنه وكأني أراه لأول مرة في حياتي، نص الحديث هو: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: لما رجعتْ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرة البحر (مهاجروا الحبشة) قال عليه السلام: ألا تحدثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟ قال فتية منهم: بلى يا رسول الله، بينما نحن جلوس مرت بنا عجوز من عجائز رهابينهم تحمل على رأسها قلة من ماء، فمرت بفتى منهم فجعل إحدى يديه بين كتفيها ثم دفعها فخرت على ركبتيها فانكسرت قلتها، فلما قامتْ التفتت إليه فقالت: سوف تعلم يا غدر (يا غادر) إذا وضع الله الكرسي وجمع الأولين والآخرين وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدا، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدقتْ صدقتْ، كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم. أكثر ما شدني في الحديث هو عدم التفات الصحابة لأعاجيب الحبشة الدنيوية من أنهار وأشجار وجبال وحيوانات وطيور وما أكثرها عندهم، خصوصا إن خطر ببالنا أن هجرتهم كانت من مكة أكثر بقاع الأرض قحلا ويباسا وقسوة، لكنهم ركزوا على الجانب الأخلاقي والثقافي لأهل الحبشة في ردهم على النبي عليه السلام، أكثر من تركيزهم على طبيعة تلك البلاد الجميلة. نهاية الحديث وجواب النبي عليه السلام وتعليقه على القصة يدعونا للتفكر بعمق أيضا، ليس التفكر فقط، بل وربطه بحالنا ومقارنته بحال دول عظمى، لا تدين بالتوحيد لكنها أخذت على عاتقها تطبيق مبدأ العدل على قويها وضعيفها: كيف يُقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم. أخيرا وأنا أقرأ الحديث جالت ببالي صورة الجندي الصهيوني الإسرائيلي وهو يدفع بيده عجوزا فلسطينية طاعنة في السن فتسقط على الأرض وتقع على ظهرها باكية، ويعرض هذا المشهد عشرات المرات على عدد من الفضائيات العربية والإسلامية فلا يتحرك حاكم مسلم واحد بفعل أو حتى بكلمة واحدة يرد بها كرامة هذه العجوز المسكينة.. كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم. م . معاذ فراج – الأردن