إمكان تبيئة جو حضاري عربي اسلامي

يلوح لنا أنّ فضاء التفكير الفلسفي العربي الإسلامي لم يكن يوجد بين حواشي الشريعة والحكمة، بل كان في قلب الحكمة. ولذلك نجد أنفسنا أحيانا أميل إلى القول بأنّ العطاء الفلسفي الإسلامي لم يكن مرتبطا عضويا بعلم الكلام، أو بعلم أصول الفقه، وإنّما كان امتدادا حقيقيا للفلسفة اليونانيّة التي انتشرت انتشارا واسعا في البيئة العربية الإسلامية، ليتدارسها أصحاب النظر ويتّبعوا فيها مذهب المزج والتخير.
ولعلّ مبادئ القرآن والتغيّرات التي طرأت على البيئة الثقافية العربية الإسلامية، ساهمت إلى حدّ كبير في تبيئة الظروف الملائمة لعقلية جديدة لها من التكوين والتحصيل والإبداع والتحويل القدر العظيم. وإذا كانت عقول الفلاسفة المسلمين قد تأثّرت بعقول اليونان في منطقهم وطبيعياتهم وسائر علومهم، فإنّ قلوبهم ارتوت من معين الدين الإسلامي، وتأثّرت باتّجاهاته، ففي الفلسفة الإسلاميّة أخذ وتأثّر بما قبلها، كما أن فيها خلقا وابتكارا، أضافت به جديدا إلى الثروة الفكرية العامّة من جهة دورها في تحقيق التواصل مع اللغة الفلسفية اليونانية، وتبيئة واستحداث المفاهيم وبناء التصوّرات الفلسفيّة الجديدة وعملها على تحريك صيرورة تاريخ الفلسفة العام. وقد أسهمت تلك المحدّدات العلميّة والأخلاقية في توسيع مفهوم العلم وثقافة العلم، وترسيم مطالبها الشكليّة والمضمونية، النظرية والعمليّة، الرمزيّة والماديّة وفي ربط غاياتها الدنيوية والأخروية بالمناحي الأخلاقية عموما والشرعية العملية خصوصا من جانب المعاملات.
وتنامى حينئذ وعي معرفي بوظائف القواعد العلميّة، وأدوات التفكير في مزاولة الفعل العلمي في البيئة الثقافية العربية الإسلامية منذ القرن الهجري الثالث على الأقلّ (عصر الكندي) أدرك في سياقه الحكماء العرب والمسلمين شرف الفلسفة وعظّموا أمرها ورفعوها إلى مرتبة «الملّة» أو تفوق. وأعجبوا أيّما إعجاب بحكمة الإغريق، وهو أمر جعلهم يقبلون على تعلمّها وتعليمها، وحاولوا تقديم الإضافة في ميدانها لغة ومنهجا وإشكالا فلسفيا، وعلى هذا النحو كانت غاية الفيلسوف المسلم من حيث المبدأ، هو حبّ الحكمة وإيثار الحقّ والبحث عن الحقيقة، واستخلاص المعنى، والرغبة في تحصيل المعرفة وتشريع القيمة حبّا في العلم وطلبا للعمل به، في تحرير العقول وتهذيب النّفوس، في جو حضاري كان قد خطا خطوات مهمّة في تثبيت أركان الدولة – الأمّة فكرا وعقيدة وحالا معيشيا واجتماعا إنسانيا.
ورغم تعلّقهم الشديد بالفكر الوافد من جهة مركزية ثقافية موروثة عن ثقافات وحضارات مختلفة، فإنّ الفلاسفة والعلماء المسلمين ظلّوا دائما أوفياء من حيث التزام أصول المسائل التي خاضوا فيها، للمعطى الذي جاء به النصّ الديني من داخل معارف المركزيّة الثقافية العربيّة الإسلامية الأصليّة. وإنّ تعاملهم مع الفكر اليوناني لم يكن تعامل التبعية وإنّما انحكم «بالمنهج الانتقائي» والائتلافي والتحويري، ثم بعد ذلك وُظّف المنهج التوفقي. فلا يمكن بحال من الأحوال أن نُسلّم بالرأي القائل بأنّ جهود فلاسفة الإسلام إنّما اقتصرت على فهم الفلسفة اليونانيّة والتعبير عن مشكلاتها باللغة العربيّة، فقد كان العقل العربي الإسلامي منفتحا لكلّ ألوان الثقافات العالميّة، وكان للعرب فضل عظيم جدّا في تكوين التراث اليوناني الصحيح منه والمنحول، وفي تحقيق النصوص الصحيحة الباقية لنا من هذا التراث باللغة اليونانيّة، وفي استرداد شيء ممّا فقد من هذا التراث، إضافة إلى العناية بالتراث الفارسي والتراث الهندي، وتراث حضارات قديمة كبيرة وعظيمة الشأن، ليستتبع ذلك توسيع مفهوم العلم وتنوّع تنظيم المعارف من داخل آفاق الذهنيّة العربيّة الإسلاميّة، التي تجمع بين الجانب النظري والجانب العملي جمعها بين العلم النظري والعلم العملي من جهة أنّ حال العلوم أنتجتها حوائج الإنسان الضروريّة في معاشه وتسلسلت بحسبها، وحصول الحاجات بها إنّما هو من صميم منافعها، وهو ضرب من وعي أفضى إلى ذاك التفتّح الواسع الذي لا يحدّه شي،ء ولا يقف في سبيله أيّ تزمّت أو تعصّب، ولا ضيق نظر من شأنه أن يقف أمام تفاعل النظام المعرفي الدّيني الإسلامي، وأنظمة المعرفة الموروثة، وهو العامل الأكبر في ازدهار الحضارة العربيّة الإسلاميّة ذاك الازدهار الشامل الرائع الذي أضاء العالم في العصر الوسيط دفعا لمسيرة العلم المعرفية ولأجواء الارتقاء بالإنسان فكرا وثقافة وكيانا أنطولوجيا .
كاتب تونسي

إمكان تبيئة جو حضاري عربي اسلامي
 
لطفي العبيدي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية