لم يفلح حب فيروز لحسن نصر الله، على ما أعلن ابنها زياد، ذات مقابلة تلفزيونية، في كبح أنصار الحزب من أعضاء «التعبئة التربوية» في الجامعة اللبنانية، الذين أصرّوا على منع بثّ أغانيها في إحدى ساحات الجامعة، حين اجتمع قسم من الطلبة لإحياء أربعين زميل لهم توفي بحادث سير.
ليست فيروز وأغانيها من أركان دولة «حزب الله». حتى ولا زياد رحباني، رغم كل مواقفه، التي بوّأته مكانة رفيعة في الصف الأول لحشود المستمعين لخطابات الأمين العام للحزب. فعلى الرغم مما قد يبدو بأنهما يصلحان كدعائم لـ «تطويع المخيلة الجمعيّة»، حسبما كتب حازم صاغية في مقال، فإنهما في الجوهر لن يكونا إلا على تناقض مع مشروع دولة «حزب الله»، لا لشيء، إلا لأن الحزب يرفض الغناء ويحرّمه من الأساس، وهو إن لم يمارس سطوته الآن في المنع والإباحة والضرب يميناً وشمالاً فمتى؟
بعض كليات الجامعة اللبنانية، وهي حكومية لا خاصة، احتضن من قبلُ مناسبات دينية حافلة برموز وأناشيد الحزب أو حلفائه، وبالطبع لم يكن في وارد أحد، ولا هو يستطيع أساساً، أن يمنع تلك المظاهر الغريبة على ثقافة لبنان، هذا الذي حين يجري الحديث عن رموزه عادة لن يكون من بينها رموز الحزب، فلطالما اعتبرت الشحرورة صباح وفيروز والرحابنة عموماً من رموز ذلك البلد المنكوب بالأحزاب، وما محاولة «حزب الله» اليوم في دحض تلك الرموز إلا عملية للسطو واحتلال الدولة. لكن إلى متى؟ مهما اختلفنا على الرحابنة وفيروز، وكل ما أنجب لبنان من موسيقا وأغنيات، لن نستطيع معاندة هذه الحقيقة: أيهما أبقى؟ الموسيقا أم «حزب الله»؟
جدار عين الحلوة
كان فلسطينيو مخيم «عين الحلوة» في جنوب اللبناني بمصيبة جدار الفصل الذي تضربه الحكومة حول المخيم، لكنهم اليوم، حين خرجوا يحتجّون على بناء الجدار، باتوا بمواجهة مصيبة أخرى، هي تلك السخرية البغيضة عبر برنامج «بسمات وطن» الذي يبثّ على قناة «أل بي سي» اللبنانية، إثر بثّه أغنية تقول في كلماتها «جدارك عين الحلوة، واقف راح يبقى وعايش/ تا يحمينا من بلوة، اسما إرهاب وداعش/ إنت يا القايم ضدو، وطالب الدولة تهدّو، إفهم نتفة وبوزك سدّو».
لا الأغنية أغنية، ولا السخرية قابلة للهضم، إنها شتائم وحسب، أشياء يدهشك كيف يمكن لقناة تلفزيونية عابرة للأقطار أن تبثّها بلا خجل.
الغريب أن الجدار، كما البرنامج، لم يستطع أن يثير اللبنانيين لمواجهة أي منهما. غريب لبنان فعلاً! يختلف على كل شيء، على ما يبدو، إلا على الفلسطينيين. عندهم يصمت معظم اللبنانيين، وخصوصاً المتنطّحين للمقاومة، كيف لم ينتبه هؤلاء أن صمتهم على جدار عين الحلوة هو إقرار ضمني بحق الإسرائيليين في بناء جدار العزل العنصري الرهيب، الذي بات أحد أبرز رموز الاحتلال، وأحد أبرز رموز نضال الفلسطينيين وناشطي حقوق الإنسان حول العالم.
لن يكون بالوسع قراءة جدار عين الحلوة إلا كاستمرار لجدار الاحتلال الإسرائيلي، في بلد تحكمه قوى هي الأكثر تشدّقاً بمقاومة هذا الاحتلال.
الجدار الطريق
تضع أمل كعوش، وهي واحدة من بنات مخيم عين الحلوة، أغنية على «يوتيوب» تحمل اسم «جدار عين الحلوة»، ترسم جداراً تعلوه أسلاك شائكة، وتكتب فوقه كلمات تخاطب أحد أبناء المخيم، الفنان الراحل ناجي العلي «كنت بدّي أرسم لك عين الحلوة من الطريق اللي بتودّي ع بيتنا، بس اليوم عين الحلوة مسوّرة يا ناجي».
قد لا تكون للأغنية أي أهمية على المستوى الفني، سوى أنها إشارة إلى أن جدار عين الحلوة سيشقّ طريقاً للمطالبة من جديد بحقوق الفلسطينيين وكرامتهم المهدورة منذ سبعين عاماً، هي عمر النكبة، في هذا البلد.
على الأرجح لن تفلح حتى إزالة الجدار في منع تلك المطالبة. اليوم بات هناك عنوان جديد لنضال الفلسطينيين، اسمه «جدار عين الحلوة». عنوان لن يهدم قبل أن يهدم الجدار الحقيقي الذي بني في الرؤوس لسبعين سنة خلت.
غرباء في كل مكان
مؤلم هذا الريبورتاج التلفزيوني الذي بثته قناة «بي بي سي» العربية حول عائلة فلسطينية لاجئة من سوريا إلى مدينة غزة، والذي تروي فيه العائلة خيبة أملها في وطنها الأصلي، حيث تشكو من عدم احتضان لائق، فصار الحلم هو كيفية الخروج من الوطن بأي طريقة.
هم فلسطينيون في سوريا، سوريون في غزة. غرباء في كل مكان.
شماتة دريد لحام
على هواء «الفيسبوك» المباشر سمعنا الفنان السوري دريد لحام وهو يغني في ليل دمشق، في حفل تكريم للمخرج الفلسطيني السوري باسل الخطيب: «الله محيي شوارعكي، يا بلادنا المعمورة». يصعب فهم كلمة المعمورة هنا حين تقال لبلاد باتت على الأرض، فيما نصف المليون من سكانها في السماء، ونصف سكانها وراء الحدود. عمارات مهدمة، شوارع محروثة، وهواء حزين.
يصعب أن نفهم أغنية غوّار القديمة، التي كنّا نحب، إلا كنوع من الشماتة، أو كإعلان نصر مزعوم، نسخة من إعلان ظهر في أيام المظاهرات الأولى في سوريا حين قال النظام، وردد أنصاره: «الأزمة خلصت وسوريا بخير». الإعلان الذي قلبه السوريون للتهكم «سوريا خلصت والأزمة بخير».
فهل ترك دريد وصحبه معمورة ما في طول البلاد وعرضها يلوذ بها النازحون؟!
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى