في عام 1940 كان المخرج محمد كريم يبحث عن وجه جديد لفتاة جميلة تقف أمام الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب لتلعب دور البطلة في فيلم «ممنوع الحب» وكانت مديحة يسري حينئذ فائزة لتوها في الاختيار الأهم ضمن عشر فتيات جميلات في واحدة من المسابقات الصحافية المعهودة آنذاك والتي تم من خلالها اكتشاف العديد من نجمات السينما. ويذكر أن مديحة جاء ترتيبها ضمن عشر جميلات على مستوى العالم ولكنها معلومة متداولة وليست موثقة توثيقاً دقيقاً يؤكد صحتها، لكن الثابت بالفعل أن اختيارها لتكون بطلة فيلم ممنوع الحب كان بسبب تفردها بالجمال المصري الخالص وهو ما كان مطلوباً في الشخصية الدرامية ذات البعد الإنساني الرومانسي.
تمت الموافقة من جانب هنومة حبيب خليل التي أصبحت فيما بعد مديحة يسري النجمة السينمائية الشهيرة بعد نجاح الفيلم المذكور وتألقها على الشاشة بوجهها المصري وملامحها المعبرة التي تشير إلى عمق إحساسها ورهافة مشاعرها، وليس من شك في أن الفتاة ذات الثمانية عشر ربيعاً كانت محظوظة في بداية مشوارها لكونها وقفت أمام نجم ذائع الصيت والشهرة مثل عبد الوهاب، حيث سهلت لها هذه البداية أشياء كثيرة واختصرت مراحل مهمة كان من المفترض أن تمر بها لولا دعم عبد الوهاب ومحمد كريم.
ومنذ عام 1940 من القرن الماضي وضعت الفنانة السمراء الجميلة على أول الطريق واستمرت في مشوارها الفني تخطو بثبات وثقة نحو تأكيد موهبتها في العديد من البطولات التي كان أبرزها مع الفنان محمد فوزي الذي ارتبطت به فنياً وعائلياً بعد الزواج واقتسما سوياً أدوار البطولة في أفلام مهمة كان من بينها فيلم «لقاء في لبنان» وهو التجربة الأولى لهما تبعها بعد ذلك بطولات أخرى مثل «فاطمة» و«ماريكا وراشيل» وهو نوعية كوميدية كانت جديدة على أداء مديحة يسري ولكنها نجحت نجاحاً ملفتاً أدى إلى تكرار التجربة في أكثر من فيلم بتنويعات مختلفة جاء في سياقها الفيلم الأشهر «آه من الرجالة» وقد تم توظيف السيناريو توظيفاً اجتماعياً وسياسياً فقد كان بمثابة صيحة نسائية للمطالبة بحقوق المرأة أو لنقل أنه كان تأكيداً حقيقياً للاعتراف بدورها كعنصر فعال يمثل بالفعل نصف المجتمع.
مضامين اجتماعية
وفي تجارب أخرى كبنات حواء وياسمين والحب المحرم ظهر ميل الفنانة إلى الأدوار الإنسانية ذات المضامين الاجتماعية وهي ثيمة كانت مقبولة لدى الجمهور في وقت ما، قدمتها مديحة بأساليب ورؤى متعددة غير متشابهة فهناك على سبيل المثال أفلام رومانسية نجحت في المزج بين البعد العاطفي والمضمون التراجيدي على خلفية ما يمكن أن تسببه بعض العلاقات العاطفية في سياقاتها المضطربة من آلام ومآسي كما رأينا في «اني راحلة» و«وفاء للأبد» و«يسقط الحب» و«قلب يحترق» كنماذج للتضحية في أقصى صورها التراجيدية الإنسانية التي تلهب قلوب الجمهور وتبكيه.
هذه التركيبة الميلودرامية نجحت كثيراً في وقت من الأوقات في دغدغة المشاعر العاطفية، وأثرت إيجابياً بشكل كبير على شباك التذاكر فصارت لفترة طويلة النوع المفضل لدى المنتجين لأن عائدها المالي مضمون، ولكن بتقدم السن والانتقال من مرحلة التأثير إلى مرحلة النضج تغيرت أدوار مديحة يسري واختلف نمط أدائها فلعبت مبكراً جداً وربما قبل الأوان دور الأم الذي تكرر كثيراً فيما بعد بشكل منطقي وبمقتضى الحال وفق المرحلة العمرية. التجريب والتدريب المبكر على دور الأم كان في فيلم «الخطايا» للمخرج الكبير حسن الإمام، حيث كانت النجمة أماً لعبد الحليم حافظ وحسن يوسف، بعدها بسنوات أصبح هذا الدور هو الفرصة الوحيدة المتاحة أمام سمراء الشاشة، فتكرر في أفلام كثيرة مهمة مثل «أيوب» مع عمر الشريف ومحمود المليجي و«خائفة من شيء ما» مع رشدي أباظة وعماد حمدي ونجوى إبراهيم و«خلي بالك من جيرانك» مع عادل إمام وفؤاد المهندس ولبلبة. ونجد في مسيرة مديحة يسري انعطافاً على الدراما التلفزيونية هو بالضرورة انعطافاً حتمياً ولكنه أضاف إلى مشوارها الفني محطات رئيسية أخرى فكل أدوارها كانت محل اعتبار وتقدير، «هوانم غاردن سيتي» و«خديجة هانم» و«قلبي يناديك» و«يحيا العدل» و«الوديعة» و«طائر في العنق» و«رحمة» و«يأخذنا تيار الحياة» و«وداعاً يا ربيع العمر» ومن هنا نلحظ تميزاً في الاختيار والتدقيق وتسليماً بالواقع.
كمال القاضي