ما يجري في مصر، هو ليس بالشأن المصري الداخلي أو الخاص بكل تأكيد، فهو يمس، شئنا أم أبينا، واقع كل عربي ومستقبله. ففي قلب وطننا العربي مضغة، هي مصر، إذا صلحت أحوالها، صلحت أحوال الوطن العربي كله. وليس هذا من باب الإنشاء بالطبع، لكنها الحقيقة التي فرضتها الأقدار على ‘أم الدنيا’، عندما جعلتها أكبر وأهم وأقوى دولة عربية، وما يحدث فيها، سرعان ما تمتد آثاره لتطال ما لا حصر له من المواقف والاتجاهات والسياسات من المحيط إلى الخليج. في هذا السياق، أجد أن من المهم التذكير بفداحة الآثار الضارة لتلك الخطيئة التي اقترفها نظام الرئيس المصري الراحل أنور السادات. عن خطيئة ‘كامب ديفيد’ أتحدث، ليس على مصر وحدها فحسب، بل على الأمة العربية برمتها أيضاً، ليس فقط لأنها فرطت بالحقوق التاريخية للأمة، أو لأنها شوهت صورة مصر وجعلتها تظهر بمظهر الخائنة، أو لأنها أعطت الشرعية للكيان الصهيوني، أو لأنها فتحت الباب أمام المزيد من التنازل والتساقط أمام ذلك الكيان، مصرياً وعربياً، ولكن أيضاً، وربما كان هذا هو الأهم، لأنها هشمت تماماً العقيدة القتالية القومية التي تبناها الجيش المصري لعقود، وشوشت أولوياته، ليتحول شيئاً فشيئاً من جيش عربي قومي أبيّ مهموم بقضايا الأمة، كان يضع الكيان الصهيوني على رأس قائمة أعدائه، إلى جيش قُطري لا يجد غضاضة في مسالمة ذلك الكيان والتحالف معه، بل والدفاع عنه، مع انصباب همه على الدفاع عن النظام العسكري الحاكم الذي يضمن له امتيازته التي لا حدود لها. ذلك التحول المفجع في عقيدة الجيش المصري، رأيناه نفسه مع الوقت يتكرر لدى معظم الجيوش العربية، إن لم يكن جميعها، حتى باتت وكأنها مجرد كتائب محلية تابعة، في واقع الأمر، للجيوش الغربية، وعلى رأسها الجيش الأمريكي، فهي تتسلح بأسلحته، التي يجود بها وحسب طبعاً، وتنفذ مناوراتها معه، ولا تتجرأ على اتخاذ أي خطوة أو مبادرة عسكرية، من دون أخذ الضوء الأخضر منه، بل ولا يمكن لضابط من ضباطها أن يصل إلى موقع متقدم إلا بعد أن يتتلمذ ويتعمد على يد ضباط جيش العم سام! هذا الكلام قد يغضب بعض الواهمين، الذين ما يزالون يعيشون في الماضي، يتغنون بأمجاد الجيش المصري، من دون أن يتنبهوا إلى حقيقة انقضاء أربعين سنة كاملة على آخر تلك الأمجاد المندثرة، التي أصبحت مجرد أغنيات حماسية تردد في مناسبات بائسة تحاول بصخبها إخفاء ذل الواقع المثقل بالانكسارات والتنازلات. ما أريد قوله وتأكيده هنا، هو الارتباط المتين والحتمي بين ما تشهده مصر، ومصير الأمة العربية بشعوبها قاطبة، ولذلك فإنني لا أتردد في الزعم بأن الانقلاب العسكري الدموي الذي تعاني منه مصر الآن، يشكل طعنة نجلاء وجهت إلى قلب كل عربي سعى ويسعى إلى حياة حرة كريمة لا تهيمن عليها إملاءات العسكر، وإلى كل مشروع وطني يتوخى تحرير الإرادة العربية من ربقة التبعية لقوى الغرب المتربصة، التي هناك ما لا يحصى من المؤشرات على وجودها في خلفية المشهد، وتحكمها المثير للفزع في سير الأحداث في منطقتنا العربية، لأن ذلك الانقلاب سيعطي ـ إذا ما نجح وتمكن لا قدر الله ـ للأنظمــــة العسكرية غير الشرعية التي تجثم على قلوب الشعوب العربية المزيد من الثـــقة، وسيمدها بدفعة قوية لتوطيد أركانها، وقمع الأصوات المعارضة بصورة أفظع وأسهل، بعد استيراد المزيد من الذرائع والآليات المبررة لفعل ذلك من التجربة المصرية، إذ إن كل نظام عربي سيستفيد حتماً من الخبرة المبدعة للإعلام المصري المنتمي لعصر مبارك في شيطنة الإخوان، والإسلاميين عموما، وادعاء فشلهم في الحكم، بل وضلوعهم في جرائم فظيعة، كالعمالة لأمريكا وإيران وإسرائيل! وقد بدأنا نلاحظ هذا بوضوح في تونس والأردن مثلا، وسيشكل ذلك مقدمة ضرورية للتنكيل بالإسلاميين والفتك بهم، وإظهار ذلك وكأنه يعبر عن مطلب شعبي لحماية الأوطان من أعدائها. المقلق أن الأمر بات يصور من جانب الأنظمة العسكرية العربية، وعلى رأسها النظام المصري، على أنه صراع بين أغلبية أفراد الشعب، الذي يعبر عن إسلام وسطي ومعتدل ومستنير، وبين أقلية ضالة متعصبة إرهابية لا تفهم جوهر الإسلام. ويمكن أن نتيقن من هذا التوجه وخطورته عبر متابعة الأفلام والمسلسلات المصرية، التي تجد الدعم والقبول من جانب تلك الأنظمة، مثل الكثير من أفلام عادل إمام، ومسلسل ‘الجماعة’ الذي عرض عام 2010، ومسلسل ‘الداعية’ الذي يعرض حالياًَ في شهر رمضان. إن الأمر الخطير في هذا النهج هو قلبه للحقائق بصورة صارخة، فالملايين التي تخرج في مصر اليوم للمطالبة باستعادة النظام الشرعي، تعبر عن طيف ومزيج واسع جداً من أبناء الشعب المصري، لم يخرج الكثير منهم إلا رفضاً لحكم العسكر، ولا يقتصر حتماً على الإسلاميين الذين يجتهد النظام العسكري وإعلامه في تشويههم ومحاولة عزلهم، ناهيك عن خطر ذلك النهج على الدين نفسه، فهو يطعن ضمنياً في علم وفقه عشرات الآلاف من كبار العلماء والشيوخ والدعاة الذين يقفون ضد الانقلاب، ويعطي المجال في المقابل لأهواء العوام وفقهاء السلطان وكتاّب السيناريوهات من العلمانيين والليبراليين لتحديد ماهية ‘الإسلام الصحيح’. في ما أزعم، الكرة الآن في ملعب الشعوب العربية؛ إذ عليها أن تعي تماماً أن الانقلاب في مصر يهدد أمنها ومستقبل أبنائها، وإذا ما استطاع توطيد أقدامه، فسيكون البداية التي ستجبر كل عربي تواق للحرية على أن يعض أصابعه حسرةً وندماً عما قريب وهو يستحضر المثل الشهير القائل: ‘أكلت يوم أكل الثور الأبيض’. فإذا كان الإسلاميون الذي وصلوا إلى الحكم بانتخابات نزيهة حرة، سيُسقطون وينكل بهم على يد العسكر وفلول نظام المخلوع مبارك، وهم أكثر قوى المعارضة العربية قوةً وتنظيماً وشعبية، فلا تسل بعد ذلك عما يمكن أن يحيق بمن تسول له نفسه فتح فمه للتفوه بكلمة واحدة ضد تسلط الجيش، الذي سيعود للحكم الفعلي ولا شك، ولو عن طريق واجهات مدنية هشة تقدم لذر الرماد في العيون العمياء أصلاً! الواجب الديني والأخلاقي والقومي، بل والمصلحة أيضاً، يحتمان على كل عربي تحدثه نفسه بحديث نيل الحرية، ولو لأطفاله من بعده، أن ينزل متظاهراً إلى الشارع، وأن يمارس على نظامه كل ضغط ممكن، وبشتى الصور الممكنة، لثنيه عن الاعتراف بانقلاب مصر، وحثه على اتخاذ مواقف حازمة ومتشددة تجاهه، ولو من باب استحضار تلك الحكمة العميقة القائلة: لا يمكن أن أكون حراً أو أن أشعر بأنني حر، وأنا أقف صامتاً إذ أرى الحرية تسحق في مكان ما أمام عيني.