وصلت العلاقات بين القاهرة والرياض إلى درجة غير مسبوقة من التوتر المكبوت، الذي يوظف بعضاً من أدوات الإعلام على الجانبين للتنفيس ونقل الرسائل، وإذا كان المشهد الإعلامي في القاهرة (مولد وصاحبه غايب) نتيجة حمى المزاودة القائمة، ما أوصل العديد من الإعلاميين المصريين إلى الرماية المباشرة على الرياض، بكل ما يحمله ذلك من نبرة عالية وفرعونية. فالأمور في السعودية تختلف كثيراً، ومساحة الاجتهاد لدى الكتاب السعوديين تبقى بحاجة لكثير من الإشارات من أجل الحركة، وحتى في تحركاتها تبقى ملتزمة بلغة تميل إلى المعاتبة وإبداء الصدمة والتعبير عن الاستياء.
وفي وسط اختلاط الحابل بالنابل، واكتفاء السعودية بالرسائل المبطنة والمغلفة بإجراءات تصعيدية محسوبة، أتى الحكم القضائي المبرم والنهائي بخصوص مصرية جزيرتي تيران وصنافير، ليمثل وصولاً بالخصومة إلى نقطة اللاعودة التي تقوض نهائياً الصورة التي حملتها العلاقات المصرية – السعودية في مرحلة ما بعد 30 يونيو 2013.
الحكم المصري لم يكن موجهاً للسعودية تحديداً، ولم يكن حكماً بمصرية الجزيرتين، ولكنه أتى تعبيراً عن انحياز لثورة يناير، على مقربة من ذكراها السادسة، والحكم المطول لم يكن يقصد البت في قضية مهمة وحيوية، ولكنه امتد ليصبح تأسيساً لمبدئي احترام الدستور والسيادة الوطنية، وبعد صدور الحكم وجد الجميع أنفسهم أمام وثيقة تاريخية تتجاوز أصلاً مشكلة تيران وصنافير، بوصفها قضية تبعية الجزيرتين لمصر أو السعودية، ولكنها إدانة لتصرف السلطة المنفرد وإبرام اتفاقيات تمس حدود مصر دون الرجوع إلى الشعب بوصفه صاحب السيادة الحقيقية والنهائية، والحكم لا يمثل وثيقة نهائية بخصوص هوية الجزيرتين، ففي النهاية يمكن للتحكيم الدولي أن يقطع في هذه المسألة، ولكنه في الأساس وثيقة عودة الروح للقضاء المصري الذي أعلن أن لمجاملة السلطة حدوداً لا يمكن التهاون في تجاوزها، وثيقة من أجل تأكيد سيادة المصريين بوصفهم شعباً على أراضيهم دون أن يكونوا رعاية لسلطة غامضة وعميقة تتشابه مع الملكية القديمة، التي لم تكن لديها ثمة مشكلة في التنازل عن ممتلكات مصر من الأراضي جنوباً مقابل أن تبقى ملكيتها قائمة على ثروات مصر الزراعية.
مضائق تيران لا تحظى بمكانة أثيرة لدى المصريين، فالمرة الأولى التي عرف المصري العادي بوجود جزيرة تيران كانت في الفترة الوجيزة الساخنة التي سبقت هزيمة يونيو 1967، ولكن تيران مثل طابا تحمل رمزية مهمة لدى المصريين وتمثل جزءاً من الكرامة الوطنية، ومرة أخرى، قد لا تكون المشكلة في تبعية الجزيرتين لمصر أو للسعودية، ولكن في طريقة التنازل عن الجزيرتين في ظروف معقدة من تاريخ مصر، فالمصري الذي وضعته حكومته في موقع اليد السفلى في الظروف الاقتصادية الصعبة المتتابعة، كان يشعر بأنه يقدم الجزيرتين صاغراً في صفقة سياسية، ولذلك لم يتوقف ليستمع لمجموعة من الافتراضات الجغرافية والتاريخية المتعلقة بالجزيرتين، فأي كلام عن وقوع الجزيرتين على الجرف الآسيوي، أو عن وثائق تاريخية، كان في مجمله، لدى المتلقين المصريين، مجرد جزء من حملة اعلامية يقودها مجموعة من الموالين بدون حدود أو شروط للسلطة.
السعودية ومصر لديهما من الأراضي ما يفوق الحاجات السكانية، والجزيرتان غير مأهولتين أصلاً، وتوقيت الحديث عن السيادة على الجزيرتين كان حرجاً وحساساً، فالمصريون فسروه لا بوصفه خلافاً حدودياً كالذي يدور حول حلايب وشلاتين مع السودان، وإنما رأووه تنازلاً مهيناً واعترافاً بانحسار دورهم وتقزمه في المنطقة، خاصة أن مصر استمرت في تلقي التحديات الإقليمية بسلبية مفرطة، ووجدت نفسها في متاهة الإرضاء والاسترضاء بعد الثورة، وكان الشعور العام بأن إدارة مصر لم تعد من القاهرة، وأن خيارات مصر لا تعبر عن مصالح مواطنيها، وأن ذلك يجب أن ينتهي بطريقة أو بأخرى.
العقلية المتوارثة في قدرية السلطة وهيمنتها على حياة المصريين وعدم حاجتها إلى استمداد شرعيتها من المواطنين هي التي أدارت ملف الجزيرتين في غير مصلحة مصر والسعودية معا، والمستغرب أن الرئيس السيسي الذي دائماً ما كان يطلب التفويض الشعبي تناسى ضرورة أن يبقى قريباً من الشارع، وأخذت بيروقراطية المستشارين والموظفين تحاصره بالكامل وتعزله عن مجريات الواقع، فالجميع يحاول أن يقدم منجزات سريعة على أساس أنها منحة سماوية للمصريين، والمصريون بدورهم اعتادوا على هذه النوعية من المنجزات المجهزة للاستهلاك الإعلامي منذ عصر احمد سعيد وامبراطورية الكذب في صوت العرب، وعبوراً بوعود الانفتاح وبورسعيد التي ستتحول إلى قلب التجارة العالمية، وحتى الوصول إلى مشروع الألف قرية الذي كان أحد روافع الوريث جمال مبارك، والمصريون يرون أيضاً في العاصمة الجديدة تكراراً للخطأ الاستنزافي الفرعوني نفسه الذي بدأ مع تبديد طاقاتهم في بناء مقابر جنونية الفخامة والكلفة ما زالت شاهدة على مدى التراجع الذي سحبتهم له مركزية السلطة وفردانيتها، ففي النهاية المصري العادي لا يكترث بهذه العاصمة طالما أنه لا يمتلك المال الكافي للتنقل إليها، ولا يستطيع دخله أن يوفر ثمن وجبة غداء في مطاعمها التي من المفترض أن تحتضنها ناطحات السحاب والعمارات الفارهة.
السعودية وقفت بجانب مصر هذه حقيقة لا يمكن لأحد أن ينكرها، وكذلك قطر والإمارات والكويت، والمصريون في المقابل لن يجدوا أدنى مشكلة في رد الجميل، من خلال اتاحة إمكانياتهم في حالة تعرض الخليج العربي لأي مخاطر وجودية، وعندما أعلن الرئيس السيسي أن الأمر هو (مسافة السكة) كان متأكداً من ردة الفعل المصرية الايجابية حيال أي قرار بالتدخل للمساهمة في حماية دول الخليج، ولكن السيسي نفسه لم يكن متأكداً من طبيعة ردة الفعل المصرية في حال تدخله في اليمن أو سوريا، ولذلك أتت مواقفه مخيبة للسعوديين بشكل خاص، والخليجيين بشكل عام، ولما كانت علاقة عواصم الخليج العربي مرتبطة بالقاهرة، من خلال شخصنة العلاقة مع الرئيس المصري كمسألة اعتيادية بدأت مع الرئيس عبد الناصر وتواصلت مع السادات ومبارك، فإن تقدير الواقع الجديد لم يكن صائباً ولا موفقاً فالجميع يهتم بأن يتحدث للمصريين، ولكن حتى في القاهرة نفسها فإن أحداً لا يهتم بأن يستمع للمصريين.
قطعت المحكمة الطريق على مجلس النواب المصري من أجل أن يمنح الشرعية المطلوبة لاتفاقية الحكومة المصرية مع السعودية، وأعاد الحكم التاريخي بعض الشخصيات التي تعرضت للتخوين وفي الحد الأدنى من التهميش مثل خالد علي الناشط الحقوقي والمرشح الرئاسي السابق للواجهة، وهي بذلك تعيد لثورة يناير روحها، التي حاولت ماكينة إعلامية متعددة الأطياف وطويلة النفس أن تفرغها من معناها، وبدا ذلك واضحاً عندما استشهد رئيس المحكمة القاضي المستشار أحمد الشاذلي بديباجة الدستور التي هاجمها سابقاً عضو مجلس النواب مرتضى منصور، أثناء القسم البرلماني متهكماً على الشاعر سيد حجاب الذي يعرف الجميع بأنه صاحب صياغة الديباجة التي أشادت بالثورة واعتبرتها فجراً جديداً لمصر وبعثاً لدورها الحضاري المفقود والمفتقد، ومع ذلك، فإن ملف الجزيرتين سيبقى مفتوحاً إلى حين.
كاتب أردني
سامح المحاريق