الحق في الاختلاف

حجم الخط
0

تعلمت الكثير من صادق جلال العظم، في مسائل فلسفية وفكرية وسياسية وثقافية، في ضوء منهجية نقدية لا تكلّ؛ الأمر الذي لم يحجب عني الحقّ في الاختلاف معه بصدد قضايا أخرى، قليلة ومحدودة النطاق؛ ولم يمنعني، أيضاً، من مساجلته علانية، على صفحات هذه الصحيفة تحديداً، حول رأيه في مفاوضات السلام السورية ـ الإسرائيلية.
ففي صيف 2000، في مقالة مسهبة بعنوان «المشهد من دمشق»، نشرتها المجلة الأمريكية المعروفة New York Review of Books ، كُتبت قبيل وفاة الأسد الأب وتوريث الأسد الابن، ساجل العظم على النحو التالي منذ السطور الأولى في مقالته: «هل سوريا، بوصفها سوريا وليس مجرّد حكومة أو نظام، جاهزة للسلام مع إسرائيل في الوقت الحاضر»؟ الجواب، تابع العظم، «ينبغي أن يكون: نعم، حَذِرة ومعللة».
ويومذاك، رأيت عجباً في أن يبلغ العظم ـ صاحب «في الحب والحب العذري» و«نقد الفكر الديني» و«النقد الذاتي بعد الهزيمة» ـ هذه الخلاصة القاطعة؛ ورأيت عجباً أشدّ في أن يطري دبلوماسية أمثال وليد المعلم، وأن يعتبر رافضي إسرائيل «أقلية» داخل المجتمع السوري تقتصر على الإسلاميين والقوميين، ثمّ أن يمتنع عن قول كلمة واحدة (على امتداد مقالة في 11300 كلمة) بصدد مفردات مثل «الديكتاتورية» أو «الاستبداد» أو «الفساد»؛ بل أن يستخدم توصيفات مثل «الرئيس الشاب» و«الدكتور بشار الأسد» في تتمة للمقالة وُقّعت بتاريخ تموز/ يوليو تلك السنة.
كان الراحل يدرّس في جامعة برنستون العريقة، في حينه، وكان أيضاً قد نشر، في فصلية Khamsin، 1981، مقالته «الاستشراق والاستشراق معكوساً»، بالإنكليزية؛ التي ستتخذ صفة كراس فيما بعد. وكان هذا الموقف مثار عجب أيضاً، ليس لأنّ عمل إدوارد سعيد لا يحتمل النقد والتفنيد، إذ العكس هو الصحيح بالطبع، ونقّاد سعيد كانوا بالعشرات يومها، ومن حقّ العظم أن يدلي بدلوه في الأمر، وهو المفكر ذو الشخصية النقدية أوّلاً. كان مثار العجب أنّ منهج العظم في نقد سعيد قام على تقويض «بارادايمات» الأخير، لأنها تختزل ميشيل فوكو؛ ولكن العظم نفسه لجأ إلى «بارادايمات» مماثلة في سيرورة التقويض، قابلة بدورها للنقض، وخضعت للكثير من الاختزال.
أخيراً، لم أتمكن في أي يوم من هضم مفهوم «العلوية السياسية» الذي قال به الراحل خلال السنوات الخمس الأخيرة، وعجزت عن استيعاب شروحاته وتعليقاته حول المفهوم (وقد كانت قليلة متقطعة في كل حال)؛ وذلك رغم يقين شخصي عميق بأنّ هذا العقل النقدي الجبار كان يمتلك جهازاً مفهومياً على درجة من الصلابة والتماسك والتناسق، لا تتيح نفاذ أي بارقة طائفية. كذلك لم يساورني أي شك في انحياز الراحل إلى انتفاضة شعبه، والتزامه بحقوق هذا الشعب في الكرامة والحرية، دون أدنى تمييز بين الأعراق والأديان والمذاهب. وكان بعض ما عانيت من «عسر» في تقبّل المفهوم أنه ظلّ، أو هكذا بدا لي على الأقلّ، متخففاً ـ بدرجة مفاجئة، غير مألوفة عند العظم، في يقيني المتواضع ـ من وطأة الاجتماع السوري وجدل مكوناته، خلال عقود طويلة زاخرة بالتحولات؛ ولا يصحّ أن تُختصر في خمس سنوات من جرائم حرب النظام، أو جدل هذا الموقف أو ذاك، لدى هذه الطائفة أو تلك.
سوف يكتب غيري موادّ رثاء في العظم، وإطراء له، وافرة ومستحقة، وسأتفق مع تسعة أعشار ما سيُقال ويُكتب، لأنّ سوريا خسرت عقلاً فلسفياً ونقدياً كبيراً، لامعاً ورفيعاً وفريداً؛ وبعض تكريمه قد يكمن، أيضاً، في تبيان نزر يسير من اختلاف المتتلمذ مع المعلّم.
٭ ناقد سوري

الحق في الاختلاف

صبحي حديدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية