الوضع اللبناني: سوق الإفتراض بأنّ الواقع ليس واقعاً

حجم الخط
0

يقوم الوضع اللبناني على مجموعة من الإفتراضات التي يجري التداعي إليها أو لربطها ببعضها البعض. ما يجمع هذه الإفتراضات هو الإنطلاق من النقطة (اللا)منطقية نفسها: لنفرض أنّ الحال لم تكن هكذا، أو لم يكن هذا هو واقع الحال، ولنبني على الشيء مقتضاه بإحتساب كيف كان يمكن للأمور أن تكون أو تتم حينذاك. لنعلّق واقع الحال بين قوسين، ونباشر في وزن الأمور بسوية وواقعية بعد ذلك مباشرة. لـ»نشرّع» للواقع بالإفتراض، ولنتبادل افتراضاتنا لنبني الواقع الأشمل!
مثال أول: لنفرض أنّه ليس هناك أكثرية ديموغرافية إسلاميّة في لبنان مثلاً، أو أنّه لم تكن هناك أكثرية ديموغرافية مسيحية فيه قبل ذلك بعقود، ثم لنوزّع المقاعد النيابية بشكل عادل، مناصفة، بين المسيحيين والمسلمين، وليجري ملؤها بشكل عادل أيضاً، في ضوء هذا الإفتراض.
مثال ثان ـ بعكس روحية الأوّل: ليس من المفروض أن تختلف علاقة الموارنة والجبل لبنانيين عموماً بالكيانية اللبنانية عن سواهم من اللبنانيين، فلنفترض أنّه «تاريخياً» أو «وجدانياً» أو «نظرياً» واقع الحال، ولنبني عليه.
مثال ثالث: لنفترض أنّ الأمور المستعصية على الحل التي ننقسم عليها كلبنانيين، مثل «سلاح» حزب الله وحروبه، والسياسة الخارجية للدولة، هي أمور محلولة أو غير موجودة، فنضعها بين قوسين إلى حين تزفّ ساعة حلّها، أو ينفجر صاعق التصادم الكليّ حولها، ولنسعى من الآن لوقتها للتعامل مع هذه القضايا كما لو أنها مبيّتة في «محجر صحي»، ونحيي من الآن حتى استحقاقها المؤسسات الدستوريّة، ونؤلّف الحكومات وننظّم الإنتخابات، وننهض بأحوال العباد والإقتصاد والبنية التحتية، وهكذا.
مثل رابع ـ هو الثالث معكوساً: لنفترض أنّ كل ما عدا القضايا المصيرية والإستراتيجية هي عوارض عابرة، وأمزجة ظرفية بلا عمق، فلنضعها بين قوسين، وننصرف من ثمّ لمعالجة «صلب الموضوع».
وهكذا، بدلاً من أن تكون الواقعية متماشية مع الإقرار بأنّ لبنان بلد يشكل المسلمون أكثرية ديموغرافية فيه، تصير الواقعية «وقف العدّ» ثم «عد الحصص بعد إيقاف عد النفوس»، كما لو كانت المناصفة الإسلامية المسيحية قائمة بالفعل، وليس بالمثال المشتهى.
وبدلاً من أن تكون الواقعية متماشية مع الإقرار بأنّ الجبل اللبناني، لبنان المتصرّفية، هو مركز الكيان أيديولوجياً، وأنّ علاقة الموارنة والجبل لبنانيين عموماً بهذا الكيان أكثر انسيابية، وعضوية الطابع، مقارنة بعلاقة غير الموارنة، وغير الجبل لبنانيين، وأنّ الوجود السكاني المسيحي قائم في وسط البلد، متصل ببعضه بعضاً إلى حد كبير، في مقابل تناثر الجزائر الإسلامية، وحاجتها المتخيلة (أو المندفعة نحو التطبيق) لـ»ممرات آمنة» للوصل فيما بينها، تصير «الواقعية» تقتضي هنا أيضاً الإفتعال، والإنطلاق من النموذج المجرّد المشتهى: التخيّل كما لو أنّ «الماضي» غير موجود، وكما لو أنّنا، فجأة، الآن، قذفنا في فضاء واحد، وعلينا تعميره بالبناء الوطني المتماسك، وكما لو أنّ «المكان» بلا أبعاد، وكل الأمكنة قريبة من بعضها البعض بنفس القدر. زد على ذلك أنّ من يتجرأ ويخرق «الواقعية الإفتراضية» في المثال الأول، ويذكّر بالأكثرية الديموغرافية الإسلامية، يصرّ على التجريد الزماني والمكاني في المثال الثاني، أو العكس.
أمّا المثالان الثالث والرابع فيتيحان الجمع بينهما من قبل الجميع تقريباً في لبنان اليوم، وإن يكن في لحظات متفاوتة، وبتأرجح متواصل بين الحدّين. فهذا تارة يحاول وضع «القضايا المصيرية والإستراتيجية» بين قوسين، للإنصراف إلى الداهم والطارىء واليوميّ و»الضروريّ»، كما لو كانت «الضرورة» في ناحية، و»المصير» في ناحية، وذاك يلومه على تأخير «الملاحم» ثم يسوّغ لنفسه هو أيضاً الدور نفسه. الهروب من «استعصاء القضايا المصيرية» يدفع باتجاه القضايا «المؤسساتية» أو «الفرعية»، لكن استعصاء هذه القضايا أيضاً يعيد الإعتبار للقضايا المصيرية، وهذا الإعتبار المعاد لا يجعل هذه القضايا أقل استعصاء.
صحيح أنّ اللبنانيين يستهلكون قسماً كبيراً من وقتهم في النقاش حول «الميثاقية» و»التوافقية» وحدودهما وآفاقهما، وكيف يمكن التوفيق بين «التوافقية» وبين التصويت والإنتخاب وفكرة الحكم نفسها، وفكرة القضاء، لكنّ هذه الثنائية بين «التوافقية» و»الإحتكامية» (ما دامت التوافقية عبارة عن مسعى حثيث لعدم الإحتكام لطرف ثالث لمعالجة إشكال بين اثنين)، قائمة أساساً على تنحية جملة من الإعتبارات ووضعها بين قوسين، وهي إعتبارات مكابرة، على «التفاوت في الكيانية» من ناحية، و»التفاوت في العدد» من ناحية ثانية، بل والتفاوت في شكل ومدى حضور مفهوم الدولة وجهازها ومؤسساتها بين الطوائف والمناطق، لأنّ الدولة المركزية حاضرة في المناطق المسيحية أكثر منها في المناطق الإسلامية، وفي المناطق السنية أكثر منها في المناطق الشيعية، مع مفارقة أن اللامركزية، بل الإتحادية، كثيراً ما تدغدغ عواطف المسيحيين، في حين أنّ الدولة المركزية موجودة «عندهم» أكثر مما موجودة عند سواهم، بل هي «موجودة» عند سواهم «بهم».
ليس هناك مجتمع يمكنه أن يلغي تماماً الحاجة إلى «التوافقية»، لكن ليس هناك مجتمع يمكنه أن يتكل على «التوافقية» تماماً ويلغي الحاجة إلى أولوية «الإحتكام» لمعايير ومؤسسات تشكّل مقام «الطرف الثالث» بين متنازعين أو مختلفين أو متنافسين (مثل: صندوق الإقتراع، التصويت على القرارات في البرلمان أو الحكومة أو في المحكمة). قلب العلاقة بين «التوافقية» و»الإحتكامية» على الطريقة اللبنانية بإعطاء الأصالة والصدارة للأولى يعني تعطيل كل منهما، لكن مفارقة «حزب الله» ما بعدها مفارقة: يعتبر أنّ كل شيء يحتاج إلى «توافق» إلا سلاحه وحروبه، فهذه لا تحتاج لا إلى «توافق» ولا إلى «طرف ثالث» معياري أو مؤسساتي لحلّها، وإنّما إلى معياره هو، معيار ما هو عليه وكيف يصير.
أمّا منطق الرّد على «حزب الله» فيجاريه في العبثية. غالباً ما يأتي الردّ عليه بلغة «لنفرض أنّ الأمور لم تكن هكذا»: لنفرض أنّ الميليشيات الأخرى لم يجر حلّها بعد الحرب، لنفرض أنّ التبعيات الأخرى للعواصم الإقليمية غير موجودة، لنفرض أنّ «حزب الله» لا يشكّل القوّة الكبرى بين شيعة لبنان، لنفرض أنّ الطوائف الأخرى تقوم كلّ منها على مقدار من العدالة الإجتماعية والتكافل داخلها «لولا حزب الله».
وعلى الهوامش، هناك من يفترض طبيعة للحزب «غصباً عنه». الممانعون من جهة اليسار: لنفترض أن «حزب الله» هو حزب لينيني. القوميون السوريون: لنفترض أن «حزب الله» هو أداة علمانية غير واعية لتحقيق «سوريا الطبيعية». من يؤيد الحزب من السنّة: لنفترض أنّه حزب وطني أو إسلامي غير شيعي.
قصور من الرمل على الشاطىء. لا عجب، فهذا جزء أساسيّ من الطبيعة الإنسانية. ما يميّز الوضع اللبنانيّ هو التداعي لمشاركة الإفتراضات هذه وتبادلها، رغم شحناتها المتضادة، وكونها مولّدة من الأساس ضدّ بعضها البعض. اعطني افتراضك الذي علّقت على أساسه جزءاً من واقع لا يعجبك بين قوسين، اعطيك افتراضي الذي شذّبت به واقع آخر لم يرق لي أو لا يرقى لطموحاتي. سوق التبادل هذا يؤسس لواقعية عجيبة وطريفة، و»ثرية بالسياسة أيضاً (بخلاف كل من يرى أنّ هكذا ابتعاد عن الواقع فيه موت للسياسة، فإن السياسة هي أيضاً تحايل على الواقع واستثمار لهذا التحايل في حرب المواقع داخل الواقع)، فكل افتراض له قيمته الاستعمالية: درجة بعده عن الواقع الذي يطمسه أو يعلّقه أو يؤجله. ولكل افتراض قيمته التداولية: الحاجة اليه لتسكين أو إفحام افتراض آخر، أو لمداواة الإستعصاء.. بالإستعصاء.

٭ كاتب لبناني

الوضع اللبناني: سوق الإفتراض بأنّ الواقع ليس واقعاً

وسام سعادة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية