لا المجتمعات ، خطورة هذا الموضوع تتجاوز حدود الإدراك، إذا ما تمعنا فيه من كافة أبعاده وتصورنا مسار التداعيات التي ستترتب عليه إذا لم يطرأ تغير سريع على طريقة التفكير والتعامل البيني لدى القيادات السياسية في العالم العربي .لا نقول هذا من باب التهويل أو المبالغة، لأن مجريات الأحداث الماثلة أمام أعيننا تشير بكل وضوح إلى جنوح المسار السياسي في العالم العربي بشكل عام، وفي معظم دول ما يعرف بالربيع العربي بشكلٍ خاص، نحو الارتطام البيني بقوة مدمرة داخل كياناتها التي عرفت كيف تثور على الظلم ولم تتمكن من رسم صورة ولو خيالية لشكل العدل الذي ستبني صرحه على أنقاض ذلك الظلم الذي عاشته في ظل الدكتاتوريات التي لا يلوح في الأفق أي مؤشر على أنها تستحق أن تسمى ‘بائدة’، على الأقل في القريب العاجل، لأننا على ما يبدو سنتداول تسميتها بالسائدة تارةً والبائدة تارةً أخرى لردح من الزمن لا يعلمه إلا الله. هذه القوى السياسية رغم تعدد مسمياتها، من إسلاميين وليبراليين وقوميين وعلمانيين، إلا أنها في الفترة الأخيره وبعد احتدام الخلافات في ما بينها فإنها تقاطبت وتجاذبت بشكلٍ متسارع لتنقسم إلى فريقين اثنين، ليسا بالضرورة في حالة من التجانس التام في صفوف كل فريق على حدة، وإنما يرى كل فريق أن لدى كافة فصائله من الخوف والكراهية تجاه الفصيل الآخر ما يكفي لجعل هذه الفصائل تنضوي تحت لواء واحد لكي تصل إلى نوعٍ من التوازن مع أو التغلب على الفريق الآخر. هذا الواقع الخطير سيؤدي إلى صراع إراداتٍ مرير بين أبناء الشعب الواحد، الذي يبدو أنه يسير بخطىً حثيثة نحو الانشطار إلى نصفين متباينين إلى درجة تكاد أن تجعل منهما شعبين مختلفين في دولة واحدة، من دون أن يملك أي منهما أغلبية ساحقة تمكنه من فرض إرادته على الطرف الآخر، ومن دون أن يترك مجالاً للقوى الخارجية، الإقليمية والدولية من ترجيح كفة فريقٍ معين على الفريق الآخر، وإدخالهما في صراع شبه وجودي قد يؤدي إذا ما حصل الصدام إلى إحداث تصدع بنيوي في كيان الدولة، ومن ثم تفجيرها من الداخل، نظراً لأن مصالح هذه القوى الخارجية والإقليمية تقتضي شلها وتحويلها إلى دولة فاشلة. ما الذي يجعل الأمور تتطور على هذا النحو في المجتمعات العربية، من دون أن نرى لها مثيلا لدى المجتمعات الغربية؟ للإجابه على هذا السؤال لا بد من مقارنة العقلية التي تحكم الشعوب العربية مع تلك التي تحكم الغربية، لنتبين الأسباب التي تؤدي إلى هذا الصدام الخطير بين أبناء الشعب الواحد لدى شعوب العرب من جهة، والأسباب التي تؤدي إلى الحيلولة دون وقوعها لدى شعوب الغرب من الجهة المقابلة. وبقصد الإيجاز فإننا سنكتفي بذكر بعض الأسباب الجوهرية التي أدت إلى عدم وقوع الشعوب الغربية في مثل تلك الفتن التي تعصف بالبلاد العربية، ونترك للقارئ الكريم استخلاص العبر لكي يتبين منها مواقع الخلل التي أدت ببلاد الربيع العربي إلى السقوط في أتون هذه الكارثة المدمرة. أولاً: إن الشعوب الغربية التي دفعت أثماناً باهظة في رحلتها نحو الحرية والعدالة الاجتماعية خلال القرنين الماضيين، تمكنت من تطوير آليات ومعايير قيمية مذهلة في ما يعرف بـ’فن إدارة الخلافات’ التي وعت أنها لا بد أن تنشب بين قيادات أحزابها السياسية، ولهذا فقد سعت بكل طاقتها من أجل الارتقاء بالجماهير التابعة لها لتبني هذه الآليات والمعايير التي تحولت إلى قيمٍ أصيلة تعتنقها كافة شرائح المجتمع، سواء كانت يمينية أو يسارية أو متطرفة، بل حتى لو كانت من أقصى اليمين المتطرف المعروف بالمحافظين الجدد، وقد تجلى هذا بوضوح يوم خرج جورج بوش من البيت الأبيض، حين سلم أزرار القيادة الخطيرة للرجل الأسمر ذي الأصول والملامح الأفريقية، وتجولا معاً في أجنحة البيت الأبيض برفقة زوجتيهما. هذا الوعي الجماعي الذي سلم لآليات الاحتكام إلى صناديق الاقتراع في تحديد الجهة المخولة بالوصول إلى سدة الحكم، لم تكن لديه مشكلة في الوقوف خلف القيادة الجديدة قلت نسبة نجاحها أو قصرت، لأن الفصيل الذي لم ينجح يفكر بعقلية تمكنه من استيعاب صدمة الهزيمة ليقوم من فوره بمعالجة الأسباب التي أدت به إلى الإخفاق في نيل ثقة الناخبين، ويستغل الفترة الزمنية المتاحة لإعادة النظر في سياساته التي أدت لهذه الهزيمة، من دون أن يخرج إلى الشوارع للقفز على النتائج لمجرد شعوره بأنه الأكثر أهلية لقيادة الشعب. ثانياً: إن كافة الفرقاء السياسيين من قيادات الأحزاب السياسية مجمعة على أن التفاعل والمنافسة السياسية مهما احتدمت بينها فإنها لا تبرر لكائن من كان مجرد التفكير بطلب العون المادي أو المعنوي، أو بأي شكل من الأشكال من قوى خارجية من أجل الفوز على غرمائها السياسيين داخل بلادها، وأن هذا العمل يرقى إلى درجة الخيانة العظمى، ولو تورط أي طرفٍ فيه بالتلميح أو التصريح فإنه سيؤدي به على الأقل إلى هاوية الاحتراق السياسي، حتى بين أفراد حزبه الذين سيلفظونه ويتبرؤون منه فور إثبات تورطه فيه. ثالثاً: من الواضح أن المجتمعات الغربية تمكنت من تحصين دولها من سطوة الجيوش التي تقف فعلياً على مسافة واحدة من كافة أطياف الشعب، وتعلن ولاءها المطلق للقيادة السياسية المنتخبة وتلتزم بهذا المبدأ الراسخ الذي لم يخرج عليه أي جيش من جيوش الدول الغربية، التي تتبنى النظم الديمقراطية تحت أي ظرفٍ من الظروف. رابعاً: إن أيا من جيوش هذه الدول لا يستطيع أن يحصل على مساعداتٍ مالية من دولة أجنبية مهما كانت حليفة أو صديقة، لأن ميزانيات دفاعه تحدد من قبل السلطة السياسية وحدها، رغم أن هذه السلطة تقوم بالاقتراض من دولٍ أخرى وهي وحدها صاحبة اليد العليا على هذا الجيش في التمويل والتعيين والإقالة، لكي يبقى الجيش مخلصاً وطائعاً للسلطة التي ينتخبها الشعب، وبالتالي لذلك الشعب الذي هو مصدر السلطات وليس لأية جهةٍ أجنبيةٍ تمده بالمال ليراها ولية نعمته. كل ما قلناه عن دول الديمقراطيات الغربية من محاسن لا يعني أننا ندعي مثاليتها في التعاطي مع الشعوب الأخرى، التي تتلمس طريقها نحو بناء أنظمة أكثر عدالة وشفافية من تلك الأنظمة المسؤولة عن تخلفها، بل على العكس من ذلك تماماً فإنها في واقع الأمر تسعى بكل قوتها من أجل إفساد القيادات السياسية لدى هذه الشعوب، وتقوم بتقديم الدعم المالي والاستخباري لإحداث الفوضى وتشجيع الاستقطاب المفرط بين ابنائها، من أجل خدمة مصالحها التي تستدعي حرمان الآخرين من اللحاق بها لأنها تريدهم ضعفاء تابعين يطيعونها إذا أمرت وإذا نهت. ‘ كاتب فلسطيني