لا توجد مؤشرات قوية تدفع للقلق من تدهور الوضع الأردني، ففي النهاية لا تتوافر حاضنة شعبية للمجموعات المتطرفة، والأردن لن يتبع سوريا والعراق على الطريق ذاته، ولكن ذلك لا ينفي وجود مخاطر محدقة يجب أن يلتفت لها الأردنيون، وأن يعملوا على مواجهتها، في منطقة تخضع لحالة من عدم الاستقرار السياسي الذي يعيد تشكيل البنى الاجتماعية ويغير مفاهيم بقيت مستقرة لعقود من الزمن. وهذه التغييرات من الجسامة بحيث تشمل الأسئلة الوجودية التي ترتبط بالدولة، بل الوطن أيضاً.
عاشت الأردن أياماً ساخنة سحبت بسرعة قياسية أي رصيد من الأمل في حكومة الرئيس هاني الملقي، فبينما كانت الاشتباكات المسلحة تتواصل لساعات في الكرك، وتتخللها أخبار استشهاد المزيد من رجال الأمن والمواطنين بدأت أجنحة حكومته ومؤسساتها في حالة من التخبط، وبالطبع لم يكن أسلوب (سكن تسلم) الذي بدأت ملامحه تسيطر على أداء الحكومات الأردنية في السنوات الأخيرة، هو الأسلوب المناسب للتعاطي مع أزمة مفتوحة ومتواصلة يتناقل وقائعها وأخبارها مئات من شهود العيان، بعضهم انتقل من موقع الفرجة ليصبح مشاركاً فاعلاً في حدث يفترض أن يصطبغ تماماً بالمظاهر الأمنية، وبقي العديد من الأسئلة قائما بكل وجاهة ومنطقية يتعلق بالأداء الأمني في الأزمة الأخيرة.
الأردنيون ليسوا قلقين من المواجهة مع «داعش» أو أي تنظيمات متطرفة أخرى، أو ربما يتوجب عليهم أن يدركوا أن تواجد «داعش» غير محتمل أن يصل إلى أي كتلة حرجة خطرة أو مقلقة، ولكن التوتر الذي أصابهم من التبعات التي أنتجتها حادثة قلعة الكرك مشروع ومفهوم، خاصة أنه يتماس بصورة وثيقة بملفي الأمن والإعلام اللذين يتصفان بحساسية كبيرة في الأردن.
تحرك الإعلام الأردني متأخراً، بعد أن فشلت جميع المحاولات لتهدئة أو ترويض الناشطين الاجتماعيين على مواقع التواصل، وبدت التلويحات بالعقوبات أو التبعات القانونية غير فاعلة نتيجة شيوع المسؤولية واتساعها، واضطر الإعلام للتفاعل في الموجة الثانية من الأحداث التي أضافت مجموعة جديدة من شهداء الأجهزة الأمنية بصورة مكثفة وبشفافية غير مسبوقة، وبما فسره كثير من المتابعين بوصفه تعريضاً وتشكيكاً في كفاءة الأجهزة الأمنية، نظراً للسذاجة التي بدت عليها في إطار تصريحات وزير الإعلام محمد المومني وإفلات أحد المطلوبين ليتحول في لحظات من مقبوض عليه من قبل الأجهزة الأمنية لمهاجم يوقع في صفوفهم المزيد من الشهداء.
للمرة الثانية في غضون فترة وجيزة يحدث ارتباك وتعارض وتزاحم بين الأجهزة التنفيذية المختلفة، فالسنة الماضية شهدت وجبة من الإقالات لوزير الداخلية ورأسي جهازي الأمن العام والدرك، على خلفية حادثة أمنية في محافظة معان، وفي هذه المرة فإن حالة التزاحم أو الصراع بين بعض الأجهزة تخرج عن النطاق الفني لممارسة المسؤوليات الأمنية وتتحول إلى صورة مزعجة ومقلقة للأردنيين كافة.
رئيس الوزراء ونائبه لم يبديا درجة كافية من التماسك في مجلس النواب، وكأنهما أفسحا مجال المواجهة لكل من وزير الداخلية سلامة حماد ووزير الإعلام المومني، ولكن حالة الفزع والضغط النفسي التي اعترت الرجلين كانت بعيدة عن أي مسببات حقيقية، فلا شيء يمكن أن ينغص عليهما في مجلس النواب، فالمجلس المنضبط ذاتياً والذي يفتقر معظم أعضائه للتجربة السياسية، فشل بشكل ذريع في التوافق على مذكرة لحجب الثقة عن وزير الداخلية، رغم الظروف المواتية لهذه الخطوة، وحاجة المجلس نفسه، وبعد أن أحبط الناخبين ببدايته الضعيفة، لأن يظهر في صورة المجلس الذي يمكن أن يكسر قاعدة التغول الحكومي على السلطة التشريعية، واللااكتراث العابر للحكومات بالمسؤولية الرقابية للمجلس.
الرئيس الملقي، مع أنه اضطلع مسبقاً بمنصب وزير الخارجية وسفير الأردن في القاهرة والجامعة العربية، إلا أنه لم يظهر قدرات مقبولة على التواصل مع الأردنيين، ومع أن مرحلته الانتقالية التي فصلت بين استقالة حكومة عبد الله النسور وانتخاب مجلس نيابي جديد يمكن أن تفسر سلوكه المتحفظ تجاه الظهور والتواصل مع الإعلام في الأردن، والانفتاح على التواجد الميداني والالتقاء مع القوى السياسية والشعبية المختلفة، إلا أن استمراره في وضعيته المتحفظة والمنكفئة على الذات، أفسح المجال لوزرائه بالاجتهاد والتنافس على الظهور، وما يثير مزيداً من الاستغراب أن رئيس الوزراء الذي تقدم منذ فترة وجيزة بحكومته لمجلس النواب للحصول على الثقة، وهي التي اقتربت من أن تصبح من باب تحصيل الحاصل في السنوات الأخيرة، أطلق العنان لحديث مرتفع الصوت حول نيته إجراء تعديل وزاري واسع في حكومته، ويستدعي الأمر بالطبع أسئلة كثيرة حول دوافع الرئيس للذهاب للمجلس النيابي بوزراء من منتهي الصلاحية قبل أن يباشروا أصلاً في أعمالهم ومسؤولياتهم.
أحدث الرئيس رتقاً واسعاً بين المواطنين والأجهزة التي تقع في إطار ولايته، وهو الأمر الذي يمكن أن يحرج مؤسسة العرش، بين مطالبات شعبية بالحصول على وجوه جديدة تستطيع أن تواجه مرحلة مختلفة، ورغبة الملك في تحقيق استقرار توازنات متطلب الاستقرار والاستمرارية، بقيا طويلاً الحجة الجاهزة التي تدفع أمام أي تقصير أو مراجعة سياسية. كانت منهجية تغيير الحكومات إحدى الأدوات التي وظفها الملك الحسين في إدارة التوازن السياسي في المملكة، واستطاع الحسين توظيفها في الأوقات الحرجة وبدون تحفظات تقريباً، حيث شهدت سنة 1970 الصعبة على الأردن تناوب خمسة رؤساء وزراء على المنصب، وللتاريخ السياسي فإن هذه المنهجية كانت أحد الروافد التي شكلت السمعة السياسية للملك الحسين بوصفه أحد الساسة الاستثنائيين في القرن العشرين، ولكن مستجدات الربيع العربي بشكل عام جعلت تطبيق سياسة مماثلة أمراً مستبعداً، وعلاوة على ذلك، تطلبت خطوات إصلاحية واسعة من أجل تثبيت مفهوم الولاية العامة للحكومات في الأردن، ولكن الضرورات بالتأكيد تبيح محظورات كثيرة، واليوم يقف الأردن أمام مرحلة تتطلب تشخيص الأولويات والضرورات من جديد.
أظهرت أحداث الكرك أن العقلية النخبوية السياسية في الأردن لن تستطيع أن تتعامل مع الأردنيين بالشروط نفسها التي سادت واستقرت في السنوات الماضية، وأحد التحديات المهمة يتمثل في حالة قريبة من العقم أنتجتها الصراعات بين تيارين تعارف الأردنيون على وصف أحدهما بالليبراليين والآخر بالبيروقراطيين، وبغض النظر عن دقة التوصيفات، إلا أن زعامات التيارين لجأت إلى تجميد آلية إنتاج الصف الثاني من رجال الدولة، لحرصها على الإبقاء على العناصر التي يمكن أن تحافظ على الولاء وتنضوي دون شروط في أي من التيارين على حساب إتاحة المجال أمام تجديد النخبة السياسية، وبذلك لم يعد ممكناً سوى التدوير في هذه الطبقة، أو إحداث ثورة بيضاء كاملة ستتضمن هي الأخرى محاذيرها ومخاطرها.
الأجهزة الأمنية حاولت أن تنأى بنفسها عن التيارين، ولكنها لم تنجح دائماً في تحقيق ذلك، وتجربة مدير جهاز المخابرات العامة محمد الذهبي ما زالت توضح إلى أي مدى تشتمل حالة الاستقطاب على إغراء كبير لأي مسؤول يتقدم المشهد في الأردن، وهو الأمر الذي يحتاج إلى مراجعة كبيرة بعد قراءة متأنية لردود الفعل التي تراكمت بعد حادثة الكرك.
الملف الأمني في الأردن يطرح نفسه بوصفه أولوية عاجلة، فادعاء رئيس الوزراء، أي رئيس وزراء، قدرته على أن يضع الأجهزة الأمنية في مقطورة ولايته العامة، ربما يحتاج إلى التركيز في شخصية الرئيس نفسه وقدرته على التصدي لهذه المسؤولية، أو سيتطلب الأمر تفعيلاً لمعادلة جديدة تعيد للأمن الأردني قدرته على الفعل وفرض وجوده واستقلاليته عن أي تفاعلات أو تجاذبات سياسية.
كاتب أردني
سامح المحاريق