التغيرات السياسية في الأقطار العربية تلد تغيرات على الخريطة الجغرافية، بعضها ارتسم فعلاً وبعضها يتخذّ سبيله سربا، في هذا المضطرب الهائج، وكلّها يؤشر في اتجاه واحد:مزيد من التجزئة السياسية، مزيد من التشرذم، مزيد من الإنقسام، العراق مشروع دويلات على أرضية مذهبيّة وعرقيّة، السودان انقسم فعلاً، مشكلة الهويّة الأمازيغيّة أطلّت برأسها في ليبيا، مشكلة الصحراء بين الجزائر والمغرب لا زالت معلّقة، سوريا مشروع الدولة العلويّة أصبح واضح المعالم، وستعلن قريباً على أنقاض ما كان سورية ذات يوم، فلسطين: الضفة وغزّة، قضمة من لبنان ستكون جزءاً من مشروع الدولة العلويّة، الأمر الّذي وطّأ له حزب الله بامتياز، ممّا سيفتح شهيّة الدويلات الطائفية، المضمرة في التركيبة الطائفيّة منذ عهد بعيد!ترى هل نسيت شيئاً؟ تفتيت عوامل الوحدة خطّة تتخذ عدّة مسارات، نمطية و يبدو أنّها ممنهجة، وتترجم إلى أمر واقع عبر ممارسات سياسية نخبوية، وتغطية إعلاميّة صاخبة، اتّخذت في مصر أكثر صورها فجاجة، الإنقلاب العسكري، الّذي أعلن هدم مؤسسات الدولة، ابتداء بالدستور، وليس انتهاءً بمجلس الشورى، وهو ما تبقّى من المؤسسة التشريعيّة، الّتي سبق وأن هدمت بقرار قضائي، هو جزء من مخطط الإبتزاز والهدم، الّذي بدأته النخب السياسيّة!وصولاً إلى حالة السيولة السياسيّة، الّتي ستطفو فوقها سفينة الحكم العسكري، حتّى إشعار آخر! أنا لا أرى هناك فشلاً إخوانيّاً ولا يحزنون، وإنّما هو جزء من مخطط تمّت هندسته، في الكواليس الإستخباريّة، ونفّذ خطوة بخطوة!الحملة المسعورة على الإسلام السياسي وغير السياسي هي المسار الموازي، لمشروع التجزئة، يقابلها على الضفّة الأخرى إحياء للعصبيات المذهبيّة والقطرية، وليس أدلُّ على ذلك من تهييج مشاعر الكراهية ضدّ الفلسطينيين والسوريين، وإلقاء تهم الإرهاب بالجملة ودون تحفّظ ولا وازع!من الملامح البارزة لهذه الحملة الهوجاء أيضاً، استحضار الهويّات المنقرضة إلى الوجدان العام، كالتبجح بالفرعونية، والهويّة المصرية الخالدة، التي هضمت الإحتلال الإسلامي ولم تندثر!كلّ ذلك بالطبع ينبىء عن مشروع ثقافي سياسي متكامل، له دعاته وأركانه، وحملة تابوت عهده! وهو أبعد ما يكون عن العفويّة والجماهيريّة! وليست المسألة لا فلول ولا دولة عميقة، وإنمّا إحياء لمشروع قديم، كان له دائما جنرالاته وأجناده، منذ فجر ما سُمي بالنهضة العربيّة ونزاع الهويات الّذي أفرخ تحت جناحها، بين الّدين والقطريّة والقوميّة، وتعاقب الأنظمة السياسيّة، الّتي سمحت ومنعت وأباحت وصادرت، واعتقلت وأفرجت، وحاكمت وأعدمت، عبر سلسلة من التحوّلات، كان ثمرتها، مجتمعات منقسمة على ذاتها، متشككة وعاجزة عن التصالح مع ماضيها أوتبيّن مستقبلها، ساقطة في الذاتية، وعاجزة عن استيعاب الآخر! والخروج بنموذج متصالح مع التاريخ، قادر على دمج مكونات المجتمع في نموذج سياسي ديناميكي متحرك وواعد بمستقبل آمن، يحوز ثقة الأجيال!والنتيجة معروفة، قفزت دكتاتوريات غاشمة إلى الحكم أرهبت وأقصت واستأثرت إلى أن تمت الإطاحة بها، عبر تحرك شعبي عارم، شارك فيه الحميع، ثم لم يلبثوا أن شعروا بالغبن، وقت تقاسم الغنيمة! كل مجتمع له ثقّالاته ومراسيه وعوامل استقراره، كما أن فيه عوامل انشقاقه وتحلله، والتي تطفو في لحظات الأزمة، والمنعطفات التاريخيّة الحادّة، والمجتمعات في العادة تحلُّ تأزُّمها التاريخي هذا، بالعثور على فرجة تنفذ من خلالها إلى حالة الاستقرار المنشودة عبر عمليّة طرد وجذب، تُركّز منظومة جديدة للعلاقات، غير بعيدة عن القيم الإجتماعية المألوفة نابذة في الوقت ذاته كل ما هو تجريبي ومغامر، وهذا يفسر هذا الحشد الجماهيري في الشارع المصري، الرافض للانقلاب العسكري، لا لاستعادة سلطة سلبت من فصيل سياسي وحسب، ولكن استعادة لآلية ديمقراطبة واضحة المعالم ظنّ أنّه اطمأنّ إليها في لحظة ما، وخطفها العسكر في لحظة غدر، ولا أظنًّ أنّهم سيستمتعون بها طويلا!قبل أن يتم الإنقلاب عليهم! نزار حسين راشد