المشهد السياسي المصري والحق في الاختلاف الايديولوجي لتدبير الأزمة السياسية الراهنة

حجم الخط
0

إن وقفة مع الذات في ظرفية مصرية جد حساسة تقتضي الاحتكام إلى لغة العقل، بدل تهييج الشعوب بشعارات ممتلئة بكل شيء إلا بالمصالح العليا للوطن، عشنا أغرب فض لبكارة اللعبة الديمقراطية، فبعدما قادت صناديق الاقتراع بشفافية حزبا سياسيا ذا مرجعية إسلامية له تصور وإيديولوجية خاصة به تحرك فعله السياسي، نجد أنفسنا اليوم ـ وإن كنا لا نتفق إيديولوجيا مع الإيديولوجية ‘الإخوانية’ ـ أمام فعل خطير جدا يهدد الديمقراطية قبل الثورة المصرية، كيف يمكن بعقل سياسي أن نتقبل تدخل المجلس العسكري المصري في عزل رئيس شرعي منتخب ديمقراطيا؟ فنحن لم نكن يوما ندعم أو نساند الإخوان المسلمين، ولن نساندهم في سياساتهم، ولكن وجب أن نكون عقلانيين في رؤية المشهد من فوق لا من داخل الفعل ورد الفعل، فالديمقراطية تقتضي بالضرورة أن تحتكم الشعوب إلى صناديق الاقتراع لتحديد من يحكمها، لكن في حالة مصر حدث شيء خطير يهدد الديمقراطية والاستقرار في المستقبل، لو خرج الشعب المصري بكل أطيافه، وطالب بسقوط النظام ورحيل محمد مرسي، كنا سنتفق مع إرادة الشعب، لكن أن يتدخل المجلس العسكري بالصورة التي رأينا، ويعزل رئيسا شرعيا لم يأت للحكم على ظهر دبابة، ولم ينجح بتدليس وتلفيق الأوراق والأحداق، وإنما أتى بطريقة ديمقراطية خولت له فترة رئاسية وجب أن يتمها ديمقراطيا، والحساب يأتي في آخر الفترة، فمحاسبة الإخوان المسلمين بعد سنة على حكمهم بعزل الرئيس شيء لا ولم ولن يتفق معه عقل سليم يفكر بعمق وطني، صحيح ان الإخوان ارتكبوا أخطاء سياسية فادحة انطلقت مع تمرير دستور يستوجب نقاشا طويلا أكبر من الفترة التي قضوها في سدة الحكم، ولا نتفق مع أغلب ما جاء فيه، إضافة إلى قرارات سياسية يمكن وصفها ‘بالساذجة’، إلى جانب سوء تدبير الملفات الحساسة في البلاد، والتعامل معها بفعل ‘شعبوي’ عاطفي أكثر منه سياسيا عقلانيا، لكن هذا لا يشفع أن يتدخل المجلس العسكري ويعزل الرئيس ويغلق قنوات تلفزيونية ويحاكم قادة الحزب، أي ديمقراطية هذه؟
طالما سيطر على الخطاب السياسي والفكري العربي سجال محتدم يعود إلى بداية إدراك الفارق مع الآخر بكل مكنوناته وخلفياته، والبحث في مكامن القوة والضعف، من خلال مقارنات عبرت عنها كتابات حاولت الإجابة على سؤال لماذا تقدم الغرب وتأخر الشرق؟ فكان الصراع ثنائيا بين اتجاه ليبرالي علماني له مرجعيات ليبرالية علمانية تمتد جذورها إلى إرث إنساني راكمه الإنسان الغربي، يرى أنه لا تقدم بدون فصل الدين عن الدولة، والاستفادة من تجارب الآخر، وما راكمه من تقدم تقني ونظري في إطار مشروع حداثي مشبع بالحرية، وبين اتجاه سلفي يرى انه لا تقدم إلا بالعودة إلى المنابع الأولى للدين الإسلامي، وما تخلفنا إلا بابتعادنا عن ديننا…. إذن هذان اتجاهان يستحيل التوفيق بينهما، رغم النزعات التوفيقية، لكن ظل الاتجاه السلفي أقرب إلى نبض الشارع العربي في خطاباته، عكس الاتجاه الليبرالي الذي بقي نخبويا.
هذا الصراع ليس وليد الثورة المصرية أو التونسية وغيرها من الثورات العربية، وإنما هو ضارب في عمق التاريخ العربي منذ وعى الفارق مع الآخر، ويتجسد هذا الصراع والاصطدام بشكل أعنف هذه الأيام في مصر بين الإخوان المسلمين والأحزاب الليبرالية والعلمانية، الذي وصل إلى حدود القتل مع من اختلف معه إيديولوجيا، فهذا يطرح لنا إشكالية: الحق في الاختلاف الإيديولوجي لتدبير الأزمة السياسية الراهنة، فكيف يمكن خلق وطن لكل المصريين رغم اختلافهم الإيديولوجي والديني؟ إشكالية يصعب مقاربتها في جو سياسي وشعبي مشحون، تتناثر نيرانه وتحرق الجميع، مجلس عسكري قام بفعل غير محسوب الخطوات يجرد الديمقراطية من جوهرها، ويعيدنا إلى زمن الانقلابات العسكرية، فبهذا التصرف أشعل فتيلا سيزداد التهابا، ولم يعرف هذا المجلس العسكري أن الإخوان لديهم أكبر تنظيم في البلاد، ولهم شعبية قوية جدا، هي التي مكنتهم من الفوز في الانتخابات، فكيف تجاهل المجلس العسكري هذا الأمر؟ وفي المقابل جماعة الإخوان المسلمين لديها أفكار تدعو للعنف والتعصب، فارغة من أي مشروع سياسي يمكن أن تقدمه للشعب المصري، اللهم الا الشعارات الفارغة مع استدعاء مفاهيم تثير الغرابة في أكثر الخطابات، ولا تحمل بصيص أمل للشعب المصري.
وهناك أحزاب ليبرالية علمانية ترفض جملة وتفصيلا حكم الإخوان المسلمين، ومتعارضة بشكل مطلق معهم، كما أن الإخوان المسلمين رؤيتهم لهذه الأحزاب رؤية أكثر تعصبا.
وأخيرا شعب مصري جريح أنهكه حكم ديكتاتوري لعقود من الزمن فتك بكل أحلامه، وجعله أفقر من الفقر، ومع إطلالة نسيم الحرية استبشر خيرا بإخوان قيل عنهم انهم يحملون مشعل الديمقراطية والتغيير، ولم ير منهم سوى شعارات ولسان الحال يطعمهم من نزيف اجتماعي لم يعرف له من قبل طريقا.
هذه العناصر مجتمعة تشكل إشكالية كبرى يصعب معها بناء علاقة متجانسة تشكل في آخر المطاف وطنا لكل المصريين، إذن ما الحل للخروج من نفق الأزمة السياسية المصرية المظلم؟ نعتقد أوراق الحل يملكها بدرجة أكبر المجلس العسكري المصري، وقيادات الأحزاب، سواء الإسلامية أو الليبرالية، والحل يتجسد في امتلاك المجلس العسكري قرارا جريئا بعودة مرسي لسدة الحكم من خلال حوار وطني يتم فيه وضع خارطة الطريق، بتقديم الإخوان المسلمين لتنازلات، منها إعادة النظر في الدستور وإعادة صياغته بشكل جماعي يضمن مشاركة الجميع، إلى جانب تنازل التيارات الليبرالية عن بعض المواقف، وعلى الجميع وضع مصلحة مصر فوق الجميع، وفوق أي اعتبار إيديولوجي أو سياسي، مع التركيز على مبدأ يجب على الجميع احترامه، وهو الحق في الاختلاف الإيديولوجي، مادامت هذه الإيديولوجية لا تدعو للعنف، ويجب أن يوافق الجميع على قرار اتخاذ مساطر قضائية في حق كل من يدعو للعنف والفتنة ومتابعته قضائيا كائنا من كان.
بدون تنازلات وإعادة صياغة المشهد السياسي المصري من جديد وفق خارطة طريق يشارك فيه الجميع، وليس استئثار الإخوان بكل شيء من جديد، بل يجب إشراك الجميع بكل توجهاتهم وأطيافهم في مشروع وطني يجسد أحلام الشعب المصري الذي دمه أغلى من أي مزايدة يذهب ضحيتها وحده. فإرجاع الإخوان إلى سدة الحكم وإلغاء جميع مظاهر التعصب والفتنة والقتل وتقديم تنازلات من الجميع لما فيه صالح مصر، وترك الإخوان يكملون فترة حكمهم، مع وجود معارضة قوية على المستوى السياسي والبرلماني، وإقامة مصالحة وطنية لوقف الفتنة قبل أن تستفحل أكثر وتصبح قاعدة تسود مهما كان الوضع السياسي مستقبلا، ووضع مشروع وطني متفق عليه يساهم في صياغته الجميع. وإذا بقي المجلس العسكري متشبثا بقراره عزل محمد مرسي، والإخوان متشبثون بموقفهم، والتيارات الليبرالية والعلمانية متشبثة بموقفها، فمصر فوق فوهة بركان طائفي وسياسي وديني يمكن أن يجعل الأرض المصرية رقعة لصراع جهات خارجية تترصد بالبلد، ويمكن أن تدفعه إلى تشتت وتشرذم أكثر مما هو عليه الوضع الآن، ودافع الضريبة هو المواطن المصري الحالم بوطن يتعايش فيه الجميع إيديولوجيا ودينيا ولغويا وثقافيا.

‘ كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية