كثيرٌ ممن شاهدوا فيديو عارضة الأزياء الروسية فيكي أودنتيكافا وهي تتدلى من برج في دبي يزيد ارتفاعه على الثلاثمئة متر ارتجفت قلوبهم لمجرد النظر. كثيرون لم يصدقوا في الأساس صحة الصور، لا بد أنهم قالوا إنها مجرد فوتوشوب. لكن استدعاء شرطة دبي للعارضة وفريق التصوير للتعهد بعدم تكرار تعريض أنفسهم للمخاطر من دون احتياطات السلامة أكّد مصداقية الصور والفيديو المتداول.
مشت البنت الفاتنة، ذات الثلاثة والعشرين عاماً، على الحافة تماماً، وحين تدلّت لم يكن يربطها بالعالم سوى يد شاب واقف بدوره على حافة لا يسنده سوى يده اليسرى إلى عمود مجاور.
كثير منا قالوا هل كان الأمر يستحق ؟! وما الأمر سوى تلك اللحظة، الصورة التي لفت أرجاء المعمورة. إنهم استثنائيون بالفعل، أولئك الذين يكرّسون حياة من التدريب والجهد الشاق والمخاطرة من أجل لحظة الوقوف على خشبة مسرح، أو استحقاق جائزة رفيعة، أو تصفيق جمهور.
غالباً ما يقال لهؤلاء الذين يركبون خطر الأعالي، وللذين لديهم فوبيا المرتفعات عموماً «لا تنظروا إلى أسفل»، تلك هي القاعدة الذهبية كي لا تشعروا بالخوف، كي تضمنوا عدم السقوط. كان حريّاً صياغة العبارة بطريقة أجمل: لا تتوقفوا عن النظر إلى أعلى.
ليس من أجل حفنة من الدراهم
أما من يهاب صعود المخاطر فما عليه إلا أن يتابع الحدث (أي سيلفي العارضة الروسية) ضمن فقرة «صباح الخير يا عرب» على قناة الـ «ام بي سي». هناك حيث يكاد المذيعان يوبّخان العارضة في ثرثرة صباحية عابرة، دون أي تقدير أو بحث حول الصورة، الدوافع والمخاطر والنتائج. اكتفى المذيع بإحالة الأمر إلى حب الظهور والشهرة، ووافقت زميلته بلا تردد. ثم سأل المذيع الزميلة «لو أننا أجرينا لك كل الاحتياطات والتدابير الأمنية اللازمة، مع شيك بمبلغ خمسة ملايين درهم، هل تقدمين على صورة مماثلة؟». قاطعته المذيعة بإعلانها الرفض: «لا والله ما أساويها. أحب نفسي بصراحة. لو طاحت لا راح تنفعها الصورة ولا الشهرة. وينسوها الناس بعد فترة. سيقولون هذي العارضة التي طاحت وماتت وغامرت بنفسها».
بديهي أن يخاف الناس، فالأمر يقطع القلب، لكن محزن أن يجري تناول الحدث على هذا النحو الثرثار. ليست الحكاية حفنة من الدراهم كما يفهم مذيع الـ «إم بي سي» وزميلته، ويبدو أن من يفكر على هذا النحو سيكون صعباً عليه أن يدرك معنى المخاطرة، وربما الموت في سبيل صورة.
مملكتي مقابل حذاء
تخرج البنت من باب البيت، تتلفّت حولها بخوف، تصلح وضع حجابها، ثم تشرع في الركض (بلوزتها تحمل علامة نايكي، والحذاء كذلك)، فتاة ثانية تنتعل حذاءي التزلج في حي شعبي (خليجي على الأرجح)، تمرّ قريباً من سيدة كبيرة في السن، نظرتها الغريبة توحي بكلام سيرِد فوراً على لسان راوية تسأل بشكل متتال وبلهجة سعودية على ما يبدو «أيش ح يقولوا عنك؟ إنك مو المفروض تكوني هنا، إنو ده مو ليكي (الصورة على فتيات في حلبة ملاكمة)، إنو دي ما هي لعبتك (الصورة لفتاة تغوص تحت الماء، ومن غير حجاب أو ملاءة)، أو يمكن يقولوا إنك قوية (الصورة على فتاة تركب الخيل)، إنه ما حدّ يقدر يوقفك (فتاة متألقة في لعبة كرة القدم)، إنك ح تلاقي طريقك (هنا الصورة لحذاء رياضي لفتاة تركض، والماركة طبعاً نايكي)، إنك قدها (الرقص على الجليد)، إنك أبهرتيهم (شامخة على حافة جرف)، أو يمكن يقولوا إنك ح تصيري شي كبير (طفلة أمام ميدان للتزلج على الجليد، وهي تضع خطوتها الأولى الخائفة).. هكذا وصولاً إلى خاتمة الفيديو بكلمات «فقط افعليها».
الفيديو أكثر من مجرد إعلان لسلعة هي الحذاء الرياضي من تلك الماركة الشهيرة، فهو يبدو كأنه تحفيز وتحريض على الركض، الانطلاق، الرقص، القوة، التخطّي… إيجاد الطريق، مع ما يناسب كل ذلك من تخط لأشياء معيقة، كالحجاب أحياناً، والملاءات، وربما أكثر.
يبدو حذاء «نايكي» في الإعلان كما لو أنه من الاختراعات الأولى مع بدايات القرن العشرين، القطارات، الطائرات، الأوتسترادات السريعة، الجسور… إلى سواها مما يقرّب المسافات، ويكسر الحدود، ويفتح كل الطرق إلى الحرية.
إعلان ذكي، مثير ومحرض، لا يمكنك معه، شاباً كنت أو فتاة، إلا أن تمتلئ برغبة الانطلاق ومسابقة الزمن. نداء عميق يدفعك لاستعادة عبارة شهيرة لريتشارد الثالث، مع قليل من التحريف: «مملكتي مقابل حذاء».
يوم أُكل الثور الأبيض
أُكلت قناة «الجديد» التلفزيونية اللبنانية يوم أُكل الثور الأبيض، والثور الأبيض في الحكاية اللبنانية قد يكون قناة «إل بي سي» أو «المستقبل»، هاتين اللتين تعرّضتا من قبل لاحتجاجات عنيفة من قبل جمهور الممانعة، بل إن «المستقبل» تعرضت إلى هجوم مسلّح وإطلاق نار حيّ.
قناة «الجديد» تعرّضت أخيراً لاحتجاجات عنيفة من قبل جمهور الممانعة، بسبب ما اعتُبر إهانة للإمام الشيعيّ موسى الصدر، أو لرئيس مجلس النواب نبيه بري، رئيس حركة «أمل» الحليفة لـ «حزب الله». ومن تسنى له مشاهدة البرنامج الكوميدي الذي ذكر فيه اسم الرجلين لن يجد شيئاً من تلك الإهانة.
يبدو أن لدى الممانعة وجمهورها من فائض القوة والغطرسة ما يدفعهم إلى رغبة تأديب الآخرين «عطّال بطّال» بسبب أو من دون سبب، حتى لو كان الآخرون أصدقاء مقربين مثل «الجديد».
مرّت زوبعة «الجديد» مثلما مرّت عواصف غيرها من قبل، من دون عواقب أو مقاضاة لعنف غير مقبول بحق الإعلام. لكن المشهد سيبقى عالقاً لا شك في مخيلاتنا جميعاً، نحن الذين آمنا طويلاً بـ «بلد الحريات»، الذي بات اليوم بوضوح لا لبس فيه «دولة حزب الله».
لقد أينعت نوافير الدم التي شهدها لبنان مع ولادة سلاح الممانعة في ثمانينيات القرن الماضي. منذ ذلك الحين بدأ الأكل، ويبدو لن تكون «الجديد» الأخيرة.
كاتب من أسرة «القدس العربي»
راشد عيسى