تصعب مشاهدة الخطاب المتلفز لزعيم جماعة «أنصار الله» الحوثي من دون مسحة كوميدية، خصوصاً مع هذا الاستنساخ الحرفي للشكل الذي تظهر فيه الخطابات المتلفزة لزعيم «حزب الله» اللبناني حسن نصر الله. يبدو الحوثي وكأنه تلميذ نجيب لنظيره اللبناني، حفظ عنه أداءه وإيقاعه وهدوءه في بدايات الخطاب ثم تصاعد نبرته، بل وطريقة خروجه عن النص المكتوب وشروحاته، والأوضح من كل ذلك سبابته المرفوعة أبداً بوجوه المتفرجين، تهدد، ترعد، وتزبد، وتكاد تجرح عيون المشاهدين.
لكن هذه المرة راح الحوثي أبعد قليلاً، مع نسخ عبارات شهيرة من خطاب نصر الله، تلك التي تحدث فيها الزعيم اللبناني ذات حرب عن صواريخ تصيب حيفا، وما بعد حيفا، ليأخذها الحوثي كي تصيب الرياض، حين قال إن «صواريخنا قادرة على استهداف الرياض وما بعد الرياض». هذا عدا عن التطابق في الحديث عن العدو الأمريكي – الخليجي – الإسرائيلي الكوني المزعوم هنا وهناك.
الجديد اليوم في خطاب الحوثي غرض صغير لوّح به أمام الجمهور فأشعل موجات من التعليقات الساخرة، هذا ما حدث حين استلّ الزعيم ولاعته ملوّحاً «ولاعاتنا ستكون لكم بالمرصاد». كان الحوثي يتحدث عندها عن تطوير قدراته الصاروخية، وتطوير طائرات من غير طيار، إلى أن سخر من مليارات التحالف الخليجي وأسلحته الفائقة التي لا تكلف الحوثيين أكثر من ولاعة!
وعلى الإثر انتشرت فيديوات و«هاشتاغات» تسخر من ولاعة الزعيم، من بينها «#ولاعة_الحوثي» و«#معك_ولاعة» و«#ولاعة_عبدالملك» و«#عبده_ولاعة» و«#قائد_مسيرة_الولاعات»،..
لكنك قد تجد من يأخذ الأمور على نحو خطير وجاد، كذاك المحلل السياسي الذي راح يكتب عن الولاعة الاستراتيجية، وليس من المستبعد أن يتحدث قريباً عن توازن الرعب الاستراتيجي الذي يمكن أن تحدثه ولاعة الحوثي. ذاك هو دور المحلل الاستراتيجي، ليست الأشياء بذاتها استراتيجية الطابع، إلا إذا وقعت تحت عين المحلل. أما آن له أن «يحلّ»!
سوريا البديلة
تقول مصادر إعلامية إن الإجراءات اكتملت في اسطنبول لإطلاق قناة سورية بديلة من تركيا. هذا خبر جيد بالطبع، فما أحوج سوريا اليوم إلى خبر وإعلام وبرامج مستقلة تليق بسوريا، غير تلك التي بين يدي النظام، وكذلك غير معظم تلك التي شهدناها خلال السنوات الماضية، وأثبتت (وما زلنا نقول في معظمها) أنها جاءت وفيّة للنظام الذي أنتجها، حتى لو كانت النوايا أحياناً طيبة.
أما الخبر الآخر فهو أن القناة ستكون بإدارة مراسل صحافي لم تعرف عنه تجربة سوى استوديوات تلفزيون النظام و»قناة المنار» الناطقة باسم «حزب الله»، ونعني الإعلامي أنس أزرق، الذي لم يجف الدم عن تقاريره لقناة «المنار» بعد، تلك التقارير التي حتى وقت قريب ظلّت تقدّم رواية النظام عن مؤامرة كونية إسرائيلية تستهدفه.
بعد مغادرة «المنار» وتلفزيون النظام لم يصدر عن أزرق بيان انشقاق، ولا سمعنا كلاماً مغايراً يدحض فيه ما جاء في تقاريره الإخبارية، أو يفسرها، فيما لو كان مجبراً عليها، وكذلك لم يسهم في فضح كواليس ذلك الإعلام وفبركاته.
لا بد من الاعتراف بأن الأفراد، الإعلاميين في حالتنا، غالباً ما تكون لهم البصمة الأولى في نجاح المؤسسة واستمرارها. لا مواهب تذكر عند أزرق، ولم يثبت شيئاً خلاف ذلك خلال عامي «انشقاقه» الماضيين.
فانظروا بأيدي من وقعت «سوريا البديلة».
حرّر عقلك
أي غرور بأن يقدم برنامج تلفزيوني بأنه «مشروع نهضوي»، ومنقذ للبشر من «التخبطات الإعلامية من البرامج الترويجية لبعض المذاهب والتيارات والتوجهات والأعراق». هذا ما يدّعيه برنامج على قناة «الميادين»، يحمل اسم «حرّر عقلك»، ولا يخفى الادعاء وتوهم التأثير والدور الكبير حتى في اسم البرنامج.
البرنامج هو لمذيع «مجلبب» على أنه مفكر وكاتب كويتي، صاحب مؤلفات ومقالات، هو عبدالعزير بدر القطان، ولكنه لا يفعل شيئاً سوى مهاجمة الربيع العربي و«المؤامرة الكونية»، وقد خصص حلقته الأخيرة للنيل من المرجعية الدينية والمؤسسات الإسلامية من «أزهر» و«زيتونة» إلى علماء الشام والمغرب ووزراء أوقاف متهماً مرجعاً إسلامياً كبيراً بأنه وراء الربيع العربي وفتوى الفوضى وأنه صاحب فتاوى التكفير وفتوى قتل العلماء، وعلى رأسهم السوري رمضان البوطي.
المراجع الإسلامية، حسب القطان، لا يتكلمون، يخفون أصواتهم، هم فقط صوت السلطة، لم يخرجوا من عباءة السلطان.
قلت لنفسي وأنا في خضم التفجع القطاني على حال الأمة، مرفقاً بصوت ناي حزين، أخي «المفكر» أرجوك، قل شيئاً بخصوص «الولي الفقيه»، وملالي إيران ومشاريعهم وميليشياتهم، وأعدك بأن «أحرر عقلي» وأتبعك. وما كدت أنهي العبارة حتى ظهر في آخر الحلقة المرجع النموذج للقطاني ألا وهو الشيخ علي السيستاني، قال المذيع إن الشيخ هو مثاله الإيجابي، وبحجة السيستاني راحت الصور تتلاحق للخميني وعمائم سود عديدة. هل من حاجة بعدُ للإيضاح!
«هذا هو الإنسان»
فازت صورة التقطها مصور «أسوشييتدبرس» لقاتل السفير الروسي في تركيا العام الماضي بجائزة صورة العام لـ2017 من مؤسسة «World Press Photo» الدولية. الصورة كانت للشاب البالغ من العمر 22 عاماً، واقفاً أمام جثة السفير، فيما سبابته اليمنى ما زالت على زناد المسدس، واليسرى مرفوعة إلى الأعلى.
المصور برهان أوزبيليكي كان داخل قاعة المعرض الفني عندما أطلق الشاب النار، وقال في مقابلة يصف المشهد: «الناس الذين كانوا يقفون أمامي اختفوا، انبطحوا أرضاً، لذلك لم يكن بيننا، المسلح وأنا، أي حاجز. كان الرجل يلقي نوعاً من خطاب سياسي، ومن ثم صوّب سلاحه نحونا، نحو الناس.»
لا يخفي المصور خوفه «لقد كنت مصدوماً وخائفاً، لكن ليس كثيراً. أنا في الظروف الصعبة عادة ما أكون هادئاً، فلديّ مسؤولية تتمثل بتوثيق الحدث. ولم أرغب حين يسألني الناس «كنت هناك؟ إذاً أين الصور؟» أن لا يكون لدي جواب».
ما أروع ذلك! لحظة الشجاعة الاستثنائية تلك هي الإنسان كلّه.
المصور والقاتل وجهاً لوجه، وحيدين، كلّ يؤدي مهمته بإخلاص نهائي. لكن هل أحس القاتل بوجود المصور حقاً؟ هل رأى فيه خطراً عليه، أم أنه كان بحاجة إليه، لكاميرته كي تصل الرسالة؟
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى