وسائل التواصل الاجتماعي: مخابرات ونفوس عليلة

نشرت منذ زمن قناة abc الاسترالية الحكومية تحقيقاً يشير إلى أن نسبة هائلة من مدخلات الموسوعة المفتوحة (ويكيبيديا) بكل لغات العالم، هي من نتاج نشاط فعلي لموظفي وكالة الاستخبارات الأمريكية، في محاولة واضحة ومبسطة لصناعة المعرفة على المستوى العالمي، التي أصبح استهلاكها مقترناً بشكل شبه توأمي مع حالة الركون والاستسهال المريعين لدى أجيال الألفية الثالثة، في الحصول على أي معلومة ينشدونها من الشبكة العنكبوتية، من دون تكبّد عناء البحث في الكتب والمراجع العلمية الموثقة. وتكفي مراجعة قارئ مدقق لعدة صفحات من موسوعة ويكيبيديا حول بعض المفاصل التاريخية المحورية في تاريخ العرب القديم والمعاصر؛ كما في حكايات حربي الخليج الأولى والثانية، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وغزو العراق الأخير في 2003، ليكتشف هول خبث فن دسّ السم في الدسم، وتحريف الحقائق عمّا وثّقه باحثون محترفون في كتب مُحكّمة، وفق معايير الكتابة الرصينة والبحث الاستقصائي المدقق.
ويجادل بعض أنصار ويكيبيديا بأنهم قادرون على تحرير المحتوى وتصويبه، وهو زعم صحيح نظرياً، ولكنه غير قابل للتطبيق عملياً في الصفحات المؤثرة في صناعة معرفة الأجيال المعاصرة، حيث أنّها صفحات ناجزة وغير قابلة للتعديل، أو أن التعديلات المقترحة تحتاج لموافقة مشرف مخول من إدارة الموسوعة، وهو ما سوف لن يتم لعلة في أس وجوهر تكوين المصيدة الكونية المتخصصة في صناعة المعرفة، كما يراها السادة الأقوياء وحكام العالم الفعليون، بحسب توصيف الصحافي الطليعي جون بلايجر في كتابه الأخير «حكام العالم الجدد».
وعلى المقلب الآخر يثير الهول توصيف الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات الوطنية الأمريكية NSAالجنرال كيث ألكسندر، في مراسلاته مع مؤسس شبكة غوغل سيرغي برين بأن «غوغل هو عضو محوري من قاعدة صناعة الدفاع العسكرية الأمريكية»، بحسب ما أورده الصحافيان الاستقصائيان جيزون ليوبولد، ونفيز أحمد، وهو ما ينسجم مع دور تلك الوكالة على المستوى الداخلي في أمريكا وعالمياً في التجسس وتسجيل كل المكالمات الصوتية والمصورة والمكتوبة من كل مستخدمي خدمات الشركات البرمجية الأمريكية الكبرى من قبيل: مايكروسوفت، غوغل، ياهو، آبل، فيسبوك، تويتر…إلخ؛ وكل ما يستتبعها من برمجيات وشركات طرفية تجعل من كل مستخدمي الإنترنت عناصر مدانة تحت الطلب – باستعارة لتوصيف المفكر طيب تيزيني الثاقب لآليات عمل الدول الأمنية – ظهورهم مكشوفة، وكل خصوصياتهم الشخصية، والأسرية، والمهنية…إلخ، مشرعة للتنقيب فيها بكل الطرق التلصصية اللاأخلاقية لتحقيق هدفها الوجودي الأسمى المتمثل بتعزيز وحماية مصالح صناعة الدفاع العسكرية الأمريكية، التي أشار إليها ألكسندر نفسه، والتي تعني عملياً وفق تكثيف المفكر نعوم تشومسكي في كتابه «الهيمنة أو البقاء»: «السيطرة غير المشروطة على موارد الكوكب، وحرية مطلقة للاستثمارات الأمريكية، وأبواباً مفتوحة لتصريف المنتجات الأمريكية من دون قيود، في كل الدول والمجتمعات، باعتبار أنّ صنّاع القرار في الولايات المتحدة يعتقدون بحقهم المقدس في السيطرة المطلقة على الكوكب بأسره».
وعلى المقلب الآخر، تصيب القشعريرة كل من يراجع التحليلات بمدى تأثير الأخبار الكاذبة، التي كانت تنشر على وسائل التواصل الاجتماعي إبان الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة، في توجيه الرأي العام في امريكا، والذي تمخض بنتيجته عن رئيس نرجسي ممسوس بجنون العظمة، والكراهية للمسلمين، الذي بهوسه سوف يستطيع تحقيق كل مصالح المجمّع الصناعي العسكري الأمريكي بشكل عياني مشخص، الذي تشكل قاعدة ألكسندر السالفة الذكر جزءاً عضوياً منه؛ وذلك بإدامة الحرب الكونية في كل أرجاء الأرضين، خاصة ضمن حدود العالمين العربي والإسلامي، التي بدونها لا يمكن لذلك المجمع الاستمرار الطفيلي في شفط أكثر من خُمس أموال دافعي الضرائب سنوياً بشكل صريح لا يمكن مواربته، مع الكثير من ذلك المخاتل الذي يتسرب ببنود أخرى لا يبدو ظاهرياً بأنها لصالح المجمّع الصناعي العسكري، كشركة غوغل نفسها بحسب توصيف الكسندر، وهو ما يحيلنا إلى رعب سرمدي يتعلق بمدى قدرة وسائل التواصل الاجتماعي على صناعة الرأي العام، وحرف الديمقراطيات، الراسخة ظاهرياً عن مسارها، إلى هاوية التطرف والحرب المستمرة، ووأد إمكانيات الحشد والتنظيم؛ كما هو الحال في الشكوى المستمرة من الناشطين على المستوى العالمي من تدني عدد المشاهدات لأي ما يضعونه على صفحاتهم على موقع فيسبوك، إلى نسبة تقارب واحد بالألف من عدد المشتركين الفعلي في صفحاتهم، وهي البرمجة التي استنبطتها إدارة فيسبوك في سياق الربيع العربي، مما انعكس في إجهاض مباغت للمجموعات والحركات التي اعتمدت على فيسبوك في تنظيمها، ومن دون أن يكون ذلك أبداً مشكلة إن كانت الصفحة المعنية دعائية تجارية، تنسجم مع أهداف فيسبوك ومن خلفه، بحيث يصل كل ما ينشر على صفحاتها إلى جميع مشتركيها، ومن دون أي تقنين.
وفي السياق نفسه تجدر الإشارة إلى نتائج الأبحاث العلمية الأخيرة حول دور وسائل التواصل الاجتماعي في تأطير وقولبة منظومة العلاقات بين البشر، في نموذج سطحي يستند إلى القشور وليس المبنى، ودورها في تعزيز حالة تذرية المجتمعات، وتحويل كل فرد منها إلى جزيرة معزولة صلته الأساسية بالعالم الخارجي أقنية وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت بدورها مسباراً استخبارياً مهماً في قياس الرأي العام، وصياغة السياسات التكيفية لحكومات النواطير المخولة بشؤون الحفاظ على مصالح المجمع الصناعي الأمريكي وشركاته الكبرى، سواء في داخل الولايات المتحدة أو غيرها من الدول التي تدور حكوماتها في فلك تلك الأخيرة؛ باستباق أي حراك شعبي في مجتمعاتها، قد يؤدي إلى تغيير جذري في سيطرة المجمع الصناعي العسكري على مفاصل الحلّ والعقد في الولايات المتحدة والعالم، بمناورات تنفيسية، أو ضربات إجهاضية، حسب السياق الأكثر ملائمة في ظرفه الزمني والمكاني، بشكل يتسق مع توصيف تشومسكي السالف الذكر؛ وكذلك دور شبكات التواصل الاجتماعي في تشويه الطبيعة الموضوعية لتقييم الذات الإنسانية، التي تفصح عن نفسها بزيادة معدلات الاكتئاب لدى مدمني وسائل التواصل الاجتماعي عموماً، ومعدلات الاضطرابات النرجسية لدى مدمني الصور الشخصية (سيلفي)، وانعكاسات ذلك الخطيرة على إمكانيات الأجيال الشابة التي يراد بها صناعة المستقبل القريب، وقدرتها الفعلية على التفاعل الطبيعي مع أقرانها من البشر، سواء في العمل أو في المجتمع، من دون التحول إلى عمالقة رقميين في غياهب وسائل التواصل الاجتماعي، وأقزام عقيمين عند مواجهة التحديات الوجودية لكل شعوب العالم، خاصة في ما يتعلق بالكارثة المناخية المحدقة التي تنتظر الإفصاح عن وجهها القبيح في أرض العرب بمجاعات مقبلة، وعطش مقيم، وموات بيولوجي لا فكاك منه، وأبناؤها مشغولون في تحقيق وجودهم ومكانتهم التي يستحقونها بين أمم الأرض في حلبات وسائل التواصل الاجتماعي.
كاتب سوري

وسائل التواصل الاجتماعي: مخابرات ونفوس عليلة

د. مصعب قاسم عزاوي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية