إيران في الطريق إلى أستانة: كن وسطاً وإمش جانبا

حجم الخط
2

كان الوفد الإيراني برئاسة حسين جابري أنصاري معاون وزير الخارجية أول الواصلين إلى أستانة عاصمة كازاخستان، وقد أجرى قبل ذلك مفاوضات تنسيق مكثفة مع نظيره السوري فيصل المقداد في طهران، سبقها هو بزيارة إلى دمشق والتقى الرئيس السوري بشار الأسد، ومنها طار إلى بيروت والتقى أمين عام حزب الله حسن نصر الله، فيما كان المنسق للقاء التشاوري لوزراء دفاع إيران وسوريا وروسيا الأميرال علي شمخاني يقوم بزيارة مماثلة إلى دمشق لارسال رسالة إلى كل من يعينه الأمر عن حجم التنسيق بين إيران وسوريا من جهة، وبينهما وروسيا من جهة أخرى على الرغم من كل ما نشر حول تهميش إيران أو وجود خلافات بين الأطراف الثلاثة حول الحل، أو ما سماه البعض بتراجع الدور الإيراني أمام الدور التركي الصاعد في الأزمة السورية.
 
خلاف ام تكتيك؟

وما ساعد في إثارة تلك التكهنات، وهي كما يبدو تساعد في دفع استراتيجية المحور الروسي الإيراني السوري الرامية إلى احتواء الموقف التركي من الأزمة السورية، ودفعه باتجاه القبول بالإطار العام الذي حدده الاجتماع الثلاثي الروسي الإيراني التركي في موسكو في العشرين من كانون الأول/ديسمبر وسقفه القبول ببشار الأسد رئيسا للبلاد في الفترة الانتقالية، والتخلي عن المطالبة برحيله، ورفض إقامة مناطق آمنة أو عازلة داخل الأراضي السورية، هو الاعتراض الإيراني السوري على دعوة روسيا للولايات المتحدة للمشاركة في أستانة.
الإيرانيون ومعهم السوريون يرون أن اجتماع أستانة يؤشر على أفول الدور الأمريكي، ولا حاجة إلى إعادته من جديد إلى الواجهة خصوصا وأنه لا يمكن الوثوق بأمريكا استناداً إلى دورها «السلبي» في سوريا كما عبر الجانبان.
ويشير تصريح لافت أطلقه الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي شمخاني في هذا الصدد، الى أن طهران ودمشق وموسكو تنسقان بشكل كامل تفاصيل الطريق نحو أستانة لكنهما تركتا لموسكو أن تتصدر المشهد، بينما هما ينسقان من الخلف عندما قال شمخاني بصفته المكلف تنسيق العمل السياسي والأمني والعسكري مع روسيا وسوريا» ليس هناك ما يدعو إلى مشاركة الولايات المتحدة في إدارة المبادرات السياسية في الأزمة السورية، ومن المستبعد أن تلعب دوراً في مفاوضات أستانة» لكنه ترك الباب موارباً بقوله إن بإمكان «الدولة المضيفة» دعوتها «بصفة مراقب»، قائلاً إن إيران «بصفتها الداعم الرئيسي للحكومة السورية الشرعية في مكافحة الإرهاب، ستعلب دوراً ناشطاً في مؤتمر أستانة».
فور هذا التصريح قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في منتدى دافوس في سويسرا «نحن نعارض مشاركة أمريكا في اجتماع أستانة» غير أنه تحدث عن رغبة إيرانية لافتة في العمل مع السعودية للمساعدة على إنهاء الصراعات في سوريا واليمن بعد نجاحهما في التعاون بشأن لبنان العام الماضي.
وقال ظريف في المنتدى الاقتصادي «لا أرى سببا في أن تكون هناك سياسات عدائية بين إيران والسعودية، حقيقة يمكننا العمل معا لإنهاء الأوضاع المأساوية لشعوب سوريا واليمن والبحرين وغيرها من دول المنطقة».
 هذا الخلاف «الظاهري» غير القاطع والحاسم حول المشاركة الأمريكية، مكّن الروس من التقدم إلى الامام لاقناع تركيا لتتصدر هي أيضاً المشهد في الجهة المقابلة، وتتحدث كممثل عن باقي أطراف الصراع الاقليميين في سوريا، ويؤدي ذلك بالتالي إلى إشراك جماعات مسلحة ترفض الدور الإيراني، وتنظر إليه من زاوية طائفية مثل «جيش الإسلام» الذي قدم قائده محمد علوش ليتولى في النهاية رئاسة وفد الفصائل المسلحة «المعارضة»، وما يسميه البعض بقلب الطاولة على المعارضة السورية أو حتى إيجاد «ثورة» داخل صفوف «الثورة» السورية التي كانت رافضة من الأساس مبدأ الجلوس وجهاً لوجه مع «النظام» والاعتراف به، وبالرئيس بشار.
وفي هذا الواقع يمكن أيضا وضع تصريح ميتري بيسكوف، الناطق باسم الكرملين، الذي قال «إن موقف إيران يسهم في تعقيد مسألة مشاركة الإدارة الأمريكية في مفاوضات أستانة حول سوريا، وهذه المسألة غاية في الأهمية، في إطار لعبة حذرة للغاية». لتفتح أكثر الذراع الروسية لاحتواء ما يمكن من لاعبين يدعمون في نهاية المطاف الحل السياسي والمفاوضات الحاسمة التي ستتبع «أستانة».
وبدا لافتاً أن سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي سارع من جهته بعد تصريح بيسكوف، إلى الإعلان لوكالة الأنباء الإيرانية الرسمية أن التنسيق مستمر بين البلدان الثلاثة إيران وروسيا وسوريا، وشدد على أن هذه البلدان تستطيع أن تعزز النتائج التي تحققت نتيجة التشاور فيما بينها خلال اجتماع أستانة. واعتبر رياباكوف أن الاجتماع سيبحث الأزمة السورية بعد عدة سنوات من اراقة الدماء، ونوه إلى أن البلدان الثلاثة ستبحث الخطوات التالية بعد أستانة لحل الأزمة السورية.
وأشار رياباكوف إلى الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 5+1 وقال إنه انعكس بشكل ايجابي على أوضاع المنطقة ومن بينها الأزمة السورية، مضيفا ً»إن الجمهورية الإسلامية لم تستفد لوحدها من هذا الاتفاق وانما استفادت منه كافة الأطراف والمنطقة».
من جانبه تطرق ميخائيل بوغدانوف مساعد وزير الخارجية ومبعوث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للشرق الأوسط إلى دور التنسيق بين إيران وروسيا في تسوية الأزمة السورية، وفيما أكد تحقيق انجازات كبيرة على صعيد محاربة الإرهاب في سوريا شدد على أن مكافحة الإرهاب ستستمر.
وفي البين يمكن القول ايضا إن الرفض الإيراني وحتى السوري للمشاركة الأمريكية الذي هو بالتنسيق مع الشريك الروسي، لا يستند إلى أساس فيما يتعلق بعدم وجود ثقة بالعهود والوعود الأمريكية، لأن أداء واشنطن «السلبي» في سوريا تم في عهد الإدارة الأمريكية الراحلة بعد مجيء رئيس جديد «مفتون» كما تعبر أوساط إيرانية بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ويسعى إلى التعاون معه  لحل الأزمة السورية دون التدخل العسكري، وبعيداً عن دعم الفصائل المسلحة.
ومع بداية تفكيك الرئيس دونالد ترامب بعض ما أنجزته الإدارة الأمريكية السابقة بالتوقيع فور تسلمه مقاليد الرئاسة على أول مرسوم له وكان ضد قانون الرعاية الصحية (أوباما كير) الذي يعد من أهم إنجازات الإدارة السابقة، يرى فريق من الإيرانيين أن مشاركة واشنطن في أستانة ستكون أكثر من ضرورية مهما كانت صفتها، لعلها تفتح الطريق إلى لقاءات ثنائية إيرانية أمريكية على الهامش، تخفف من حدة التوتر والاحتقان الذي تبشر به واشنطن مع طهران في العهد الأمريكي الجديد.
 وبما أن ترامب لم يظهر خلال حملته الانتخابية وبعد فوزه بالرئاسة موقفاُ معارضا للمشاركة الإيرانية في محادثات السلام حول سوريا، فان المعارضة الإيرانية للمشاركة الأمريكية في أستانة، توضع في خانة التنسيق مع الحليفين الروسي والسوري، وتنسجم مع الخطاب الإيراني العام «الملتزم» بشعارات الثورة، واستخدامها ورقة سياسية في التفاوض لتحقيق مكاسب في مجالات أخرى أهمها الاتفاق النووي، واستمرار عقوبات أمريكية مفروضة على إيران وغيرهما.

النووي في أستانة

مشتركات عديدة تجمع ترامب بإيران منها محاربة الإرهاب والتطرف الإسلامي، وأن الرئيس الأمريكي الجديد يعارض إسقاط الأنظمة عبر «ثورات الربيع العربي» ما يعني أنه لن يقدم على عمل ضد نظام الأسد حليف إيران، ولن يقدم على عمل عسكري ضد إيران نفسها لتغيير نظامها أو يدعم عملاً ضدها. ويعتقد فريق في طهران أن المشاركة الأمريكية في أستانة، حتى إن جاءت بصفة مراقب، يمكنها أن تفتح أفقاً جديدا للتعاون في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف، وقد تقوم موسكو أو سلطنة عمان بدور مشابه لما قامت به مسقط عندما كسرت الجمود في المفاوضات النووية وسهلت للإيرانيين الاجتماع بالأمريكيين وجهاً لوجه قبل أن تنطلق مفاوضات جدية أنهت الخلاف حول برنامج إيران النووي بطريقة سلمية.
ويرى فريق من الإيرانيين الداعمين لسياسات الرئيس حسن روحاني نحو الانفتاح أن رفض طهران المشاركة الأمريكية تهيمن عليها المخاوف من احتمال أن يلغي ترامب الاتفاق النووي، إضافة إلى أن الحكومة التي سيقودها ترامب لا تنظر بايجابية إلى الدور الإيراني في عموم المنطقة، ومخاوف من الاستمرار في سياسة فرض العقوبات عليها.

المياه وبوابة الاقتصاد  

ومهما يكن من أمر فقد استطاعت إيران فرض نفسها لاعبا أساسياً من خلال وجودها في الميدان على الأرض وهي اليوم تساهم قبل غيرها في التحضير لمرحلة ما بعد الحرب، إذ تم في الأيام الماضية إبرام عدة اتفاقيات اقتصادية هامة، منها تشغيل الخلوي، وإيجاد ميناء نفطي إيراني على الساحل السوري وغيرها، ويدها على الزناد فيما لو فشل اجتماع أستانة في تثبيت وقف إطلاق النار!

إيران في الطريق إلى أستانة: كن وسطاً وإمش جانبا

نجاح محمد علي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية