ما زالت التجربة الديمقراطية اليافعة في تونس تبعث برسائل مختلفة إلى الإقليم، بعضُها إيجابي والآخر سلبي. وبعدما أظهرت أن الانخراط في مسار انتقالي ممكن في بلد عربي، من دون احتراب أو سفك دماء، اعتمادا على مقايضات تنبذ الغُلوَ، ها هي تُبرهن من خلال «أزمة» التعديل الوزاري الأخير على أن لكل واحد من الفرقاء مجال حركة لا يمكن الخروج عنه. فالتعديل الذي أعفي بموجبه وزير الوظيفة العمومية والإصلاح الاداري من مهامه الأسبوع الماضي، كان يمكن أن يكون عاديا، إلا أنه تحول إلى اختبار قوة بين الحكومة والقوة الاجتماعية الأولى في البلد.
رفض اتحاد العمال (الاتحاد العام التونسي للشغل) إقالة الوزير، الذي كان عضوا سابقا في قيادته، وإحلال أحد المسؤولين في اتحاد رجال الأعمال في مكانه. واللافت أن الحكومة الحالية ضمت لدى تشكيلها قبل نحو عام وجهين من القيادات النقابية، غير أن الاتحاد نفى بشدة آنذاك أن يكون مشاركا في الائتلاف الحاكم. مع ذلك انبرت القيادة النقابية على إثر عزل أحد الوزيرين النقابيين تنتقد القرار وتطلب رسميا التراجع عنه. وفي خلفيات القرار أن الوزير أدلى بتصريحات هدد فيها بالاستقالة من الحكومة، فعجَل رئيس الوزراء بعزله قبل أن يستقيل، مُعتبرا التلويح بالاستقالة محاولة للي الذراع. وفي الخلفيات أيضا أن قيادة قطاع التعليم الأساسي والثانوي في اتحاد النقابات تخوض صراعا شخصيا منذ فترة ليست بالقصيرة مع وزير التربية مُنادية بعزله. وقررت في هذا الإطار حملة جديدة من الاحتجاجات تنطلق في الثاني والعشرين من الشهر الجاري إلى أواخر السنة المدرسية، ما سيترك تأثيرا سلبيا على التلاميذ وعلى النتائج الدراسية.
وكان لافتا أن الأمين العام الجديد لـ«للاتحاد العام التونسي للشغل» انخرط بسرعة في الحملة على الوزير، على عكس سلفه الذي غادر القيادة الشهر الماضي، وظل مُحافظا على مسافة إزاء الحراك الاحتجاجي لنقابة الثانوي، لكي يُبقي على هامش للتدخل. وليس في تقاليد الاتحاد التنازع مع الحكومات على تسمية وزراء، عدا اعتراض زعيمه التاريخي حبيب عاشور على تسمية زين العابدين بن علي مديرا عاما للأمن الوطني، في أعقاب ما بات يُعرف بـ«انتفاضة الخبز» مطلع 1984 استنادا إلى كون الأخير هو من قاد الحملة القمعية الواسعة التي استهدفت الاتحاد في شتاء 1978. وحتى لما تدخل وسطاء بين قيادة النقابات وحكومة هادي نويرة (1970-1980) لامتصاص أزمة كبيرة بين الجانبين بإسناد حقائب وزارية إلى نقابيين في إطار مصالحة دفع إليها بقوة الزعيم الفلسطيني صلاح خلف (أبو إياد) لم يُبد عاشور حماسة للعرض من أجل الاحتفاظ بحرية المبادرة.
الاتحاد جلس بين كرسيين
من هنا يتضح أن القيادات النقابية التاريخية كانت تُميز بين المشاركة، من جهة بما يترتب عليها من كلفة سياسية، والمحافظة على مسافة من الحكومات من جهة ثانية، لما تمنحه من ميزات ليس أقلُها حرية الحركة. بهذا المعنى يمكن القول إن الاتحاد جلس بين كرسيين، فهو مشارك وغير مشارك في آن معا. هو من يحكم وهو أيضا من يعارض. هكذا يتضح أن محور الخلاف، الذي أوقد ناره التعديلُ الوزاريُ الأخير، يتعلق بمدى استيعاب الخيار التاريخي الذي سارت عليه القيادات النقابية حتى اليوم، خاصة وسط محاولات عناصر مُتأدلجة في قطاع التعليم الثانوي استدراج الاتحاد إلى معارك ذات خلفيات حزبية. على أن أمين عام الاتحاد عاد واحتوى الموقف بعد اجتماعه مع رئيسي الحكومة والجمهورية، مُؤكدا أن «صوت الحكمة هو الذي تغلب في الأخير». وبالرغم من أن الحكومة تراجعت عن تسمية وزير جديد وألحقت الوزارة برئاسة الوزراء، فإن الرسالة التي تبلغتها القيادة النقابية مفادُها أنها لن تستطيع عزل وزراء أو تسمية آخرين، من خلال تأكيد رئيس الحكومة أنه هو من يُعفي وهو من يُسمي، ما يُعتبر رفضا لوصاية اتحاد الشغل على الحكومة. هل أن حصول الاتحاد على جائزة نوبل بمعية ثلاث منظمات أهلية أخرى هو الذي أغراه بتجريب ممارسة الوصاية على رئيس الحكومة؟ لا يمكن الجزم بذلك.
تونس تقترب من السيناريو اليوناني
في جميع الأحوال لم يكن ممكنا أن تعرف تلك «الأزمة» نهاية مختلفة، لأن الجميع محكومٌ بضغوط داخلية وخارجية لا يملك الافلات منها في الوقت الراهن. فمضاعفات الأزمة الاجتماعية والاقتصادية تلقي بظلالها الثقيلة على المناخ العام، وسط تراجع الصادرات وانخفاض قيمة العملة وغلاء الأسعار وزيادة المديونية، ما جعل تونس تقترب من السيناريو اليوناني. غير أن الدول الغربية لن تدعها تنهار لأسباب جيواستراتيجية معروفة، وهو موقف عبر عنه أكثر من مسؤول غربي مباشرة أو مُداورة. مع ذلك سيستمرُ الاحتقان الاجتماعي في ظل اصرار عناصر من نقابة الثانوي على حملتهم التي تستهدف وزير التربية، بالرغم مما أثارته سلسلة الاحتجاجات من غضب واسع حمل القادرين من الأولياء على نقل أبنائهم إلى مؤسسات التعليم الخاص. بتعبير آخر تزرع النقابة الاضطرابات فيحصد القطاع الخاص مزيدا من الزبائن. أكثر من ذلك، عبَر العديد من الأولياء الذين استجوبتهم وسائل الإعلام المحلية عن رفضهم استخدام أبنائهم التلاميذ دروعا بشرية في معركة لم يثبت حتى الآن أنها تستند إلى دوافع موضوعية.
وطالما أن تونس تسعى بجميع الوسائل لاستقطاب الاستثمارات الخارجية، من أجل تخفيف الاختناق، كان منتظرا من اتحاد النقابات ليس فقط أن يُخفض من الاحتجاجات إلى الحد الأدنى، وإنما أيضا أن يُؤطر القطاعات السائبة من العاطلين عن العمل والمُهمشين. وخير مثال على ذلك شركة الفوسفات الوطنية، وهي أحد أعمدة الاقتصاد، التي تراجع إنتاجها من 8 ملايين طن في 2010 إلى 3.2 مليون طن فقط في السنة الماضية. وخسرت تونس بسبب تلك الاحتجاجات أسواقا مهمة عالميا يصعب استردادُها. ومن يوقف الشغل في المناجم ليسوا العمال، وإنما عاطلون اعتادوا على نصب خيام وشل العمل في مواقع استخراج الفوسفات، للمطالبة بفُرص عمل، علما أن شركة الفوسفات تُشغل حاليا 7500 عامل وفني، وهو ما يتجاوز حاجتها بكثير، فمتى كان السعي إلى مقعد في السفينة يستوجبُ إغراقها؟ من هنا تبدو العلاقة بين أركان المعادلة التونسية، أي الحكم والأحزاب والنقابات شديدة الدقة وبالغة التعقيد. صحيح أن دور النقابات هو الدفاع عن مصالح منتسبيها، وصحيح أيضا أن دور المعارضة أن تُعارض سياسات الحكم، وممارسةُ هذه الحقوق تُعدُ من المكاسب التي حققتها الثورة، لكن ذلك يُمكن أن يتمَ ضمن إطار عام يستحضر التحديات التي تفرض خيارات قاسية لعبور سنة عسيرة. وحسب خبراء اقتصاديين فإن السنة الجارية حاسمة في إنقاذ البلد أو دفعه نحو سيناريو يوناني. وهُنا يلعب ردُ الاعتبار للعمل ومكافحة ظواهر الاتكالية والفساد وقلة الخبرة، التي انتشرت في السنوات الأخيرة، دورا كبيرا في إنعاش الاقتصاد وترســـيــخ قيم اجــتــماعية وسياسية تُنقذ التجربة الديمقراطية اليافعة من الانهيار. وهذا من صميم دور النقابات والأحزاب.
رشيد خشانة