انتهاء ريادة النخبة الفلسطينية للفكر العربي

حجم الخط
0

قد يتفاجأ البعض بمواقف بعض المُفكرين الفلسطينيين، أو المسؤولين السياسيين، من الثورة السورية، وخصوصاً تلك الحركات التي كانت رمز الحرية والثورة في العالم العربي.
الحدث السوري كان بالنسبة لجزء مهم من الفكر الفلسطيني بمثابة اسدال الستار عن الحلقة الأخيرة من مسرحية استمرت لعقود كان فيها المفكر الفلسطيني رمز الامة للانعتاق والتحرر، لنجد بعضهم يلهثون تدريجيا وراء الأنظمة التي كانت سبب نكبتنا وتبرر قمعها واجرامها بحق شعوب دولها.
استكمالاً لما كتبته سابقاً بشأن مواقف النخبة العربية، وعماها الأيديولوجي، الذي يمنعها من رؤية الأشياء كما هي، فسنتطرق للوضع النخبوي الفلسطيني والذي لم يكن أحسن حالا.
إن مركزية القضية الفلسطينية تُحتم علينا أن نُحلل الموقف الفلسطيني من الأحداث العربية، وترابطهما الوثيق، فالشعب الفلسطيني مُهجر في كثير من دول الجوار، خصوصاً في سوريا ولبنان، وهو واقع ضحية عنف جديد، يُضاف لعنف فقدان الوطن والعيش في الشتات.
الخصوصية الفلسطينية، والتي هي بقاء فلسطين تحت الاحتلال، قد تبرر المواقف الداعمة للنظام السوري، من عدد من المثقفين وجزء من عامة الناس، لأن الشعب الفلسطيني لم يُنه بعد، مرحلة التحرر الوطني. هل حقاً مواقف كهذه تُفيد القضية الفلسطينية، القضية المحورية للأمة العربية؟
وهل استطاع الفلسطينيون بالتصاقهم الدائم بمرحلة التحرر الوطني، الوصول إلى أي شكل حقيقي من الاستقلال الوطني؟
الحقيقة أن قطار التحرر الوطني في العالم قد فاتنا، وخصوصاً بعد تقزيم المطالب الوطنية من تحرير فلسطين وإقامة دولة العدالة الاجتماعية، المُسماة الدولة الفلسطينية الديمقراطية العلمانية، كما أُعلن في سنوات الستينيات، إلى دويلة لا تتجاوز مساحتها، خمس فلسطين التاريخية، والاعتراف بسلب البقية الباقية، ونسيان حقوق اللاجئين.
لقد عمدت اتفاقيات أوسلو، إلى إنهاء حتى مفهوم هذه الدولة الصغيرة، والتي أُشبعت تقسيماً وتقطيعاً. ولم يحصد الفلسطينيون إلا اليأس ومجتمعا مجزءا بين تيارات وانتماءات ليست لها حقيقة علاقة بالمشروع الوطني الكبير، الذي وُضع في منتصف سنوات الستينيات واستُشهد من أجله الآلاف.
عكس ذلك، أي الالتحاق بموجة التحرر، التي تلت سقوط الاتحاد السوفييتي، وانتهاء الحرب الباردة، وعمت مناطق شاسعة من العالم، قد تُقرب لنا مشروع التحرر الأصلي، أي بناء صرح دولة على كامل فلسطين وعودة اللاجئين. لهذا ليس من الضروري، أن يتناقض البعد الوطني والتحرر من المُستعمر، مع البُعد الاجتماعي والمطالبة بالحرية. ليس لذلك التناقض مبرر تاريخي حالياً، بعد نهاية الحرب الباردة، وسقوط مرجعية الفكر الاستبدادي، الذي كان يمثله الاتحاد السوفييتي، والدول الشيوعية الدائرة في فلكه، بل على العكس لن يكون لنا مشروع تحرري فاعل، إن تغاضينا، كما نفعل الآن، عن البعد الحقوقي والاجتماعي للشعب الفلسطيني.
لم يعد ممكناً أن نستمر، بتفسير اضطهاد الفلسطينيين في لبنان مثلاً، وسلبهم حقوقهم الإنسانية الأساسية، بالعمل والتملك، تحت حجة حماية القضية الفلسطينية، وكأن سلب حقوق الناس الاجتماعية، تضمن لهم حقوقهم الوطنية.
الشعب الفلسطيني، وخصوصاً المفكرين وقادة الرأي، عليهم النظر بتمعن إزاء هذه الازدواجية: الحرية والتحرر، فهما بالنسبة للشعب الفلسطيني، رديفان للهدف نفسه. أما الابتعاد عن مفهوم دعم الأنظمة العربية الديكتاتورية، كما نرى للأسف في سوريا، تحت حُجة تحرير فلسطين (وهو ما يعني فقط إقامة دولة على جزء صغير من فلسطين ومع سيادة ناقصة) لا يُقربنا، من مفهوم الجمع بين الحرية والتحرر.
لم يقبل نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا، بفصل هذين البعدين، وأصر على إقامة دولة واحدة، يحكمها القانون، وهو ما وصل إليه، بدل الجري وراء سراب تقسيم جنوب أفريقيا، بين السود الأغلبية والبيض الأقلية. علينا بفلسطين إذاً، وخصوصاً الذين يدعون المعرفة وقيادة الرأي العام، أو السياسيين من قادة الحركة السياسية، أن نبدأ بالسير نحو هذا النموذج، والالتحاق بمبادىء الربيع العربي. فشباب هذا الربيع، يمثلون حقاً مستقبل الأمة وحقها بالنهوض، بعد أكثر من مئة عام على التغييب.
إن مساندة الشعب السوري، في نضاله للحصول على حريته، هو وسيلتنا كذلك في فلسطين، للحصول على حريتنا وتحررنا في الوقت نفسه. فماذا أفاد الشعب الفلسطيني السكوت عن النظام السوري عام 1982، عندما دمر مدينة حماة، وقتل أكثر من 30 ألف مواطن، وفي وقت حاصر طرابلس، وطرد الثورة الفلسطينية، كما أرادت إسرائيل وأمريكا خارجاً.
إن الالتحاق بموكب الربيع العربي، لن يكون عن طريق أطراف السلطة بكل أشكالها (بالضفة أو غزة أو بالخارج) ولا عن طريق المنظمات الفلسطينية المعارضة، لأنهم لم يستطيعوا الخروج من المعادلة الأولى للقرن الماضي وهي التحرر من الاستعمار، ولم يدخلوا إلى المعادلة الثانية وهي التحرر من الاستبداد، التي عمت العالم، أو لم يروها. هذا الالتحاق لن يتم إلا عن طريق شباب الشعب الفلسطيني، والذي عليه مهمة اللحاق بشباب الأمة، ورفع شعارات تتلاءم مع طبيعة المرحلة الجديدة. هذا الشباب عليه أن يفرز الفكر الفلسطيني التحرري ويضع أسس حراك وطني فلسطيني يكون مرتبطا بالمرحلة التاريخية الجديدة التي يعيشها العالم العربي وفلسطين.
لم تعد البرامج السياسية التي وضعتها الحركة الوطنية الفلسطينية بكل أطيافها خلال سنوات الستينيات وحتى الثمانينيات، قادرة على تجميع الجهد الفلسطيني او العربي، بل فشلت بذلك فشلا ذريعا. أما الشباب الفلسطيني وعبر ارتباطه بالحراك العربي والذي هو بدوره جزء من صورة العالم الجديدة في جانبها المضيء، تحتم العمل من أجل مجتمعات تحكمها مصالح الشعوب ولا تهمش احدا.
الربيع العربي في بداياته عام 2011 كان نموذجا لحراك عالمي شبابي انتشر بشكل واسع، خصوصا في الدول الأوروبية من ايطاليا لإسبانيا وحتى أمريكا وغيرها، تحت تسمية الحركات البديلة مبني على مفهوم الديمقراطية وحقوق الإنسان. يستطيع الشباب الفلسطيني بدوره أن يكون نموذجا لهذا الفكر، وان لم يقم بهذا الدور فلن يقوم به أحد.
إن الذين يدعمون النـظام السوري وحماته الروس، ويعلنون رفضهم لمبادىء الربيع العربي، يسيرون عكس اتجاه التاريخ، ومكتوب عليهم الفشل، بعد أن خذلوا الشعب الذي احتضـن الفلسطيـنيين، وكأنهم جزء منه، ولا ننسى أن الشهيد عز الدين القسام، قائد أول ثورة فلسطينية، كان سورياً من قرية جبلة قرب حلب، واسـتشهد على أرض فلسـطين في قرية يعبد، وكان وما زال شـيخ المجـاهدين في فلسـطين.

كاتب فلسطيني

انتهاء ريادة النخبة الفلسطينية للفكر العربي

نزار بدران

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية