ترامب والقضية الفلسطينية: دولة أو دولتان أو خيار ثالث؟

نيويورك ـ «القدس العربي»: لم يمنع بنيامين نتنياهو نفسه من الضحك والذي ظهر واضحا وهو يشارك الرئيس الأمريكي مؤتمره الصحافي يوم الأربعاء 15 شباط/فبراير عند لقائهما في البيت الأبيض. قال «أنا أستطيع التعايش مع حل الدولتين، أو الدولة الواحدة. لقد كنت أعتقد أن حل الدولتين هو الأسهل من بين الخيارين. وإذا كان الفلسطينيون والإسرائيليون سعداء، فأنا أفضل الحل الذي يفضلونه هم».
سفيرة ترامب في الأمم المتحدة نيكي هيلي عبرت أيضا عن هذه المواقف المترددة والمثيرة للشك. فبعد الاحاطة الشهرية التي قدمها، نيكولاي ملادينوف، المبعوث الأممي في الأرض الفلسطينية المحتلة يوم 16 شباط/فبراير في مجلس الأمن حول آخر تطورات المنطقة وتعرض حل الدولتين لضربة قاصمة بالتصويت على «قانون التسوية» لشرعنة الاستيلاء على الأرض الفلسطينية في حالة اقراره من قبل المحكمة العليا، خرجت علينا هيلي، لتتحدث وبطريقة غير متناسقة عن حل الدولتين أو حل الدولة الواحدة. وعندما ضغط عليها الصحافيون بأسئلتهم قالت «نحن ما زلنا نؤيد حل الدولتين ولكن الرئيس ترامب ينظر إلى بعض الأفكار الجديدة- انه يريد أن يخرج من داخل الصندوق المغلق، وهو يسأل ما الذي يمكن أن يعيد الطرفين إلى طاولة المفاوضات؟».
أما ديفيد فريدمان، مرشح ترامب لتولي منصب سفير الولايات المتحدة في إسرائيل، والمعروف بتأييده للاستيطان ونقل السفارة من تل أبيب إلى القدس، قال في استجوابه أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، مامأمام لجنة العلاقات الخارجيةحول كفاءته للمنصب « إن الحل القائم على الدولتين، إذا كان تحقيقه ممكنا، سيعود بالفوائد للطرفين إسرائيل والفلسطينيين. وقد عبرت عن تحفظي على هذا الحل لسبب عجز الفلسطينيين التخلي عن العنف ورفضهم الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل». وعن التوسع الاستيطاني المحموم قال فريدمان «أعتقد أن التوسع في الاستيطان الذي يشمل أراضي جديدة خلف الحدود (ولا نعرف ما يقصد بالحدود) وهنا اتفق مع الرئيس، قد لا يكون مفيدا. يجب التقدم بحذر في هذا المجال».
وقد أثار هذا الموقف الاستخفافي موجة من التحليلات في الصحف الأمريكية وغيرها بل وراح مسؤولون إسرائيليون يعلنون أن حل الدولتين قد انتهى وأسدل عليه الستار كما صرح بذلك نافتالي بينيت، وزير التعليم الصهيوني المتطرف ورئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، «إن عصر الحديث عن دولة فلسطينية انتهى». حتى الرئيس الإسرائيلي، روفين ريفلين، نفسه صرح يوم الأحد 19 شباط/فبراير أن على إسرائيل أن تضم كل المناطق في الضفة الغربية وأن تلغي حل الدولتين وتستبدله بحل الدولة الواحدة التي تمنح المواطنة المتساوية لساكينها جميعا. بينما استغل موشيه إيرنز، وزير الخارجية الإسرائيلية السابق، أعاد إلى الأذهان ما كان يطرحه إرييل شارون، أن الحل الآن يكمن في الخيار الأردني كما كتب مؤخرا في جريدة هآرتس. «كل من يعرف الشرق الأوسط يعرف أنه توجد للفلسطينيين دولة ـ الأردن. حيث أن أكثر من 70 في المئة من سكانه هم فلسطينيون. وإذا لم تكن هذه هي دولة فلسطينية فما هي اذن؟».

ردود الفعل الأمريكية

اعتبر بعض المسؤولين السابقين أن الرئيس ترامب بتصريحاته هذه إنما «يعبر عن أسلوبه الارتجالي، غير التقليدي في التعامل مع قضايا بالغة الدقة والحرج، كما يعبر عن حقيقة أن الرئيس ليس ضالعاً بهذه القضية المعقدة، حسب قول أحد المسؤولين السابقين في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما.
ويضيف المسؤول الذي طلب عدم ذكر اسمه: «لقد أمضينا سنوات طويلة وعبر إدارات متعاقبة ديمقراطية وجمهورية، ومن ثم ديمقراطية، في تمحيص تفاصيل هذه المشكلة التي طالما اعتبرنا -كما يعتبرها حلفاؤنا العرب والأوروبيون – المشكلة الأساسية في فسيفساء القضايا الملتهبة في الشرق الأوسط، وأنا أعتقد، كما يعتقد المختصون أن التحول في هذه المسألة بأسلوب عرضي عن السياسة الثابتة للولايات المتحدة يعرض مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل للخطر».
مارتن انديك، الذي ترأس مفاوضات السلام من الجانب الأمريكي بين اب/أغسطس 2013 ونهاية اذار/مارس 2014 بتكليف من وزير الخارجية السابق جون كيري، صرح لصحيفة «نيويورك تايمز» أن الرئيس ترامب سيكتشف بسرعة أنه لا يوجد «حل الدولة الواحدة» للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وأنه إذا كان جاداً بشأن السلام فسوف يعود حتماً إلى تأييد حل الدولتين، الذي تبناه الرؤساء الأمريكيون السابقون منذ بيل كلينتون. وحسب قول انديك «ترامب عاد مجدداً إلى سياسة الصين الواحدة لأن الصين دولة قوية للغاية، وسيتراجع مجدداً عن موقفه في حالة الفلسطينيين لأنه لن يكون قادراً على تغيير موقفهم».
عضو مباحثات السلام في عهد الرئيس كلينتون آروون ميلير قال تعليقا على تصريحات ترامب «ربما من غير المضر التشكيك في الافتراضات القديمة، ولكن المشكلة هي أن الرئيس ترامب لا يدرك في أحيان كثيرة المبررات المعقدة للمبادئ التي يتحداها. يتحدث ترامب عن صيغة الدولتين أو صيغة الدولة الواحدة للسلام كما لو أنهما وجبتان على قائمة طعام».
غيث عمري (من أصول فلسطينية) ويعمل باحثاً في «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى» الذي يسوق للسياسات الإسرائيلية، صرح لصحيفة «نيويورك تايمز» أن «ترامب لم يحاول تقويض مصداقية صيغة حل الدولتين، ولكنه فتح الباب أمام خيارات أخرى. فبمجرد أن يتجاوز المسؤولون الفلسطينيون حالة الغضب الأولى سيعودون للتركيز على مضمون تصريحات الرئيس الأمريكي عوضاً عن الانشغال بالشكليات».
دينيس روس، مستشار أوباما للشرق الأوسط بين عامي 2009 و 2011، وأحد الذين أشرفوا على المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية أثناء إدارة كلينتون، يعتقد في مقال في «واشنطن بوست» أن ترامب يمكنه أن يتوصل إلى إتفاق مع الطرفين ولكن يجب ألا يكون التركيز أولا على دولة واحدة أو دولتين، بل العمل على إقناع كل طرف أن يبدد شكوك الآخر وأن يكون التركيز على بناء الاقتصاد الفلسطيني من أسفل إلى أعلى وأن يكون الآن أي حل في إطار عربي موسع وأن يرتبط الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة بناء على تصرفهم في حفظ الأمن الإسرائيلي وبالتالي يصبح الآن الحديث عن دولة واحدة أو دولتين غير وارد.
صحيفة «كريستان سيانس مونيتور» المتزنة تعتقد أن تصريحات ترامب تعتبر تخليا عن سياسة ثابتة للولايات المتحدة وبهذا «يكون ترامب قد انحرف بعيدا عن فرضية الدولتين التي كانت لعقود طويلة في صلب جهود السلام في الشرق الأوسط». وتذكر الصحيفة أن «فكرة تقسيم الأرض بين الإسرائيليين والفلسطينيين تعود إلى عام 1947، وذلك عندما صوتت الأمم المتحدة لصالح تقسيم فلسطين تحت الحكم البريطاني، وخلق دولتين واحدة يهودية وأخرى عربية، إلا أن تلك الفكرة حظيت بقبول اليهود، ورفض الدول العربية». وتتابع الصحيفة «لكن الرئيس قلب كل تلك الموازين يوم الأربعاء الماضي عندما أعلن أنه لم يعد متمسكا بحل الدولتين بإعتباره الوسيلة الوحيدة لإنهاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني».

نهاية حل الدولتين

نستطيع أن نستنتج بشيء من الموضوعية أن انتخاب ترامب رئيسا للولايات المتحدة قد ساهم بشكل مباشر، على الأقل في المدى المنظور، في تراجع أسهم حل الدولتين وارتفاع أسهم الدولة الواحدة أو أي شيء آخر. لكن الأمر المؤكد أيضا أن الحديث عن الدولة الواحدة أو الدولتين ما زال غير محسوم في الإدارة الأمريكية الجديدة لغاية الآن. وهذا التخبط قد فتح مجالا جديدا للحديث عن خيارات أخرى كالحل القائم على ثلاث دول (دولة غزة) أو الحل القائم على الخيار الأردني. في ظل حالة الفوضى وعدم الحسم باتجاه سياسة معينة يستطيع اللوبي المناصر لإسرائيل المتطرفة أن يملأ الفراغ ويشهر حل الدولة الواحدة القائمة على نظام الأبرتهايد أو الخيار الأردني.
لا نريد أن نحمل الرئيس الأمريكي ترامب مسؤولية نهاية حل الدولتين لأن هذا الحل، في رأينا، قد انتهى قبل انتخابه بزمن ولكننا نظن أن الخطاب القائم على الأقل بشكل رسمي حول حل الدولتين سيتراجع كثيرا ليفسح المجال أمام خيار الدولة الواحدة (الأبرتهايد) أو الخيارات البديلة الأخرى. التأييد الأمريكي لحل الدولتين الذي تلقفته قيادة الفلسطينيين، كان في جوهره خطابيا وعلى الورق واقتنعت به ودخلت النفق المظلم وسوقت فكرة «الدولة الوهم» على أنها قادمة لا محالة «شاء من شاء وأبى من أبى». الآن نستطيع أن نقول إن ذلك الوهم قد انتهى رسميا هذه الأيام مع العلم أنه، في رأينا، انتهى منذ ارتكب باروخ غولدشتاين مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل في رمضان 1994.

ترامب والقضية الفلسطينية: دولة أو دولتان أو خيار ثالث؟

عبد الحميد صيام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية