إن مسألة رفض الظلم والقهر والاضطهاد لا تتجزأ. فمن يتغاضى عن الظلم في مكان فلا يدعينّ أنه ضد الظلم في مكان آخر، ومن تجاهل عن عمد جرائم الإرهاب ضد مجموعة عرقية معينة، فلا نقبل أن يحاضرنا في وقوفه ضد اضطهاد جماعة دينية أخرى، ومن وقف ضد ممارسات طاغية في بلد بعيد ثم تعامى عن جرائم طاغية أشرس، حتى لو كان في بلده، فلا نقبل منه أن يدبج المديح في فوائد الاستقرار. رفض الظلم ليس مرتبطا بمكان أو زمان أو لون أو دين أو عرق، بل يجب أن يتخطى كل هذه التقسيمات ليأخذ موقعه كقيمة إنسانية مطلقة، توافق عليها البشر طوال التاريخ واستقرت في وجدان الشعوب الذين دفعوا ثمن إبعاد الظلم عنهم ملايين الأرواح عبر العصور.
هذا ما توارد إلى ذهني وأنا أستمع للشابة الإيزيدية، ناديا مراد طه، وهي تدلي بشهادتها لمجلس الأمن يوم الاثنين الماضي عما جرى لها ولعائلتها في بلدة كوجو، حيث ذبحت أمها وإخوتها الستة ثم تقلب عليها الوحوش لاغتصابها مرارا وتكرارا، كما خطفوا عددا من أفراد أسرتها وقتلوا ابنة أخيها كاثرين مؤخرا، بينما تم تجنيد ابن أخيها مالك (13 سنة) قسرا في صفوف «داعش».
وكانت ناديا قد أدلت بشهادتها أمام المجلس في شهر ديسمبر 2015 للمرة الأولى فأسالت دموع العديدين ممن استمعوا إليها وهي تروي ما جرى لها بعد اختطافها ولغاية تدبير أمر هروبها من أيدي «داعش». ثم طافت بعدها العديد من الدول حاملة هموم الطائفة الإيزيدية، تناشد كل ضمير حي أن يقف مع معاناة هذه الأقلية المهددة بالإبادة الجماعية. وقد عينتها الأمم المتحدة سفيرة نوايا حسنة معنية بكرامة الناجين من الاتجار بالبشر، وهي الآن مرشحة لجائزة نوبل للسلام.
ما جرى لناديا عينة مما جرى للطائفة الإيزيدية في العراق ابتداء من 3 أغسطس 2014 على يد تنظيم «داعش» الذي يندرج تحت ما يصنف بجريمة الإبادة الجماعية ضد مجموعة سكانية أو أقلية عرقية أو دينية، بهدف إنهاء وجودها وتدميرها جسميا وتفكيك بنيتها الاجتماعية، وتشتيت أفرادها مرة وإلى الأبد. وأود أن أثير هذه المسألة لعدد من الأسباب أولها، صمت المؤسسات الدينية شبه الشامل وكأن الأمر لا يعنيهم، وثانيا لأن الجرائم التي يرتكبها التنظيم الأكثر وحشية من بين التنظيمات الإرهابية في العصر الحديث ما زالت مستمرة، وبسبب الفتاوى الصادرة لتبرير سبي النساء وبيعهن واستعبادهن.
بداية الإبادة الجماعية
بعد احتلال الموصل في يونيو 2014 بدأت دوريات تنظيم الدولة» «تتمدد غربا إلى أن طوقت منطقة سنجار في شمال غرب العراق قرب الحدود السورية. تقدمت جحافل «داعش» واجتاحت المنطقة يوم 3 أغسطس وأخضعت كل الإيزيديين من رجال وأطفال ونساء لجميع أنواع الأعمال الوحشية» كما جاء في تقرير باولو بنيرو، رئيس لجنة التحقيق المستقلة. لقد قام «داعش» بارتكاب جرائم جماعية بهدف إبادة الجنس الإيزيدي كليا عن طريق القتل والاستعباد والرق الجنسي والتعذيب والاقتلاع والتشتيت. جرى اغتصاب الفتيات حتى في سن التاسعة، وتم توزيع النساء بين المقاتلين. وقد بلغ عدد الذين قتلوا على الأقل 5000 إيزيدي، كما تم استعباد أو خطف أو قتل 6000 امرأة وطفل. وما زالت لغاية هذا الوقت 3000 امرأة قيد الأسر كما يوجد 350000 من أبناء الطائفة الإيزيدية في معسكرات للاجئين في مناطق كردستان العراق.
من جماليات العراق وسوريا هذا التنوع العرقي والديني واللغوي. كثير من هذه الأقليات سبقت الدين الإسلامي بقرون، وتمكنت من التعايش مع بعضها بعضا رغم فترات الصراع المتواصل المنبثق من الداخل مرة والعابر للحدود مرات. وعندما جاء الإسلام وانتشر في هذه المناطق بسرعة لم يُجبر أحد على تغيير دينه. فمنهم من اختار أن يسلم ومنهم من بقي على دينه. منهم من اختار العربية مع الدين ومنهم من أخذ الدين دون اللغة، ومنهم من أخذ اللغة دون الدين، ومنهم من اعتمد حروف العربية فقط وطوعها للغته القومية. وظل العرب منفتحين على هذا التحول الكبير بروح من التسامح، لذلك تجد في بلد كالعراق الصابئة المندائية والإيزيديين والآشوريين والكلدان والسريان والأكراد بتنويعاتهم العديدة والتركمان وغيرهم الكثير. لكن اقتلاع الأقليات تفاقم مع الاحتلال الأمريكي للعراق، الذي قسم البلاد بطريقة المحاصصة الطائفية منذ شكل سيئ الذكر بول بريمر مجلس الحكم العراقي في يوليو 2003 فاعطى الشيعة 13 مقعدا والسنة والأكراد خمسة مقاعد لكل منهما ومقعدا واحدا لكل من المسيحيين والتركمان، وقلت يومها لزميلي الجالس قربي في مسرح قصر الرحاب «هذه بداية حرب طائفية نعرف أولها الآن ولا نعرف نهايتها».
يعتبر الإيزيديون الأكراد أنفسهم من الموحدين وكلمة إيزيدي تعني «عابد الله» أو الروح الخيرة، وتعود منابع ديانتهم لأصول فارسية قديمة مثل، الزرادشتية والمانوية ثم اقتبسوا من الإسلام الكثير. ثقافتهم مسالمة ترفض الشتائم والعنف ويتشاءمون من المسبات حتى لو كانت موجهة للشيطان، وقد تكون هذه الصفة جعلت خصومهم يدعونهم «عبدة الشيطان» وهو وصف غير صحيح. وقيل سموا كذلك لأنهم يعتبرون إبليس ملاكا مستندين إلى قوله تعالى «وإذ قال ربك للملائكة إسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس». ولكون الطائفة الإيزيدية أقلية صغيرة فقد تعرضت على مر العصور للكثير من المذابح والاضطهاد، خاصة في عهد سليمان القانوني، لكنهم حافظوا على خصوصيتهم وتواجدهم في منطقة سنجار وما يقابلها من الأراضي السورية.
لكن الذي جرى على يد «داعش» مختلف تماما. فقد تسابق فقهاء التنظيم بإصدار الفتاوى لتكفيرهم ونزع الصفة الإنسانية عنهم وعوملوا على أنهم كفار يجوز قتلهم وسبي نسائهم وبيع الفائض منهن واستعباد أطفالهم وحرق بيوتهم وممتلكاتهم. وقد وقف المجتمع الدولي مستنكرا ومنددا من بعيد، دون أن يحرك ساكنا. أما المؤسسات الدينية في العالم العربي فكانت غائبة لا دخل لها فيما يجري.
فتاوى فقهاء التنظيم
هذه الأعمال الوحشية ما كان لها أن تتم بهذه الصورة المشينة لولا أن هناك من يبررها دينيا من جهة، ومن يصمت على ارتكابها من جهة أخرى. وسأذكر بعض هؤلاء من مدعي العلم والفقه والتبحر في الإسلام. وقد وضعت السيدة زينب حواء بانغورا، ممثلة الأمين العام لمسائل العنف الجنسي في الصراعات المسلحة قائمة مهمة باسماء مصدري الفتاوى نذكر غيضا من فيضهم:
– الأمير ابو مالك- وهو مسؤول عن الاتجار بالنساء والفتيات ونقلهن من العراق إلى سوريا، وكان يقوم بتقسيمهن على أصدقائه على أساس أنهن «غنائم حرب» وكان يصدر تعليمات منفصلة حول الجهات التي ترسل إليها الفتيات وكيفية توزيعهن على «إخوة السلاح». وفي إحدى الفتاوى أرسل 15 فتاة بين سن التاسعة والعاشرة لاغتصابهن في الرقة والموصل لنصف يوم فقط ثم يتم بيعهن.
الأمير أبو علي – وقد أصدر فتوى داعشية في أبريل 2015 تأمر الأجناد بفصل الأطفال عن أهاليهم ثم جمعهم للتثقيف في «المدرسة الجهادية»، أما الأمهات فإما يبعن في سوق الجواري أو يتم الاحتفاظ بهم للمتعة الجنسية.
– شيخ الرقة – حفر اسمه على كف فتاة إيزيدية لدمغها بأنها من ممتلكاته. ورئيس مكتب شرطة «داعش» في الرقة كان مسؤولا عن الاتجار بالنساء. أما «أم سياف» فكانت مهمتها تطبيق قانون الرق الجنسي على النساء بينما تقوم «الدكتورة نوال» بفحص عذرية الفتيات لتحديد أسعارهن، وكانت تجري عمليات الإجهاض للواتي يحملن دون رغبة من مالكها. وأضافت إلى سلسلة خدماتها للجماعة بتطعيم الفتيات الصغيرات بهرمونات تسرّع في بلوغهن سن الحيض ليصبحن جاهزات للبيع أو الاستعباد الجنسي.
بين جريمة الإبادة وجريمة الصمت
قد يسأل قارئ ألا ترى ما يجري في حلب وتعز وسرت والكرك والقدس والقاهرة؟ أليس «فينا ما يكفينا؟» وأقول إن الجرائم متشابهة وكذلك وجه القاتل. ومن لاذ بالصمت يوم استبيح العراق ثم دفن رأسه في الرمال، وكنائس الموصل تفجر وداء الطائفية يطلق من عقاله ليدمر ويحرق، ثم صمتوا مرة ثالثة ورابعة والأقليات تقتل وتمزق، ها هم يجدون أنفسهم أمام غول الإرهاب المستند إلى فتاوى هؤلاء الظلاميين، ليصل أثرها المدمر إلى الأسواق والحافلات ودور العبادة والمستشفيات والمدارس والآثار التاريخية، التي لا تقدر بثمن، والمتاحف والمكتبات والتكايا والزوايا. فهل من أحد في المؤسستين السياسية والدينية يستطيع أن يدعي أنه بريء؟
محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرسي
د. عبد الحميد صيام