في البدء كانت الجماهير تستبشر خيرا بتغيير رموز الحكم ولكن اتضح ان غالبية من تربّعوا على قمة السلطة كانت تجمعهم اهداف واحدة وهي الاستيلاء على مقدرات المجتمع بشتى الطرق وفي اقل وقت ممكن وعلى ابعد تقدير يخطط هؤلاء لافراغ الخزينة العامة بالمدة المحددة قانونا لبقائهم متسلطين على الشعب وقد يسعون الى رهن الدولة لصندوق النقد الدولي، خاصة وأنهم يتمتعون بالحصانة فلا حسيب ولا رقيب، ويظل المجتمع يدفع فاتورة وقوفه في الطوابير لإعطاء صوته لمن لا يستحق، من هنا نجد ان هناك فتورا في اقبال الجماهير على صناديق الاقتراع ووصل الى مستويات متدنية جدا قد تلزم بعض الدول المتحضرة على اعادة العملية الانتخابية. ان اعتى انواع الديكتاتوريات جاءت نتيجة صناديق الانتخابات وما يشوب العملية الانتخابية من شراء للأصوات (ذمم العامة) حيث وصل سعر الصوت لأكثر من الف دولار في لبنان وتزوير البطاقات الانتخابية بأسماء وهمية او تكرار الاسم الواحد لأكثر من مرة كما حدث بمصر في الانتخابات الاخيرة. أخذ المواطن يفقد كل يوم مكتسب من مكتسباته بل فقد اشياء كانت مكفولة له إبان انظمة الحكم السابقة وصار يتمنى عودة ‘الملكية’ حيث الملك ظل الله في الارض يحكم من عليها ويتصرف كما يحلو له بمواردها المادية والبشرية المسخرة لتحقيق رغباته ولا يعصى له امر يتوارث الحكم كابر عن كابر، سلّم الجميع بذلك كان هناك هامش من الحرية، لأن الاحزاب التي تحكم الآن صادرت اراء منتخبيها فالنواب ينوبون عن الشعب ولم يعد يربطهم بالناخبين اي شيء وينتهى دور الجماهير بمجرد رمي الورقة بالصندوق. تمكنت جماعات الاخوان التي تربّت في احضان اوروبا وأمريكا وكانوا فزّاعة الغرب في وجه الانظمة، من قيادة الجماهير في دول الربيع العربي الثلاث الافريقية، وصل الاخوان الى السلطة وما ان تمكنوا منها حتى تشبثوا بها ايما تشبث، في الدول الثلاث لم يعمل الاخوان على انجاز الدساتير الحديثة (التعددية الحزبية، حرية الرأي، تحديد سنوات الحكم لكل فترة وعدد الفترات) التي كانت احدى مطالب الجماهير. ايقنت الجماهير انها كبلت نفسها بإعطائها الثقة لبعض الناس الذين كانوا بالأمس القريب بالمعارضة وينتقدون اعمال الانظمة، لم يفعلوا شيئا لصالحها بل يطالب هؤلاء المنتخبون بالبقاء في السلطة المدة القانونية وعدم الاستمرار يعني سفك الدماء، لم تطق الجماهير ابقاء هؤلاء في سدة الحكم، فالذين اعتلوا السلطة في السابق سلبوا ونهبوا والتجأوا الى الغرب حيث يحتمون بهم ولم تستطع الشرطة الدولية احضارهم. بل بعضهم عادوا على ظهور الدبابات ليحكموا، وصاروا ابطالا! من هنا قررت الجماهير في مصر النزول الى الشوارع بأعداد غفيرة لم يسبق لها مثيل لإيقاف التفويض الذي منحته لأناس لا يستحقونه ولتدوس بأرجلها تلك الصناديق التي اتت بهؤلاء السماسرة وعباد الكراسي فهؤلاء لا يريدون بناء دولة مدنية حديثة ولا بناء جيش وطني او شرطة وطنية لأنهم لا يؤمنون بالدولة القطرية. فالجيش الوطني ان وجد لن يسمح لهم بالتلاعب بأموال الشعب. وينسحب الغليان الشعبي على ما يجري بكل من ليبيا وتونس وان بدرجة اخف، فالإخوان عبارة عن سلسلة واحدة سوف تنفرط حلقاتها ان تهشّمت احداها بل لنقل الحلقة الرئيسية مصر. والمؤسف حقا ان بعض متظاهري ‘رابعة ‘ يطالبون ‘اردوغان’ بالتدخل لدى امريكا لتخليصهم من الفريق السيسي. فهل فعلا صرنا نعيش زمن الخلافة الاخوانية؟