في تقريرها الدوري للعام 2017، والذي يصدر سنوياً تحت عنوان «الحرية في العالم»، خلصت مؤسسة «بيت الحرية» Freedom House الأمريكية إلى منح الولايات المتحدة علامة 89؛ مقابل 100 لفنلندا والنروج والسويد، و99 لكندا وهولندا، و98 لأستراليا ولوكسمبورغ، و97 للدانمرك واالبرتغال وإيسلندا وباربادوس. ثمّ قالت المنظمة، بصدد موجز حال الحريات في أمريكا: «يُجادَل بأنّ الولايات المتحدة هي الديمقراطية الأقدم في العالم. شعبها يتمتع بنظام انتخابي حيوي، وتراث قوي لحكم القانون، وحرّيات راسخة للتعبير والاعتقاد الديني، وسلسلة أخرى عريضة من الحريات المدنية الأخرى. والولايات المتحدة تظل مقصداً رئيسياً للمهاجرين، وما تزال ناجحة إلى حدّ بعيد في استيعاب القادمين الجدد من كلّ الخلفيات».
والحال أنّ «بيت الحرّية»، الذي ينفرد عن جميع المؤسسات المماثلة في أنه منظمة غير حكومية لكنها في الآن ذاته مموّلة من الحكومة الأمريكية، أصدر التقرير السنوي وشبح الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب يجوس أجواء أمريكا حاملاً الكثير من نقائض هذه المزاعم. ولم يطل به الوقت، بعد تنصيبه رسمياً، حتى انخرط في الطور التطبيقي من بعض وعوده الانتخابية؛ وأوّلها حظر دخول اللاجئين (والمهاجرين، بالطبع)، وحظر تأشيرة الدخول لرعايا سبع دول مسلمة. ورغم أنّ بسطاء النوايا هم، أغلب الظنّ، في الصفّ الوحيد الذي لا يطعن في مصداقية «بيت الحرية»؛ فإنّ ما شهدته مؤخراً بعض المطارات الأمريكية، والصدام المباشر بين السلطات التنفيذية والقضائية، لا يترك حتى للبسطاء أولئك هامش يقين ضئيلاً في أنّ أمريكا هي «الديمقراطية الأقدم».
يصحّ، في المقابل، التساؤل عما إذا كان ترامب الضبع الوحيد، أو الأعزل، في هذا الاستهتار الجلف بأبسط حقوق الإنسان؛ وعما إذا كان تاريخ الولايات المتحدة، المعاصر والحديث والقديم، حافلاً بسوابق نظيرة، اختلفت جلافتها في قليل أو كثير. والذاكرة الإنسانية تملك مسرداً طويلاً لانتهاكات حقوق الإنسان في أمريكا، وكيف أنها تكرست رسمياً في الدستور الأمريكي ذاته. هنالك، على سبيل المثال، حقيقة الغياب التام لكلمة «مساواة» في ذلك الدستور، الذي لا ينصّ البتة على توفير ضمانات تكفل حقّ المواطن في الغذاء، واللباس، والمسكن، والصحة، والعمل، والراحة، والأجر المعقول إنسانياً، والضمان الاجتماعي في العمل والحياة، وحماية الأسرة والأطفال. أليست هذه في صلب حقوق الإنسان؟ أليس ضمان «الحقّ المتساوي في الطعام واللباس والمسكن»، هو جوهر الشرائع والحقوق؟ أيّ حقوق إنسان هذه حين يكون في مدينة نيويورك وحدها 36 ألف مواطن مليونير، و38 ألف مواطن يقتاتون على النبش في صناديق القمامة؟ وأيّ حقوق إنسان حين تثبت هيئة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أنّ المواطن الأمريكي ليس متساوياً أبداً أمام القضاء، وأنّ الأحكام الصادرة بحقّ الأمريكيين السود والآسيويين أقسى بثلاثة، وأحياناً بأربعة، أضعاف من الأحكام الصادرة بحق البيض في قضايا مماثلة؟
ثم ماذا عن مؤسسات الديمقراطية الأمريكية ذاتها؟ ألا تنقلب عمليات انتخابات للكونغرس، مثل انتخابات الرئاسة، إلى صفقات مبيع الذمم وشرائها؟ «تعداد فلوريدا» هو الأشهر، ربما، في التاريخ الأمريكي المعاصر؛ حين اختلط الحابل بالنابل وانتصر جورج بوش الابن على آل غور بفارق أصوات يصحّ القول بأنها أتت من الغامض المجهول. ألا تُجري لجان الكونغرس تحقيقات حول فضائح التبرعات المالية غير القانونية في أعقاب كلّ حملة انتخابية رئاسية تقريباً؟ ألم تُلصق بحملة ترامب اتهامات جدية حول تورّط الأجهزة الروسية في ترجيح كفة المرشح الملياردير، صديق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؟
ومن جانب آخر، أليس من حقّ الشعوب أن تثير مسألة انتهاك الولايات المتحدة لحقوق الإنسان ما وراء المحيط، ضدّ الأمم الأخرى في العالم الشاسع الواسع للإنسانية؟ وكيف تنسى الشعوب أن أمريكا، منذ تأسيسها كدولة وقوّة عظمى، شنّت أكثر من 75 عملية غزو خارجي للشعوب، واستخدمت أول قنبلة ذرية في تاريخ الإنسانية، وتمتلك وتواصل تخزين أضخم ترسانية نووية (25 ألف قنبلة)، وأنفقت أكثر من 274 مليار دولار على تطوير أسلحة الدمار الشامل، وتحتكر تصدير السلاح إلى 146 بلداً، وتهيمن على ثلاثة أرباع سوق السلاح الدولي وأسواق اندلاع الحروب الأهلية والإثنية. وفي كوريا الجنوبية، حيث ترابط القوات الأمريكية للدفاع عن «الحرية» و»حقوق الإنسان»، تشير الإحصاءات إلى 43.900 حالة اغتصاب مارسها الجنود الأمريكيون ضد فتيات ونساء هذا البلد.
ومن المعروف أن التقرير السنوي لهيئة الأمم المتحدة حول حقوق الإنسان في العالم لا يوفّر الولايات المتحدة الأمريكية، بل جرت العادة أن يفرد لها استنتاجات رهيبة تذكّر بأفظع الممارسات التي اعتادت على ارتكابها الدكتاتوريات «الكلاسيكية» في أي نظام استبدادي، شرقاً وغرباً، ماضياً وحاضراً. ولقد حدث أنّ بعض أعضاء اللجنة المكلفة بإعداد التقرير السنوي قضوا في السجون الأمريكية ثلاثة أسابيع (ومُنعوا من دخول سجون أخرى)، ليخلصوا إلى النتيجة التالية حول عقوبة الإعدام بصفة خاصة: «من الواضح أن اعتبارات مثل الأصل العرقي أو الإثني، والوضع الاقتصادي ـ الاجتماعي، عناصر حاسمة في تحديد ما إذا كانت عقوبة الإعدام ستُفرض أو تُستبدل بعقوبة أخفّ، وما إذا كانت ستُنفّذ أم تُلغى بقرار أعلى صادر عن حاكم الولاية المعنية».
هنالك، أيضاً، موقف الولايات المتحدة من إعلان مؤتمر أوسلو القاضي بحظر الألغام الأرضية المضادة للأشخاص؛ إذْ كان من المدهش أن أمريكا لم تكتف بالرفض وحده، بل سارع رئيسها آنذاك، بيل كلنتون، إلى رفد تصريحاته بهجاء كوميدي لهذه الدول التي تطالب الولايات المتحدة بحظر أسلحة لا تستخدمها الولايات المتحدة أصلاً! آنذاك، رسم كلنتون ابتسامة ساخرة، وشرح للمجتمع الدولي أن الجيش الأمريكي توقف منذ عقود طويلة عن استخدام الألغام الأرضية «الغبية» التي تظلّ قابلة للانفجار حتى بعد قرون من وضع الحروب لأوزارها؛ وهذا الجيش لا يستخدم إلا النوع «الذكيّ» من ألغام أرضية تمتثل للأوامر، وتفجّر نفسها بنفسها بعد أن تنتهي الحاجة إليها. هذه الأجيال الذكية، مثلها كامل الأجيال الجديدة الذكية من الأسلحة الأمريكية، ليست موضوعاً للمساومة!
كذلك تغافل كلنتون عن حقيقة أن المنطقة المنزوعة السلاح، الواقعة على الحدود المشتركة بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية (حيث يرابط 37 ألف جندي أمريكي)، ليست مزروعة بأي لغم «ذكي»، بل بملايين الألغام «الغبية» التقليدية دون سواها. وهنا دلالة الشطر الأول من الشروط الأمريكية قبل التوقيع على اتفاقية حظر هذه الألغام: البنتاغون طالب بفترة إعفاء تمتد على تسع سنوات قابلة لتمديد إضافي لا يقل عن عشر سنوات (91 عاماً بالتمام والكمال)، يقوم خلالها خبراء الجيش الأمريكي بدراسة البدائل وترتيب الأرض، وبعدها يقررون الانضمام أو الامتناع. الشرط الثاني كان إضافة بند خاص في الاتفاقية يتيح استثناء الولايات المتحدة من جميع الالتزامات المنصوص عنها، فور اندلاع نزاع عسكري بين واحدة من الدول «المارقة» المعروفة، وبين دولة حليفة للولايات المتحدة. والنصّ الذي حمله المفاوضون الأمريكيون إلى مؤتمر أوسلو أسهب أكثر في شرح الموقع الكوني الخاص الذي تتمتع به الولايات المتحدة، بحيث بدت مصالحها القومية بمثابة مصالح كونية تهمّ الإنسانية بأسرها!
ويبقى أنّ هذا المشهد، إذا كان لا يطمس حقيقة انبثاق حركات احتجاج شعبية أمريكية، مشرّفة تماماً وجديرة بالاحترام، ضدّ سياسات البيت الأبيض؛ فإنه، من جانب آخر، لا يبدّل البتة حقيقة أنّ ترامب ليس، ولم يكن في أيّ يوم، ذلك الضبع الضاري الوحيد، أو الأعزل.
٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
صبحي حديدي