القاهرة ـ «القدس العربي»: تمثل قضية الدين العام إحدى أهم المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها مصر، تلك المشكلة التي تتسبب في كثير من الاختلالات المالية التي تؤدي في كثير من الأحيان إلى المس بالجوانب السيادية للدول المدينة.
ففي مصر، أصبحت مصطلحات الديون المحلية والقروض الخارجية والسندات وأذون الخزانة أكثر الألفاظ الاقتصادية المستخدمة، وهو ما يشكل الخطر الأكبر على البلاد ويثير عدة تساؤلات ومخاوف حول قدرة مصر على الالتزام بسداد مديونياتها، في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.
وعلى هذا النحو، أعلن الدكتور محمد معيط، نائب وزير المالية لشؤون الخزانة العامة، «إن معدلات التضخم في مصر بلغت مستويات مرتفعة جدًا، وهو ما استدعى قيام الحكومة بإصلاحات وإجراءات اقتصادية في الوقت الذي ارتفعت فيه معدلات الفقر إلى 29٪ بسبب الزيادة السكانية وانخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي، لاسيما وأن الناتج المحلي الإجمالي أصبح ينمو بمعدلات منخفضة».
وأضاف معيط، خلال كلمته في الاجتماع الذي نظمته غرفة التجارة والصناعة الفرنسية، «أن إيرادات الدولة في العام الماضي بلغت 491 مليار جنيه في الوقت الذي بلغت فيه قيمة المصروفات 366 مليار جنيه، مبينا أن الفجوة بين الإيرادات والمصروفات تزيد بشكل مستمر والديون تزيد بالتبعية كل عام»، قائلًا: «الدولة سددت فوائد ديون العام الماضي بقيمة 244 مليار جنيه، وعلينا دفع فوائد الديون لهذا العام بقيمة 310 مليار جنيه، والله أعلم حنجيبهم منين وإيراداتنا هتكون قد إيه».
وأشار إلى أن «الضغوط الاقتصادية انعكست على ارتفاع نسبة العجز الكلي إلى 12٪ والعجز الأولي إلى 3.5٪، ما أدى إلى زيادة الضغوط على ميزان المدفوعات وترتب على ذلك انخفاض حجم الاحتياطي الأجنبي ليصل إلى 17 مليار دولار في حزيران/يونيو الماضي، بتراجع يزيد عن 35 مليار دولار في حزيران/يونيو 2010.»
وتابع، «في السابق لم يكن هناك تخطيط للمساعدة على التنمية إلا أنه في الوقت الحالي تتوفر خطط جيدة لتحقيق وضمان الاستدامة»، مضيفا: «حقبة الثورة والاحتجاجات التي عصفت بالشارع المصري، أدت إلى قيام الحكومة باتخاذ قرارات اقتصادية سيئة في ظل عدم وجود موارد للدفع ما أدى إلى الاقتراض وتوقفت المصانع عن العمل، وبدأت الموارد تقل والإنفاق الدين العام يزيد وتدهورت تنافسية الاقتصاد المصري.»
وأعلنت وزارة المالية، في تقرير لها الأربعاء الماضي، «أن هناك زیادة مصروفات فيما يخص فوائد الديون بنسبة 18.7 ٪ لتصل إلى 135.3 ملیار جنیه (8.7 مليار دولار) لتمثل نسبة 4.2 ٪ من الناتج المحلي، في الفترة من تموز/يوليو الماضي وحتى نهاية كانون الأول/ديسمبر الماضي».
انخفاض مصروفات الأجور
وأشار التقرير إلى «أن جملة الایرادات حققت خلال الأشهر الستة الأخيرة من عام 2016 نحو 219.8 ملیار جنيه لترتفع بنحو 27.7 ملیار جنیه بنسبة 14.4 ٪ مقابل نحو 192.2 ملیار جنیه خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق، وذلك نتیجة تحقیق الإیرادات الضریبیة نحو 154.6 ملیار جنیه لترتفع بنحو 16.6 ملیار جنيه بنسبة 12 ٪ مقابل 138 ملیار جنیه خلال الفترة نفسها من العام المالي السابق».
وأكد، أن المصروفات العامة بلغت نحو 189.6 ملیار جنیه خلال النصف الأخير من العام الماضي، لتمثل 12٪ من الناتج المحلي لترتفع بنحو 9.9 ٪ عن الفترة نفسها من عام 2016».
ولفت التقرير إلى «انخفاض مصروفات الأجور وتعویضات العاملین في الدولة بنسبة 2.4 ٪ لتبلغ نحو 107.6 ملیار جنيه، في الوقت الذي شهد زیادة الإنفاق على شراء السلع والخدمات بـ 3 ملیارات جنیه (بنسبة 23٪) لیحقق نحو 16 ملیار جنیه».
ووصل الدين الخارجي لمصر إلى 60.152 مليار دولار في أيلول/سبتمبر 2016، وهو أعلى مستوى خلال ربع قرن مقابل 46.148 مليار دولار في الشهر نفسه من العام 2015 بزيادة قدرها 14 مليار دولار، حسب بيان سابق صادر عن البنك المركزي المصري.
ولم تتوقف مصر عن استخدام أدوات الدين العام (المباشر والأذونات والسندات) خلال السنوات التي أعقبت ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، وارتفعت وتيرتها في أعقاب الإعلان عن تعويم الجنيه في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي وموافقة صندوق النقد الدولي على قرض بقيمة 12 مليار دولار.
وفي السياق نفسه، قامت الحكومة المصرية باقتراض نحو 15 مليار دولار خلال الاشهر الأربعة الماضية؛ حيث تضمن الدين الخارجي لمصر خلالها إصدار سندات بقيمة ثمانية مليارات دولار على مرحلتين في بورصة لوكمسبورغ وايرلندا، و2.75 مليار دولار قيمة الشريحة الأولى من قرض صندوق النقد الدولي البالغ 12 مليار دولار على ثلاث سنوات، حال نجاحها في تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، وحصلت مصر على ما يعادل 2.75 مليار دولار من الصين في إطار اتفاق لمبادلة العملة، وعلى 1.5 مليار دولار بواقع مليار دولار من البنك الدولي كشريحة ثانية في إطار برنامج دعم التنمية في مصر ونصف مليار دولار من البنك الافريقي للتنمية، وفقا لبيانات رسمية معلنة من وزارة المالية.
أهمية الاستثمار الأجنبي
وعلى جانب آخر، انتقد يوسف بطرس غالي، وزير المالية المصري الأسبق، زيادة الإنفاق الحكومي خلال السنوات الست الماضية، مشيراً إلى أنه «لا توجد أزمة اقتصادية يمكن التعامل معها أمنياً».
وأضاف غالي، في أول حوار له منذ اندلاع ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011 في فضائية «دي ام سي»، أن «تعيين أكثر من مليون موظف حكومي، بجانب زيادة الأجور خلال السنوات الست الماضية أحد أهم أسباب الأزمة الاقتصادية».
وأوضح، «أن ما يساعد الاقتصاد المصري في هذه المرحلة هو زيادة الاستثمار الأجنبي للمساهمة في تقليل العبء على الدين العام وزيادة الدخل»، موضحا «أن عجز الموازنة العامة هو المنبع الأساسي لمشاكل مصر الاقتصادية، لأنه يتسبب في زيادة طباعة النقود دون غطاء، وبالتالي زيادة معدلات التضخم بجانب تفاقم معدلات الديون».
وأكد «أن ارتفاع الأسعار المحلية بسبب طباعة البنكنوت يؤدي إلى اللجوء للسلع المستوردة، ثم في النهاية نقص العملة الصعبة بسبب زيادة الطلب عليها، ثم ارتفاع الأسعار بسبب ارتفاع قيمة الدولار، وتوقف المصنعين عن استيراد المواد الخام والدخول في حلقة مفرغة».
وانتقد وزير المالية الأسبق، تأخر البنك المركزي في اتخاذ قرار تحرير سعر الصرف، مشيراً إلى «أنه لو تم تنفيذ القرار منذ 3 سنوات لم يكن ليعاني الشعب مما يعانيه الآن».
من جهتها، أوضحت مؤسسة فيتش للتصنيف الائتماني، في تقرير لها الخميس الماضي، «إن نمو احتياطات النقد الأجنبي، وتدفقات رؤوس الأموال الخاصة، وارتفاع قيمة العملة تشير إلى تحقيق تقدم في استعادة توازن المعاملات الخارجية لمصر، في وقت مبكر من 2017».
وأكد التقرير، «أن ضبط المؤشرات المالية (تقليل عجز الموازنة) إلى جانب إعادة التوازن الخارجي، سيضع أساسا جيدا لتحسن التصنيف الائتماني للدولة المصرية».
وأشادت المؤسسة، بوصول احتياطي النقد الأجنبي إلى 26.4 مليار دولار في نهاية كانون الثاني/يناير الماضي بزيادة 10 مليارات دولار مقارنة بنهاية تموز/يوليو 2016، بالإضافة إلى تحسن قيمة سعر صرف الجنيه أمام باقي العملات مقارنة بنهاية كانون الأول/ديسمبر.
ولكن فيتش أشارت إلى أنه «حتى لو كانت الإصلاحات الحكومية تمر بسلاسة، فإن الاقتصاد يحتاج عدة سنوات لخفض إجمالي الدين الحكومي العام لمستويات مستدامة».
محمد علي عفيفي