صبحي حديدي واختزال طارق علي

كتب صبحي حديدي مقالاً منذ أيام عدة بعنوان «طارق علي: سبحان الذي يغير» في صفحات «القدس العربي» تمحور تحليلاً وتوصيفاً بأسلوب كاتبه المعهود في استثنائيته المبهرة، وحرفته اللغوية الشعرية في جوهرها، حول انقلاب تاريخي مفترض حلّ على المفكر الباكستاني الشيخ المقيم في بريطانيا طارق علي تضمّن تحوله التاريخي من «تروتسكي مشاغب، ساخط حانق، يحتج على أي شيء، تختلط رطانته الماركسية بطوباوية آسيوية مسلمة، وعبث طفولي … أفقد حزب العمال البريطاني جناحاً يسارياً عريضاً، ضم عدداً لا يستهان به من الكوادر الشابة» وصولاً إلى الاستنتاج بتغير الرجل وتراجعه عن ماركسيته على «نحو أشبه بالسير على الرأس بدل القدمين» مروراً بارتداد مخاتل إلى «ملامحه الارستقراطية الآسيوية».
ويحق لأستاذنا المخضرم صبحي حديدي أن يصوّب كاتب هذه السطور الذي قُيّض له أن يكون على تواصل مباشر مع طارق علي نفسه، وعلى اطلاع بحثي مدقق على معظم ما نشره، وينشره ذلك الأخير، ويوثقه على موقعه الالكتروني الشخصي، والذي انعكس من الناحية الفكرية في المجتمعات الناطقة بالانكليزية في القيمة المعرفية الاستثنائية التي راكمها طارق علي لدى قرائه سواء في صحيفة «الغارديان» البريطانية، أو في مجلة «لندن ريفيو أوف بوكس»، أو مجلة «نيو لفت ريفيو» التي أشرف على تحريرها لسنين طويلة، وتجلّت أساساً في اعتبار رئيس حزب العمال البريطاني الحالي جيرمي كوربن، طارق علي بمثابة المنظر الذي يعضده في كل حين لابد من الاتكاء فيه على حكمة قارئ متعمق لصيرورة التاريخ ولجوهر الرأسمالية النيوليبرالية المتوحش، والذي شكل وزنه النوعي الذي تكون تاريخياً، وعلى امتداد خمسة عقود ونيف، رافعاً مهما قاد تيار (مومينتوم) الذي كان عماده الكوادر الشابة التي انضمت بمئات الآلاف مؤخراً إلى حزب العمال البريطاني، وكانت السبب في انتصار جيرمي كوربن مرتين في انتخابات قيادة الحزب التي كان آخرها منذ أسابيع، إلى اعتماد منهجية دعوة طارق علي للمساهمة الفاعلة في أكثر من نشاط جمعي، وندوة فكرية نظمها تيار(مومينتوم) نفسه، شارك فيها طارق علي مع رموز الاتحادات العمالية البريطانية، وقادة يسار حزب العمال البريطاني، وعلى رأسهم جيرمي كوربن نفسه في غير مرة.
ومن ناحية أخرى يحق للمتعقل الحصيف أن يعتقد بإجحاف توصيف طارق علي بأنه «تروتسكي طفولي مشاغب» في أي مرحلة من مراحل حياته، حيث أن الرجل نفسه أجاب قاطعاً في رسالة موجهة لشخص كاتب هذه السطور المتواضع بأنه لم يكن «تروتسكياً» في أي من مراحل حياته وإنما «ماركسياً فكراً وعملاً واجتهاداً». ويوثق تلك الحقيقة الأخيرة الثابتة في سيرورته الفكرية مقاله النوعي في صحيفة «الغارديان»: «حياة وموت تروتسكي» والذي لخّص فيه بوضوح مطلق رؤيته بأن «تروتسكي المؤسس، والمنظم للجيش الأحمر، كان دموياً بدون شك لأجل تحقيق النصر لصالحه، والذي كان نتيجة قمعه، بالمآل الأخير، صعود الستالينية التي دمّرت ليس فقط الثورة بل كل كوادرها القيادية».
وقد يكون إطلاق حكم قيمي بخطل بوصلة طارق علي الفكرية لاعتقاد بأنه «لا يجد كبير فارق بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب» فيه اختزال تبسيطي للتحليل العميق الذي قدمه طارق علي في مقابلة تلفزيونية مطولة مع الصحافية المرموقة آمي غودمان في شبكة «الديمقراطية الآن»، والذي خلص فيها طارق علي إلى أن «كلينتون وترامب وجهان لقطعة نقد واحدة لناحية مشروعهما الاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي، على اختلاف مستوى الفظاظة والفجاجة في طرح كل منهما، والتزويقات الإعلامية والدعائية المرافقة لتلك الطروحات، والتي هي في جوهرها مزيد من الحروب على المستوى العالمي لتعزيز مصالح المجمّع الصناعي العسكري التقاني الأمريكي ممثلة في شركاته الكبرى ومؤسساته المالية، ومزيد من التدمير البيئي للكرة الأرضية التي أصبح نظامها المناخي على حافة الولوج لطريق اللاعودة إلى كارثة محدقة تتمثل في تحويل الأرض إلى كوكب غير صالح لحياة البشر أنفسهم خلال قرنين من الزمان» وطارق علي في هذا الطرح يتفق بشكل شبه مطلق مع تحليل الصحافي الأمريكي الطليعي كريس هديغيز الذي قاد مبادرة واسعة في الولايات المتحدة لعدم التصويت سواء لكلينتون أو ترامب، والتصويت بدلاً منهما لمرشحة حزب الخضر جيل شتاين، والتي لاقت دعماً من رموز ثقافية استثنائية في الولايات المتحـدة من قبيل المفكر الموسوعي هنري جيرو، والصحافي الطليعي غلين غرينولد رئيس تحرير صـحيفة «ذي انترسيبـت».
ولقد كان رد طارق علي نفسه في رسالة موجهة لكاتب هذه السطور، عميقاً في رفضه فحوى مقال أستاذنا صبحي حديدي الذي رأى تهافت طارق علي إلى درجة «تبرئة النظام السوري من ارتكاب المجازر» حيث أن موقف طارق علي الجلي في مقالاته جميعها حول الشأن السوري ثابت، وثاقب في رؤيته لأتون الحرب في سوريا بكونها ساحة حرب بالوكالة لأطراف متصارعة أغلبها ليس ذا علاقة بطموحات الشعب السوري «العظيمة والحقة» في التخلص من نظام استبدادي حكمهم بالحديد والنار لأكثر من أربعة عقود. إن انتقاد طارق علي العميق واللاذع للتنظيمات الإسلاموية وخاصة «جبهة النصرة»، مرتبط عضوياً بتحليله النقدي والتاريخي لآلية تصنيع الغرب لتلك التنظيمات الإسلاموية، ودعمها، وتقويتها، وأدلجتها إبان الحاجة إليها لدحر السوفييت بدماء المجاهدين الأفغان عرباً وعجماً، الذين صيروا عقب انهيار الاتحاد السوفييتي ليكونوا العدو النموذجي الذي لا يستطيع المجّمع الصناعي العسكري الأمريكي الحياة من دونه، فكانت كارثة الغزو الأمريكي لأفغانستان، والحرب الأزلية على الإرهاب، والتي أنتجت فيما أنتجت من تهشيم وتدمير شامل عمقاً وسطحاً، وعمودياً وأفقياً، بعْثَرةً لكل تلك التنظيمات المتطرفة التي كانت متمركزة في أفغانستان، هروباً من همجية القصف الأمريكي، لتعيد تموضعها في كل أرجاء أرض العرب والمسلمين، وتعيد إنتاج نفسها بأشكال جديدة أكثر تلاؤماً مع البيئات الجديدة التي حلّت فيها، لتقوم بتدميرها والتمدد منها إلى بيئات أخرى كما لو أنها خبث سرطاني بتمظهرات لا تختلف إلا في مستوى تطرفها عن أُسِّها الأول.
طارق علي مفكر موسوعي ثرّ ما زال يكتب، ويناضل على امتداد خمسة عقود ونيف، منتصراً للفقراء المظلومين، ومدافعاً عن حق المستضعفين في تقرير مصيرهم السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، وصديق محب للعرب والمسلمين، في وقت شح فيه خلانهم. ولأن الاجتهاد عمل يتوق إلى الصواب المستند إلى حقائق الواقع العياني المشخص، دون أن يلغي ذلك من أنه يحتمل الخطأ الطبيعي في سعيه لإدراك الصواب، فالأمل يحدونا لأن ينصف الأستاذ المعطاء صبحي حديدي المفكر طارق علي في مقبل الأيام، ويسعفنا بقلمه البتار في الحفاظ عـلى القـليل الـذي تبقـى للعـرب من أصـدقاء.

كاتب وطبيب سوري مقيم في لندن

صبحي حديدي واختزال طارق علي

د. مصعب قاسم عزاوي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية