«امرأة وشمس وأديب» لفوزي وهبة: همنغواي ومأساة الشهرة والانتحار

حجم الخط
0

القاهرة ـ من كمال القاضي: في حالة تتكرر أحياناً يتأثر الأديب والكاتب الروائي بنموذج عالمي في مجاله، فيتماهى فيه ويجتر سيرته وأحزانه ليصنع منهما حكاية طويلة تصلح لأن تكون رواية مؤثرة بفعل تجربة البطل، الذي يقف وراء كل تفصيلة وصورة وموقف وهي استعارة ربما تكون في غير صالح الأديب نفسه الذي وضع نفسه مكان الموهبة العالمية الإبداعية الكبرى، كما هي الحال في رواية «امرأة وشمس وأديب» للكاتب الروائي فوزي وهبة الذي رفض أن يطلق على آخر إصداراته مسمى يحدد هوية كتابه ومضمونه، فهو لم يره غير كونه مجرد تأملات أدبية، وهو الرجل الذي تجاوز الستين من عمره، وحصل من الخبرات الحياتية والإنسانية، الكثير ويحق له أن يكون واحداً من أصحاب وجهات النظر النقدية والأدبية المعتبرة، ولكنه لا يزال يرى نفسه في طور التأمل والاندهاش، ورغم إنتاجه الغزير والمتنوع ما بين الرواية والقصة والكتابات البحثية والعلمية، يكتفي فقط باعتبار كتابه الجديد محض تأملات.
في البداية يعرب فوزي وهبه عن إعجابه بالكاتب الروائي الأمريكي أرنست همنغواي فهو كما يراه النموذج الفريد في حياته وإبداعه، وحتى موته كان صادماً وغريباً أيضاً، ويلفت وهبه الواقع في أسر همنغواي إلى المثال الأقوى في إبداع الروائي الأمريكي، رواية العجوز والبحر، ذلك الصياد العجوز الذي واجه بزورقه الأهوال وواجه الرياح والنوات كي يخرج إلى الشاطئ بالسمكة الكبيرة التي ظفر بها، وبالفعل تمكن العجوز من اجتياز كل المخاطر وتحدى الأمواج العاتية إلى أن وصل الشاطئ ببقايا السمكة، ويصنف فوزي وهبة هذا اللون من الروايات تصنيفاً سينمائياً، ليس لأن الرواية ذاتها وجدت فرصتها للظهور على شاشة السينما وأحدثت دوياً في الوسط السينمائي، وإنما لأن الرواية بكل تفاصيلها وأحداثها حملت جينات السينما واعتمد كاتبها على الصورة بشكل أساسي، فجعلها المحور الرئيسي الأكثر إثارة وجاذبية فكتب لها النجاح والذيوع قبل أن تصبح واقعاً سينمائياً مجسداً على الشاشة.
وينتقي صاحب التأملات الأدبية من بين إبداع كاتبه المفضل أرنست همنغواي ما يراه بالغ الأهمية، مثل رواية «وداعاً للسلاح» و»لمن تقرع الأجراس» و»ستشرق الشمس ثانية»، ويخص الأخيرة ببعض التحليل الموجز، فيشير إلى الصفات والسمات المشتركة بين بطل الرواية وهمنغواي نفسه المؤلف الذي ضمن فيها الكثير من حياته، وهنا يذهب فوزي وهبة إلى الاستشهاد بمقولة توفيق الحكيم، التي قطع فيها بأن خير ما يكتب الأديب وأصدقه هو ما يحمل بعض ذاته، إذ يكون في هذه الحالة صادقاً تماماً مع نفسه ومع شخصياته، فالصدق وحده عنوان الكتابة الحقيقية وقد سجل الحكيم رأيه هذا في كتابه المعروف «فن الأدب» للدلالة على أن الأديب لا يخرج في كثير من الأحيان عن تجاربه وتكوينه الذاتي فما يتألق من إبداعه يكون قريباً منه بقدر ما وحسب المسافة بينه وبين ما يعيشه وما يكتبه يكون التنوع ويكون الثراء.
ويفصح وهبة عن العلاقة بين رواية «ستشرق الشمس ثانية» وبين كاتبها ببعض الشواهد، حيث يؤكد أن من يقرأ الرواية يشعر بصورة المؤلف في آيات الحرمان والألم والتعذيب التي يتعرض لها البطل والبطلة، مستشهداً بما اعتبره الكاتب يوسف إدريس لغة الآي آي مع الفارق أن الألم في رواية همنغواي «ستشرق الشمس ثانية» ألم صامت مكتوم بلا صوت، وهو يختص بأولئك الذين يتأملون ويقاومون العجز بالصبر والانتظار، ويعلقون الأمل على الغد فهم يرونه آتيا لا محالة، ويستحضر الكاتب بعض سطور الرواية يدرجها على لسان أرنست همنغواي إذ يقول: إننا سجناء المكان والزمان، إننا نعيش حياتنا مشدودين للأمس وذكرياته، ملتحفين باليوم وما يفعله فينا ومترقبين الغد وما يحمله لنا… ومن دلائل العلاقة بين النص الروائي ومؤلفه، كما يقول وهبة أن أحداث رواية «ستشرق الشمس ثانية» تدور في إسبانيا، حيث نجد هناك هواية همنغواي المفضلة مصارعة الثيران، فضلاً عن أن البطل صحافي ومراسل حربي لإحدى الصحف الكبرى في فترة الحرب الأهلية الإسبانية يفقد رجولته نتيجة إصابته إصابة بالغة، ونلحظ في البناء الدرامي لقصص وروايات الكاتب الأمريكي الكبير الاعتماد في كثير من الأحيان على التصعيد والإثارة وإحداث التحولات في حياة الأبطال وهو نمط كان يروق له غالباً لأنه يشابه حياته الشخصية، فهو الذي عاش الحرب ورأى جحيم الدمار والخراب ولكنه ظل يبحث وسط هذه الأجواء عن الحب والطمأنينة والسلام، وهو أيضاً من عشق الرحلات، خاصة الرحلات البحرية ورحلات الطيران وعشق صيد الأسماك ومصارعة الثيران، وعاش حياة قلقة غير مستقرة انتهت نهاية مأساوية، حيث أطلق على نفسه رصاصة من بندقيته فمات منتحراً، وأصبح عنواناً لأغرب مسيرة إنسانية عاشها مبدع وكاتب كبير لم يستطع التكيف مع حياة الشهرة والأضواء والصخب فظل متألماً يعاني الوحدة والتعاسة وينزع إلى التشاؤم.

«امرأة وشمس وأديب» لفوزي وهبة: همنغواي ومأساة الشهرة والانتحار

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية