في أدب السياسيّين: التونسيّ أحمد بن صالح

كان بعض السياسيّين، وما بالعهد من قدم؛ يدركون أنّ السياسة مهما طغت وعلا صوتها، لا يمكن أن تنسخ تأثير الأدب أو الفنّ عامّة، وأنّ بميسور الأدب، سواء استفاضت الحضارة، أو استحكمت الفوضى؛ أن يردّ علينا إيماننا بأنفسنا وبالحياة، كلّما عرض لنا ما يعرض للناس من ريْب وضعف، بل يمكن أن يصوغ ذواتنا ويشكّل سلوكنا وأخلاقنا. وهذا ممّا أدركته أمم غير قليلة في الغرب. وكان العرب، في فترات من تاريخهم، في شرق البلاد العربيّة أو غربها (بلاد المغرب والأندلس) يأخذون به.
وأنا شخصيّا ـ وأقدّر أنّ غيري يشاطرني رأيي ـ من الذين لا يثقون بالسياسي الذي لا يقرأ الأدب ولا يعرف المسرح أو السينما أو الرسم والنحت… فهذه كلها نوافذ مشرعة على الناس وعلى الحياة حتّى وهي تمسخنا في صورة نموذجيّة، حيث يلوح الفرد أشبه بشخص مطارد، ملامحه مزيج من نماذج الهيئات المرسومة في ضوء الصفات التي أدلى بها شهودٌ همْ بدورهم صور نموذجيّة سواسية كأعواد الثقاب المتساندة في علبتها.
ندرك جميعا أنّ سياسة الدولة شيء، وسياسة الأدب شيء آخر؛ وأنّهما نادرا ما يلتقيان إلاّ إذا ارتضى الكاتب لنفسه مصانعة الحكام ومداهنة الأحزاب. وهناك في السياسة الفرنسيّة مثلا ما يشبه التقليد، فقد تعاقب على دفّة الحكم أكثر من مسؤول يكتب الأدب أو الشعر، فإن لم يكن من كتّابه فهو من قرّائه والقائمة طويلة. ولكنني أذكر على سبيل المثال علما في الشعر الحديث هو سان جون بيرس، ورئيس الدولة الأسبق جورج بومبيدو، فقد نشر «أنطولوجيا الشعر الفرنسي الحديث» وهي مختارات تنمّ عن ذوق فني رفيع وفطنةِ متمرّس بهذا الفن، والرئيس فرنسوا ميتران، ودومينيك دوفيلبان الذي لا يعرف أكثرنا أنّه شاعر؛ وهو الذي شدّ إليه الأنظار في المحافل الدولية، وتحديدا في جلسات مجلس الأمن قبيل اندلاع الحرب على العراق بعد احتلال الكويت.
أمّا في تونس، فقد اشتهر محمود المسعدي بنصوصه الاستثنائيّة مثل «السدّ» و«حدّث أبو هريرة قال» و«من أيّام عمران» وغيرها ممّا كتبه في حقبة الاحتلال الفرنسي، وتحديدا في الأربعينيات من القرن الماضي. وهناك أيضا الشاذلي القليبي الأمين العام الأسبق للجامعة العربيّة، ومصطفى الفيلالي الوزير والسياسي المحنّك، والحبيب بوالأعراس الوزير والكاتب المسرحي. بيد أنّ أكثر التونسيّين يتذكّرون لا شكّ فترة التعاضد (اشتراكيّة الأرض في تونس) التي قادها أحمد بن صالح في الستّينيات (وهو النقابي الذي قاد الاتحاد العام التونسي للشغل بعد اغتيال فرحات حشّاد)، قبل أن يصبح وزيرا بثلاث حقائب، ضخّ دما جديدا أنعش الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم وحده وقتها بزعامة بورقيبة، وربّما أضفى على الحكم بعض الشرعيّة وبعض المصداقيّة التي تؤكّدها إنجازات الرجل (التعليم والاقتصاد)؛ ولانزال نتمتّع بما تبقّى من ثمارها. صحيح أنّها اليوم ثمار فجّة حامضة، وقد تكون نخرتها الديدان في فترة الليبراليّة الشرسة في تونس حيث تدهورت البنية المعماريّة والاجتماعيّة، وانخرمت تلك الحلقة من الوشائج والعلاقات العائليّة الحميمة، وتحوّل المجتمع أو كاد إلى مجتمع انفرادي اقتنائي، مجتمع الأثرة لا الإيثار؛ بفعل إرادة غريبة في تجزئة التقليدي، وفي استعمال الحديث بمعزل عن البنية الثقافيّة التي أنتجته. وربّما يتذكّر كثيرون من أبناء جيلنا قصّة هروب أحمد بن صالح المثيرة، من السجن؛ إلى الجزائر فأوروبا، وهي قصّة أشبه بشريط سينمائي أي «نصّ هيروغليفي» بعبارة المخرج الروسي سيرجي إيزنشتاين. ولكنّ أكثرهم لا يعرف أنّ أحمد بن صالح كتب في الأربعينيات نصوصا أدبيّة سرديّة ذات شعريّة عالية، كان يمضيها بـاسم «أبو الحسن»، مثل «خبر مدينة النحاس» المنشورة عام 1947 و«الصنم» المنشورة عام 1948. والشخصيّة الرئِيسَة فيهما اسمها ابراهيم، تلوح منسجمة في رؤاها وتطلّعاتها مع أحمد بن صالح الكهل. يقول الكاتب في النصّ الأوّل: «كان إبراهيم يطلب خبرا شاردا، ويزرع سؤاله في كلّ مكان». إبراهيم هذا سَمييّ أحمد بن صالح رجل لا يقيم إلاّ على سفر، ولا يطمئنّ إلاّ في الحيرة، ويرفض أمر السلطان عندما يصرخ في أولاده: «آتوني برؤوس أزواجكم مقطوعة مخضّبة»، ويؤثر الفرار؛ وقد رأى أخوته ينحنون تحت شظايا السلطان، فينام «وزوجته وسيفه وخادمته في قصر من مدينة وقعوا فيها هربا، والقصر خلاء لم يمت في أثاثه حرّ اللمس ولا النفس البشري؛ بل رسخ على كلّ شيء كما تتمرّد الروح، عندما يموت عنها الجسد قسرا». وإبراهيم هذا تنطلق تجربته من حيث هي فعل فتح واستكشاف، فيواجه «مؤسّسة الاستلاب الميثولوجيّة» التي تريد أن تمسخنا جميعا في صورة نموذجيّة أو مثال واحد؛ إذ هي لا تتقبّل الأبعاد المفقودة، أو هذه المسافة التي بفضلها يظلّ التوتّر بين الراهن والممكن قائما.. المؤسّسة التي تملؤنا بوهم الامتلاك، وتجتثّنا قبل أن يحين حيننا، أو قبل أن يحلم فينا الموت؛ فإذا نهايتنا تسقط في أعماقنا ثمرة فجّة لم تنضج بعد: «وقامت ريح نتنة، فاندفع إبراهيم يفتح الجثث فتحا، حتّى بخّر الريح النتنة، وتبخّرت أوهامه، ماضية، ماضي السلطان والزوجة؛ وجرى إلى العجوز، إلى أمّه الكبيرة، مُقطّع الأوصال، ووقع إلى نوم ثقيل كأكداس لياليه الماضية؛ إلى صباح اليوم الثالث، والعجوز لهاث وحيرة؛ حتّى تكلّم فقال: «أ. ب. ت» ابتدأ الكون، فيستقيم ظهر العجوز، ويدقّ النحاس، ويحلّ المضارع».
حقّا لكم هي مريبة بل مدهشة هذه العلاقة بين إبراهيم «أبو الحسن» الشخصيّة القصصيّة الورقيّة، وأحمد بن صالح الإنسان.. لكأنّ الرجل كان يحدس المصير الذي سيؤول إليه، بعد أن انقلب بورقيبة عليه، وأودعه السجن، وكان يدبّر لقتله أو إعدامه. وهذه الصورة هي التي تستوقفنا أيضا في نصّه «الصنم»: «حدّث إبراهيم فقال: انتفضت من نومي العميق، وفتّحت عينيّ، فتهاطلت نجوم متراقصة دائرة آفلة؛ ثمّ استوى النور في بصري، وقد شعرت بوجهي يرزح في تجاعيد أليمة متكرّشة، كأنّ ماءً مِلْحًا داخل جلدي. وقلت لصاحبي، وكان باسطا ذراعيه إلى جانبي يرقب يقظتي من نوم ثقيل كالدهر: «نمتُ ورأيتُ» فحرّك أذنيه كأنّه يقول: «هي بعض أضغاثك تعاودك، أفلا تقتلها وتخلص إلى الواقع؟» فقلت: هو ذا رأيت أنّي صعدت إلى جبل قريتنا حافي القدمين، عاري الركبتين، ضاحكا والريح تصفعني، والأحجار تقف في قلبي، وعند رجليّ ناتئة ثابتة؛ حتّى وصلت إلى السحاب وقد كرهته مظلما جافّا، وأحببت النور يشعّ ويغمر ويحضن ويدفع إلى الحياة جوعا وإيمانا؛ بعيدا عن عفن الشكّ وبرد الاستسلام. وناديت أهل قريتنا، فتجمّع الشيوخ يجرّون الهرم، والشباب يرقبون جمر الحياة، ويحملون قلقا لقيطا بعيدا عن حيرة المؤمنين، وقلت: «تمّ العهد اللقيط ونشأ الجيل الجديد زاخرا يستأصل القلق، ويحرق أمراض الخيال، ويأكل ثمرة أرضه حرثا ونهشا عريقا… تغمره لذّة الحياة، وتلذعه الحيرة فيبقى. وهوى الأمل الكاذب ونشأ الجيل الجديد صاخبا يمزّق السراب، ويتوغّل عروقا ملتهبة في أرضه، يشمّ منها رائحة قويّة عتيقة تسكنه فلا يتلاشى. وقام الصدق أشعّة ونشأ له الجيل الجديد عاري الصدر؛ يطرح الألم المصنوع، وينزع إلى ذاته بياضا ناصعا يضمّه فلا يدنس. ونظرت فإذا القوم حشائش وأحجار متناثرة كأنّها تضحك. وبقيت مغروسا في الجبل، تطوّقني سحابتان، صنما لا يبلى».
هذا هو إبراهيم، هذا هو أحمد بن صالح. لكأنّه السهروردي المقتول في «غربته الغربيّة» إذ يقع في الأسر في بلاد الغرب، ويُحبس في بئر سميكة شديدة الظلمة، وكان فوق البئر قصر ذو أبراج. وفي كلّ مساء يشرف على الفضاء من كوّة في القصر، وتزوره بين الحين والحين حمامات من الجانب الأيمن الشرقي؛ فيحنّ إلى الوطن ويشتاق إليه.. صورة من حمامة أبي فراس الحمداني.. لكأنّه أحد أبطال الألماني سجفريد لنز.. أعني البطل في لحظة السقوط والخذلان، وكذلك في لحظة التمرّد على مصير لا مهرب منه.. إنّه الإنسان المطارَد أسير الزمن.. المسجون داخل نفسه. لكنّ عزاءنا كما يقول لنز أنّنا جميعا مساجين، وكلّ يعيش في سجنه، والبعض تحت الحراسة، والبعض الآخر دون حرّاس.
لغة أشبه بلغة محمود المسعدي، وأثره لا يخفى في الأدب التونسي؛ لا تتحالف إلا مع نفسها، ولكنها تأخذ من الأشياء وتتورّط فيها، ولا تميز بين «الأنا» و»الهو، وتتكلم من باطن تراثها، حتى وهي تحْرِفُ مجراه، وتلحِم ُبالكلمات جرحا لا يندمل، وعيا بأنّ الأدب تعويض عمّا لا يمكن تعويضه.
وأظنّ ـ وبعض الظنّ ليس إثما ـ أن في الأدب ما يمنحنا نعمة الكشف والانبعاث، ويجعلنا نرصد تلك التحوّلات الغامضة في الحاضر، حيث يتشكل المستقبل، ويتمهّد الطريق إلى حقيقة ما وراء المرايا.

٭ شاعر وأكاديمي تونسي

في أدب السياسيّين: التونسيّ أحمد بن صالح

منصف الوهايبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية