وإذنْ!
يعلّمنا كتابُ العشبِ أنّ له ملائكةً.. لتسييجِ السرابِ بنا..
لملءِ فراغهِ..
أنّا سنهبطُ ذات أخضرَ باهتٍ.. أو ناضرٍ..
أرضا مُنعّمةً.. وقبرا طازَجا..
سيكون بيتا واطئا.. لونٌ رماديّ.. بأزرق لن يحلّق فوقنا أبدا..
وأفقٌ غير مفتوحٍ.. وثلجٌ دون شمسٍ.. ربّما لا شيءَ.. غير مشاعةِ الأعشابِ.. فوضاها.. تشابُكِ وقتِها فينا.. وظلِّ كلامِها..
•••
كفنٌ.. روائحُ شمعةٍ بنّيّةٍ.. لمّا تزلْ فينا..
وأخضرُ كالزمرّدِ.. آخرٌ كاللوز.. مشتعلٌ على التابوتِ..
لي من شمسه الملكيّة العمياءِ.. لي ما يشبه البيتَ القديم بحيّنا.. في القيروان.. أكان بيتًا؟
كان قبرًا جوزةً.. تفّاحةً.. كانتْ مُقوّرةً.. بِها نُحْشى..
يرانا الآخرونَ.. ولا نرانا.. أو نراهمْ.. نحنُ لا نتقاسمُ الأوقاتَ.. حتى في سرير واحدٍ..
في وحشة الأوقات، تنصل منك ذاكرةٌ.. وتغدو أيّ حلْمٍ..
(دوْرقٌ خزفٌ… سيذكرهُ.. ويذكرُ أمَّهُ.. كانت تنادي من سرير الموت تدعوهُ.. ليسقيَها..)
ولم أفهمْ.. أكنتُ إذن كَمَنْ يتبادلُ الكلماتِ من خلف الزجاج؟ أكان بي صمَمٌ؟
ملائكةٌ لنا يجلسن عند تخومه مترقّباتٍ أن نَحُلّ، ونحنُ ننبتُ مثله..
ولهُ هسيسٌ لا يُسمّى.. قملةٌ مَقصُوعةٌ.. لغْطُ الصليلِ.. لعلّه صوتُ الخيولِ..
صهيلها في السور.. طقطقةُ العِصيِّ على ظهورِ عبيدِها.. حيث المدينةُ وهي تُبنى.. السورُ يعلو..الماءُ ينفذ في مسامّ الأرضِ.. سيقانُ الحشائشِ إذ تُقصُّ.. كأنّها تبكي.. ونحنُ الطينُ.. مسمارٌ يُدقُّ بظلّها..
•••
الليلُ يجفلُ.. هذه زرْقُ الدروبِ عروقنا.. نمشي بها..
وثنيّة الأعشابِ .. لي.. ولها.. وإذْ تتحدّثُ الأعشابُ.. لكنتُها رمال البحر.. غابات الصنوبرِ.. لي أنا أصواتُ أشباحٍ..
من الأشجارِ لي أرجوحةُ الطفلِ اليتيمِ..
ولي من الأشجارِ وَحدتها..
وكالأشجارِ..في أغصانِها..لا تسأل الدوريِّ شيئا..
لم ازلْ طفلاً أتوِّجُني على نفسي..
أشدُّ على الهواءِ..بها.. ولا أذنٌ.. لألعبَ لعبةَ الرسّام.. (كان الرسم موسيقى)
ولا ساقٌ.. لكي أقفُو..
كأنّي كنتُ أجمعُ بين فان غوغٍ ورمبُو دون أن أدري؟
(أنا لي زوجةٌ حبشيّةٌ .. طفلٌ.. أنا سمّيته»دْجَامِي» له وجهٌ رقيقٌ مثل وجه أميرِها العربيِّ فاتحِها.. وبَشْرتهُ الحريرُ… ولي أنا ألوانُ فانسانٍ.. ولي كلمات آرتورٍ.. ولي عربيّتي الأخرى.. أنا لم يأتنِي رَغَدًا سوى شعري.. مزاجي الماء ملْحا.. فيه من صحرائهم ما فيه.. من عسلِ الحجارةِ.. ولأقلْ.. فَ»الأبْترانِ» أنا.. وهلْ أدري؟)
•••
كأنّي كنتُ في أرجوحتي.. أعني .. وفي نومي أراقبُ نبتةً تنمو.. القصيدةُ هكذا.. تنمو.. وتحلمُ.. هكذا..كالموتِ يحلمُ فيّ..
لي من قوّة الأعشابِ بعضُ هشاشةٍ..
ومن السماءِ تحيّةُ الغربانِ فوق الزرعِ.. لي..
تتكرّرُ الأعشابُ مثل كلامِنا..
لكنّما الأعشابُ تعرف كيف تُحبطُ موتها عند انقلاب الصيف..
وهي له تقول أنا هنا أبدا..
لذرّيتي من الأعشابِ.. لي ما تحملُ الأعشابُ.. إرثٌ عائليٌّ.. ربّما ضيّعتهُ..
ولعلّيَ استبدلتُ بالأعشابِ قرْعَ إنائهمْ.. وطنينَهُ…
•••
لي «لوحةُ الأحدِ الكبيرةُ».. ذاتَ يوم مشمسٍ..
في القيروانِ.. على ضفافِ زرودِها..
ولها رذاذ لُعاب ألوانٍ.. ولي قارورةُ الإغريقِ.. زيتٌ.. أو نبيذٌ داكنٌ..
والكلبُ حارسُنا..
ولي كأسٌ مدوّرةٌ.. وصبرةُ حنطةٍ.. وسياجُها من سوسنٍ..
لي ضحكةٌ منها معطّرةٌ بماء المسكِ.. فالتةٌ؟
وأبوابٌ مواربةٌ(دَلفتُ).. وشمعةٌ كانت تموعُ.. وماؤها يجري على الفخذينِ..
موسيقى لغلمتهنَّ.. جامحةٌ.. وأسورةٌ تكركرُ.. لي..
وأنفاسٌ معطّرةٌ بشاي القيروانِ.. ترسّبتْ عند السقيفةِ.. أنت قد أُعْطِيتَ ما أُعْطِيتَ..
عظمَ فراشةٍ.. يا ابنَ الوهَيبي.. أنت قد أُعْطِيتَ أجنحةً..
ولكنْ لم تطرْ.. مستوفزًا أبدًا.. على أنقاضِ أزمنةٍ..
لها اسمٌ جاهليٌّ..ربّما..أو فارسيٌّ..ربّما.. هذا الضريحُ القيروانُ..على سلالمِ آخرينَ..بها..
هُمُ سكنوا وراءَ الريحِ.. لا موتٌ.. ولا عدمٌ.. لَنا حاكوا على نَوْلِ المساجدِ بِيضَ أقمطةٍ..
وأكفنةٍ..بَقِينا نحنُ نصعدُها المدينةَ.. نحن نهبطُها المدينةَ.. نحنُ نهبطُها.. ونصعدُها..
ومن مستعمراتِ سواحل الرومانِ.. من قرطاجةٍ جاؤوا بأعمدةٍ لجامِعِها..
بها ربضتْ أسودٌ ترصدُ العدمَ المقيمَ.. هنا.. وترصدُنا على أسوارها..
•••
لولا هراطقةٌ.. صعاليكٌ.. بأصفرَ داكنٍ.. شعراء هذي القيروانِ.. أحبّهم..
أصواتهمْ سرْبٌ من الغزلانِ في صحرائِها..
كانتْ تنيرُ لنا الطريقَ الزئبقيَّ.. القادمونَ من الشمالِ القادمونَ من الجنوبِ..
بهمْ سذاجة نبتةٍ.. مثلي.. إذنْ !
لا قيروانك أنت راينر ماريا ريلكه..إذ تُحيطُ بها القبورُ.. كأنْ تَكَتّبَتِ السهولُ جبالَها..
وكأنْ تَكتّبَتِ الجبالُ سهولَها..
وعلى بنفسج فجرِها وصباحِها.. تستيقظُ الأشجارُ نعْسَى..
سوفَ تُفسح في غروبٍ برتقاليٍّ.. سوى هذا الضريح الرطبِ.. لي..
لا قيروانك أنت يا روزا أليس.. البحرُ أمّكِ.. لو أردتِ.. البحرُ في بورتو بأخضرَ كالمخاطِ.. الأطلسيُّ.. البحرُ عاشقةُ الرجالِ(عليكَ تأنيثُ المذكّر.. أنتَ كيْ تُجري استعارته على ماء الأنوثةِ..أو على إيقاع كاملها..على حركاتِه..)
لا قيروانك أنت سعدي.. يا ابن يوسفَ ..وردةُ الثلج التي أهديتَها.. وإخالها ساحتْ هنالكَ في صباحٍ أنجليزيّ الضبابِ.. إخالها لبستْ عليَّ طريقَها.. ألوانُها المائيّةُ الزرقاءُ زرقةَ فضّةٍ..
لا قيروان محمّد بنّيس.. ذي فاسٌ لنا أخرى.. تطلُّ على منازلنا.. بأعينِها الرمادِ.. بزرْقِ مخطوطاتِ خيمياءٍ.. لتحويلِ المعادنِ.. أو بمخطوطاتِ فقهٍ.. ربّما لا فرقَ.. تلكَ.. وذي.. متاهٌ يا محمّدُ.. دونَ أبوابٍ.. لنا..
لا قيروانك أنت يا امرأةٍ تطلّ على بني باندو.. بوجهِ نبيّةٍ.. ستكون فصلا خامسا للقيروانيّ..الأمازيغيّ.. من عُرْبانِ إفريقيّةٍ.. هذا النسيجُ التونسيُّ.. أحبّهُ متحوّلا أبدا كزرقةِ
بحرها..ريحٌ معاكسةٌ تقودُ سفينَهُ.. لكنّ جربةَ لمْ تزلْ أبدًا.. لتجّارٍ صيارفةٍ.. وجربةُ لن تكونَ لنا.. سيجنحُ نحو ساحلها.. (وليسَ لهُ.. بها.. علمُ البحارِ) وسوفَ ينْسى ضوءَها..
لا قيروانكَ أنتَ بول كلي.. تقودك ريشةٌ منها إلينا.. أو إليها..
لي حليبٌ حامضٌ كالضوءِ.. عند غروبها..
وأقولُ لولا البرتقالُ.. أكنتَ تعرفُ كيفَ تنعتُهُ الغروبُ؟ أكنتَ تُسْمِي البرتقاليّ المجنّح مثلنا؟
لولا البنفسجُ.. كنتَ تعرفُ كيف تنعتهُ الصباحُ بها؟ يُطلّ على القبورِ بنفسجيّا..
كنتَ تُسْمِيهِ لنا؟
•••
هيَ قيروانك أنت إذ تمشي بها
يا ابنَ الوهَيْبي.. في ثنيّاتِ الثعابينِ .. الحراشفِ.. قل إذن:
هلْ حانَ وقتُ رحيلها.. أم فات؟
أم هل حانَ وقتُ رحيلِنا؟
……………….
• لوحة الأحد الكبيرة إشارة إلى لوحة جورج سورا(1891/1958): «ذات أحد بعد الظهر في جزيرة لا غراند جات».
٭ شاعر من تونس
منصف الوهايبي