تمنع القوانين وأخلاق العمل الإعلامي تصوير تنفيذ أحكام الإعدام، لكن بعض الإعلام المصري لن يعدم وسيلة للتحايل على ذلك. هذا ما حدث منذ أيام في حلقة من برنامج «الحياة اليوم» استضاف فيها المذيع تامر أمين، منفذ أحكام إعدام في رصيده تنفيذ 1070 حكم إعدام.
المذيع قال في تقديم حلقته إنها جاءت بمناسبة إعدام عادل حبارة في صباح ذلك اليوم، وهو المتهم بقتل جنود مصريين.
لم يصور البرنامج تنفيذ الإعدام، ولكنه نقل إلى الاستديو ما هو أفظع من الصورة. تحدث حسين قرني الملقب بـ «عشماوي» تفصيلياً كيف يجري التنفيذ، وألقى أمام المشاهدين بحبل مشنقة مطابق لذاك المستخدم في عمليات الإعدام، وكذلك بقية عدّة الشغل التي يجري بها تثبيت المحكومين. في العمق كنا نشاهد على شاشة أخرى مشاهد تمثيلية من مسلسل تلفزيوني يصوّر روبي وهي تجسد مشهد الشنق، وكان عشماوي (وقد استعين به لينفّذ حكم الإعدام في ذلك المسلسل أيضاً) يشرح آلية التنفيذ في المسلسل، وكيف غابت روبي عن الوعي مرتين أثناء تصوير المشهد.
نصف ساعة مرعبة كانت مدة تلك المقابلة، اضطررنا خلالها على متابعة رجل فخور بلقب «دوبلير عزرائيل»، كما كتبت عنه مجلة عرضها أثناء المقابلة، وكذلك فخور بحبه الشديد وإخلاصه لعمله، عارضاً على الشاشة يده الضخمة الاستثنائية. هذا في وقت كان المذيع يخاطب ضيفه بكلمات مثل «عم حسين، صديقي، ريّس، دا شرف لي أن تكون نمرة تلفونه على تلفوني..».
في المحصلة لم يكن بوسعنا، كمشاهدين، إلا أن نتحسّس رقابنا، وربما كان هذا هو هدف حلقة، هي أقرب إلى محاولة إرهاب للمشاهدين، ومن سوّلت لهم أنفسهم الاعتراض على حكم السيسي.
«الداخلية المصرية تفبرك»
تناقلت وسائل إعلام مصرية تصريحات صادرة عن وزارة الداخلية في مصر تقول إنه قد تم في بور سعيد ضبط مجموعة من الأشخاص مع مصور، تشير إليهم بالأحرف الأولى من أسمائهم، «أثناء قيامهم بافتعال مشهد للطفلة وتصويرها مرتدية فستانًا أبيض ملوثاً باللون «الأحمر» المشابه للدم، وبيدها «شاش» ملوث باللون نفسه، ودمية صغيرة ملوثة بالأحمر أيضاً، وتظهر في خلفية المشهد أطلال منزل متهدم سبق صدور قرار إزالة بشأنه».
وحسب بيانات الوزارة فقد «اعترف المتهمون بتصويرهم تلك المشاهد لنشرها عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، لإيهام مشاهديها بأن تلك الصور محصلة الأحداث الجارية في مدينة حلب».
قصة هزيلة ومضحكة. من يحتاج في عزّ المقتلة الرهيبة في مدينة حلب، وسائر المدن السورية، التي تبث على الهواء، وعلى مدار الساعة، أن يفبرك مشهداً مثل خبر وزارة الداخلية المزعوم. وإذا صحّت فبركة القصة لماذا تفبرك في مدينة مصرية لا في مدينة سورية أو تركية حدودية على سبيل المثال!
لا شك أن الخبر لا يزيد ولا ينقص من هول الكارثة السورية، إنما يشير فقط إلى فداحة التواطؤ المصري مع النظام السوري.
شاهين وتبرير المجزرة
الفنانة المصرية إلهام شاهين في برنامج «90 دقيقة» عبر قناة «المحور» تبرىء بشار الأسد، وتعتبر أنه يحارب الإرهاب. هي تقف وراء جيشه، معتبرة إياه يمثل الشعب السوري، بينما خصومه من المعارضة يمثّلون خمساً وثلاثين جنسية أجنبية.
تقول شاهين «يحزنني أن يموت الناس، ولكن لكلّ حرب ضحايا»، وترى أن «الإرهابيين منتشرون بين أبناء الشعب السوري»، مما يعني «خسائر بشكل غير متعمّد».
هل تعلم شاهين أن تلك «الخسائر غير المتعمدة» تصل إلى نصف مليون قتيل، وعشرة ملايين لاجئ، وآلاف المعتقلين والمخفيين قسراً، وعشرات المدن المدمرة؟ هل تعلم أن كلماتها تلك، التي صفق لها الجمهور في الاستديو، ليست سوى تبرير لأكبر مجزرة شهدها العصر الحديث!
«كنا عايشين»!
تقول الأخبار إن الممثل البريطاني مايكل شين يعتزم الابتعاد عن التمثيل من أجل التركيز على العمل كناشط في مجال مواجهة صعود اليمين الشعبوي المتشدد.
ونُقل عنه قوله إن «التغيرات الديماغوغية الفاشية في السياسة، بما في ذلك انتخاب ترامب دفعتني للرغبة في مواجهة ذلك».
يريد شين (47 عاماً) أن يترك مهنته ليحارب صعود اليمين الشعبوي المتشدد»، الذي ظهر في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والنمسا، مع أن بلاده لم تقع في براثن من يقذفها بالبراميل المتفجرة، ولا التهجير، ولا ذلك العدد الهائل من القتلى والمعتقلين والجرحى.
لا يملك المرء إلا أن ينظر بعين الأسى لتصريحات الفنانين السوريين وكيف تفاعلوا مع الكارثة، التي حلّت بثاني أكبر مدينة سورية، هكذا مثلاً انضم الفنان تيم حسن إلى جوقة «كنا عايشين»، التي تعني بشكل أو بآخر أن أحوال البلاد كانت على خير ما يرام وأن ثورة السوريين خرّبت كل شيء، أما مصطفى الخاني، نمس «باب الحارة» فيذهب أبعد من ذلك بصراحته المعهودة، ليدعو أصدقاءه إلى وليمة مفتوحة بمناسبة انتصار نظامه في حلب، كما هلل الممثل قاسم ملحو، ابن المدينة، لعودة المدينة ليد النظام.
كتّاب التلفزيون السوريون يتحلّون عادة بالذكاء في مثل هذه المواقف، الذكاء الذي يدفعهم للصمت والمراقبة عن بعد، فقد ثبت أن شركات الإنتاج التلفزيوني ما زالت بأيدي النظام، وهم لا ينوون اعتزال مهنتهم مقابل موقف سياسي.
كان الكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو ينتقد كتّاب «العبث»، معتبراً أن في هذا الأسلوب خيانة، فماذا سيقول في هذا الصمت، الفضيحة، أو في تلك الموالاة الصريحة للقاتل: «أنتقد بشدة الكتاب العبثيين، لأن هؤلاء يرتكبون الخيانة وهم بكامل قيافتهم. إن الأنين لا يجدي، وكذلك محاولة الفرار إلى السراب. إنني معنيّ تماماً بما يقوله القلب الآخر، العقل الآخر، ولا يمكنني إلا أن أكون ضميراً، ولهذا ركزت على المعنى. لقد وقفت ضد موت المعنى لأنه يعني موت الكتابة.
لا أدّعي أنني وفرت كمية إضافية من الخبز، لكنني بالتأكيد جعلت الحرية تشعر أنها أكثر حرية».
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى