الانقلاب في مصر: الثورة المؤممة أو الدولة المخوصصة؟

حجم الخط
0

ـ1ـ
لعبت الطريقة التي اكتملت بها المرحلة الانتقالية الرسمية أو المباشرة المصرية ـ التي تُوجت بانتخاب الرئيس مرسي ـ دورا كبيرا في الحفاظ على مستوى متميز من الصورة الإيجابية نسبيا التي تمتّعَ بها عالميا ما عُرف بـ’الربيع العربي’. على الرغم من كل الإشكاليات، التي طفت على السطح غداة الثورات. كثيرون في العالم بدأوا يتذكرون، أو يشعرون، بأنه إلى جانب الدول ‘المعلنَة مع وقف التنفيذ’ التي تشكل جل العالم العربي، وجزءا واسعا من العالم الإسلامي، تمثلُ مصر بلدا يمكن أخذه على محمل الجد كمشروع دولة حديثة، وإن ظلتْ فيها ملامح ما قبل الدولة الحديثة هي الطاغية. هل بدأتْ حينها مصر تستعد للعودة إلى التاريخ كقوة إقليمية بعد أن كادت أن تسقط من الحساب الجيوستراتيجي؟ ذلك ما بشّرَ به أكثرُ من مراقب غداة انتهاء المرحلة الانتقالية الرسمية في مصر. طبعا لم يكن المراقبون يجهلون الضخامة البالغة للتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تواجهها الدولة المصرية. الإرث الثخين معروف نسبيا والسياق الطفروي الداخلي والخارجي يعلن بنفسه عما ينتظر السياسة، من حيث هي فعل يتغيى كسر الحتميات الموروثة. ولكن عين المراقب ـ أي مراقب ـ لم تكن تخطئ شيئا يمكن أن نسميه انتصار السياسي والمدني على ‘الشعوذي’ ـ يحيل ‘الشعوذي’ هنا إلى مزيج من اللاعقلانية السياسية العتيقة والكليانية البوليسية الحديثة، أو هكذا على الأقل بدا الأمر قبل موجة التأليب والتأليب المضاد التي مهدت للانقلاب العسكري الحالي. لم يختف تماما ما يجدر أن نطلق عليه العنف العاري الشعوذي الموروث، سواء كان عنفا دَوْلَتِيا أو مضادا، ولكنه بدا خلال مرحلة ما من التحول السياسي المصري هامشيا وعرضيا. وظهرتْ في البداية ـ شكليا على الأقل ـ كل القوى الشريكة في الثورة حريصة على أن يكون صراعها السياسي والأيديولوجي صراعا مدنيا. بدا حينها وكأن سرديةً ثوريةً انطلقت من تونس قد ‘عُمّدت’ إلى حد معتبر في مصر وأخذت تصبح سردية موجّهة في دولة الجنوب ووجيهة في بقية العالم.
ـ2ـ
نقطتان ساعدتا على تكريس هذه الصورة. إحداهما ما ظهر أوليا أنه نجاح للانتقال من الشرعية الثورية إلى الشرعية الانتخابية. هذه النقطة مثلت غالبا الحلقة الأضعف والأخطر في مسلسلات الانتقال الديمقراطي. فالرغبة في اكتساب شرعية انتخابية وفق المعايير الاستهلاكية المُسوَّقة راهنيا على الصعيد الدولي كانت دائما فخاخا تقع فيها قوى التغيير حين تتوهم أن التجسيد يطابق التمثيل، أي أن شرعية الميدان قابلة للترجمة المباشرة إلى شرعية صندوق الاقتراع. فالميكانيا الاقتراعية بمقتضى الصورة العامة لآلياتها الفنية ومعاييرها ‘المسوّدة’ كونيا تميل تلقائيا لصالح ‘الدولة’ المخوصصة الموروثة، وليس لصالح القوى الثورية التي تأمّمت ‘ميدانيا حين جسدت الشعب كطموح مواطني وكوني. فبالقدر الذي تعبِّرُ فيه الدولة الموروثة والخبرة الدولَتية والاجتماعية وميزان القوى الاقتصادي المرتبط بهما عن نظام ومنظومة ما قبل الثورة يبقى الاقتراعُ، إذا تمّ وفق المعايير التقليدية المهيمنة، الطريقَ الأقصر لإعادة نظام ما قبل التغيير ودولته المخوصصة. نفهم إذاك كيف أضحى إجراء الانتخابات عبر مرحلة انتقالية قصيرة وسيلة معتادة تُجهِض بها قوى المنظومة الموروثة آليةَ التحول بدون عناء كبير.
وهو ما أثبتته كثيرٌ من التجارب، مثلا في افريقيا وآسيا في العقدين الأخيرين. القبول بالانتقال السريع من شرعية الميدان إلى شرعية صندوق الاقتراع مثلَ الطريق الأسهل لعودة نُظم ومنظومات ما قبل التغيير أو الثورة. أكثر من ذلك فإن الاقتراع منح في كثير من الأحيان أنظمة ما قبل التغيير، أو ما قبل الثورة ‘شرعيةً’ ولو صورية قانونية في حين أنها لم تكن تتوكأ قبل الثورة إلا على العنف العاري وإطاره الأعم الذي وصفناه بالشعوذي. هذه ‘الشرعية’ الصورية تنبني على نقل التزوير من مستوى صناديق الاقتراع نفسها إلى مستوى ميزان القوى الكلي المؤطِّر لها. إنها تعني الحرصَ على مستوى من الشفافية الفنية تجاه صناديق الاقتراع، يقابله تزويرٌ مسرفٌ للتنافس وأطره ووسائله إلخ. وهو تزوير يكاد يكون تلقائيا وآليا، لأن الماكينة الاقتراعية تتحرك عبر أطر الدولة الموروثة ومؤسساتها، بما توفره داخليا وخارجيا، وبإمكانياتها الرمزية والمادية المحتكرة والمخوصصة بشكل مباشر وغير مباشر، أي يتمُّ التزوير بشكل أعمّ عبر الإحداثيات الاعتبارية والفنية لأي دولة موروثة عما قبل الثورة أو قبل التغيير، بدون الحاجة دائما أو بنسب كبيرة للتزوير الفج المباشر بالمعنى التقليدي الفني. يتم استبدالُ الأخير بما يمكن أن نسميه التزوير المقنن أو التزوير ‘الشفاف’. وبدل أن يكون الهدفُ من المرحلة الانتقالية هو تمكين الثورة من تخطي مرحلة إسقاط النظام لتحقيق مرحلة إسقاط المنظومة، أي بدل أن تهدف المرحلة الانتقالية إلى استرجاع الدولة كتعبير سياسي عن الكافة المواطنية ـ أعني بالاسترجاع تأميم الدولة التي تمت خوصصتها ـ تميل غالبا قوى التغيير، بنوع من الواقعية السياسية الماقبل ثورية، إلى القبول بمرحلة انتقالية اقتراعية بحماس، بل وتصر على اختصارها كضمان فني متوهم. بمعنى آخر تُصرُّ على لعبة اقتراعية لا تمتلك أغلبَ أدواتها المرتهِنة للمعايير المهيمنة. وطبيعة الرومانسيات الثورية والسهولة النسبية لسيطرة المزايدات التبسيطية على دينامية الثورة، تُيسِّران النظرَ الواهم إلى الشفافية الاقتراعية الشكلية، باعتبارها كافية لهزيمة القوى الموروثة. ينضاف إلى ذلك أن الإيديولوجيا الاقتراعية والإيديولوجيا الإعلامية المحايثة لها بصيغتيهما الحاليتين المكرستين عالميا تدفعان في هذا الاتجاه. وأنظمة ما قبل التغيير أو ما قبل الثورة ظلت، في المحصلة، تستعيد سلطتها في كثير من الأحيان وتكتشف أن خوصصتها للدولة ـ و تبعا لذلك ما راكمته ماديا ورمزيا من الوسائل العامة عبر عقود ـ تسمح لها أن تكتسب ولو في حدودٍ دنيا ما تتوهم أنه شرعيةً انتخابيةً تُصبح غطاء يمكّْن من الحجب الجزئي للعنف العاري الشعوذي كمرتكزها الرئيس. يكفيها لذلك أن تتنازل عن لامعقولية التسع والتسعين وتكتفي بـ’مصداقية’ ما فوق الخمسين ولو بقليل. هذا ما عرفتْه دول افريقية كثيرة منذ بدايات التسعينات، وهذا ما كان سيحصل في مصر لو أن المرشح أحمد شفيق ‘مُنح’ عدة أصوات إضافية. ولكن هذا لم يحصل تماما وهو ما كان لافتا عالميا.
وبالتالي فلم تصدر الشرعية الاقتراعية للرئيس مرسي فقط عن أن أي مراقب أو طرف لم يشكك فنيا في كونه رئيسا منتخبا بالمعنى الكمي الإحصائي. ولكنها صدرتْ أساسا عن أن هذا الانتخاب ليس نتاج ميزان القوى الفني أو الدعائي أو الاقتصادي إلخ.. الموروث عن نظام ما قبل الثورة، بل إنه كان انتخابا معاكسا للمتوقع الموروث ونقضا له بنسبة معتبرة. الشرعية الاقتراعية للرئيس مرسي وجِدِّيةُ انتخابه تكمنان في هذه النقطة الأخيرة أكثر بكثير من المعطيات الإحصائية الشكلية. وهي إذن شرعية اقتراعية مرتبطة بالشرعية الثورية ولا يمكن أن تتمتع بوجود ذاتي مستقل عن الشرعية الثورية. فالأخيرة شرعية تجسيدية تنشيئية تستمد
وجودها كشرعية ثورية بشكل ذاتي من طبيعتها التجسيدية، بينما الشرعية الانتخابية هي شرعية تمثيلية أو تفويضية دستورية تتوكأ على المرتكز الشرعي الذي تصدر عنه المعايير الدستورية أو يُفترض أنها تصدرعنه. والمرتكز الشرعي الذي يُفترض أن المعايير الدستورية تتوكأ عليه بالنسبة للحالة المصرية لما بعد الثورة ليس تبعا لما تقدمَ شيئا آخر غير الشرعية الثورية نفسها.
ـ3ـ
النقطة الثانية التي ساعدت على تعميد صورة الثورة المصرية، هي أنه بدا وكأن السلطة في مصر قد انتقلت فعلا وأصبح الرئيس المنتخب هو الرئيس بحصر المعنى. عموم التدبيرات المعلنة أو المشاهدة للرئيس مرسي أعطت هذا الانطباع اللافت. هذه النقطة بدت أكثر مفاجأة وكأن مؤسسات الدولة الموروثة أصبحت فجأة محايدة مصلحيا وإيديولوجيا، أي كأنها لم تكن تكريسا عبر عقود لمصالح فئات معينة تماهت مع الدولة أو، بعبارة مرادفة، تمت لها خوصصة الدولة. لم يكن الأمر مفاجئا فقط لأنه بالغ الصعوبة في دولة لم تعرف تقاليد مؤسسية في التداول على السلطة،
ولا تتمتع بتوازن بين مختلف مؤسسات الدولة. فمصر أحد البلدان التي ما تزال فيها المؤسسة العسكرية تبدو هيكلا مركزيا ناظما للدعامات الدولَتية الأساسية. ولكنه بدا مفاجئا أكثر من ذلك لأن الديمقراطيات النيابية ‘الغربية’ نفسها ـ على الرغم من كل الهالة التي تحاط بها منذ نهاية الحرب الباردة ـ لا تعرف التناوب إلا داخل أطر تفاهم مقيد ومغلق نسبيا ضد القوى التي لا تقبل علنا أو ضمنيا بفرضياته الكلية، أي القوى التي تقف خارج الأطر المصلحية والأيديولوجية التفاهمية. ظروف وعوامل خاصة واستثنائية هي التي يبدو أنها قادت إلى القبول المرحلي بالإخوان داخل التفاهم المقيد. أحد هذه العناصر هو بلاشك عقيدة ‘القوة المحلية’ لدى الولايات المتحدة ولدى العديد من حلفائها والمرتبطين بها إقليميا ومصريا. هل يعني الانقلاب العسكري وتحضيراته أن هذه القوى الدولية والداخلية رأت في تصرفات الرئيس مرسي وحزبه أو جماعته ما تراه مؤشرا على استحالة دمجهما في الأطر المصلحية والأيديولوجية الموروثة، أي في فضاء المعاني المحصور بالتفاهم المقيد؟ ليس من السهل راهنيا أن تتمّ الإجابة بشكل قطعي على هذا السؤال.
وإن كان من المحتمل ألا يكون هذا العامل غائبا عما حدث ولو بشكل غير مباشر. بيد أن هذا التساؤل يسمح لنا أكثر بأن نفهم أن انتخاب الرئيس مرسي كرئيس قادم من خارج دائرة التفاهم المقيد من جهة واضطرار المؤسسات الموروثة بما تمثله من مصالح متناقضة مع الوضع الثوري الجديد للقبول به ولو شكليا، وبالقبول معه بالسلطة الجديدة وشرعيتها الثورية والانتخابية معا من جهة ثانية، يعنيان أن لدى تلك المؤسسات وعيا بـ (أو حدسا لـ) ميزان القوى المرحلي الذي أثمرتْه الثورة، ويعنيان أيضا بداهة وبنفس المستوى محاولة لتفادي الاصطدام بهذا الميزان ومحاولة لتدجينه وتقويضه.
ـ 4ـ
لنعد قليلا إلى الوراء حتى نستعيد خلفية هاتين النقطتين. لنتذكر أن الحشود التي تظاهرت ضد نظام مبارك كانت حشودا لافتة على أكثر من صعيد، ولكنها رغم ذلك لم تكن عدديا أغلبية مواطني الدولة المصرية. لم تكن بداهة إلا نسبة متواضعة من الناحية الكمية، بالنظر إلى عدد مجموع الشعب المصري. فمن الطبيعي أن أي مظاهرة من هذا النوع أيا تكن تظل دائما أقلية عددية بالنسبة للشعب، أي شعب، ككتلة إحصائية. هذه بحكم الأمر الواقع هي حالة كل تحرك شعبي في هذا المستوى، مهما كانت فلكيته وطوفانيته. فهو لن يمثل إحصائيا إلا جزءً من الشعب ككل. ولكن مع ذلك فإن الحشود التي ثارت على نظام مبارك ظهرت اعتباريا كتجسيد ـ وليس كتمثيل ـ لكل الشعب المصري ومصالحه وتطلعاته المختلفة. هكذا وعت ذاتها عمليا وهكذا نُظر إليه جديا داخليا وخارجيا.
ولم تكن دعاية نظام الرئيس مبارك بتركيزها على أن المتظاهرين ليسوا أغلبية الشعب، ولا يتمتعون بتفويض منه، لتقنع حتى منتجيها بأن الاستنفارات الميدانية لا تجسد الشعب كتطلعات. هنا تكمن الشرعية الثورية ومن هنا تصدر فاعلية سرديتها كارتسامة لحركية تحررية أو تحريرية، أي كحاملة لأمل مواطني كلي وأمل إنساني كوني. لذلك فإن الثورة بهذا المعني لا تلغي فقط شرعية النظام القائم، إن جازت تسمية الأخيرة كذلك، ولكنها تلغي شرعية الدولة الموروثة نفسها.
تعلن أن الدولة جهاز غير محايد ولا يمثل مجموع المصالح العامة التي تتجاوز تناقض المصالح الخاصة، تعلن أن الدولة مخوصصة، أي تعبر عن مصالح جزئية ويلزم أولا تأميم الدولة قبل توظيفها للتعبير عن العام. يصبح الميدان مؤقتا هو الدولة عبر تجسيده للمصالح العامة، فيما يتجاوز التناقضات الخاصة. واضح هنا أن تجسيد الجزء للكل هو حالة استثنائية.
وهذا كما هو معروف فرق تقليدي بين التمثيل النيابي والتجسيد الثوري. الجزء الذي يمثل الكل، أو يُفترض أنه يمثل الكل، هو الحالة العادية في النظام النيابي. أما الشرعية الثورية التي يمنحها تجسيد ـ وليس تمثيل ـ الجزء للكل فهي جوهريا حالة مؤقتة. ولكنها حالة كثيفة السيادية لأن القوى الثورية تتوقف، نسبيا، عن التعبير عن مصالحها وتوجهاتها الخاصة مؤقتا لتجسيد الكل بما هو كذلك. حينها تصبح وحدها القادرة على وضع أجهزة تأسيسية لتأميم الدولة وعلى منع الدولة الموروثة المُخوصصة من أن تصبح الحَكَمَ بين القوى الثورية. نفهم هنا أهمية الإبقاء على هذا الطابع التجسيدي العام خلال أكبر فترة ممكنة لضمان الوقوف في وجه الثورة المضادة وفي وجه استخدام الدولة الموروثة ومؤسساتها وأجهزتها لتقويض الثورة. ونفهم أهمية أن يظل القرار تشاركيا إجماعيا بين القوى الثورية في مرحلة تأسيس دولة ما بعد الثورة.

‘ مدير معهد الدراسات والأبحاث العليا في بروكسيل وأستاذ بجامعة دوفين في باريس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية