موجات إشعاعية غامضة تلف القارة الأوروبية

أعلنت السلطات الأوروبية على استحياءٍ، وباقتضاب رفع العتب، عن أنّ موجات إشعاعية غامضة تلف القارة الأوروبية منذ مطلع شهر يناير المنصرم، عمادها عنصر اليود المشع – 131؛ وهو عنصر مشع من صنع البشر أنفسهم لاستخدامه في صناعة القنابل النووية أساساً، وفي مفاعلات توليد الطاقة النووية بشكل ثانوي.
وكما حاولت السلطات الرسمية الأوروبية التخفيف من هول الخبر للجم طوفان الهلع لدى الشعوب الأوروبية، فإن أياً منها لم يستطع الإعلان بلغة صريحة بأن تلك الموجة النووية لن تساهم في رفع معدلات حدوث السرطانات بين مواطنيها، أو التشوهات الجنينية في بطون النساء الحوامل من شعوبها؛ فإنّها أخفت حقيقة أنّها كانت تنتظر فعلياً أن تتبعثر السحابة النووية وغبارها النووي في أرجاء الأرضين، فتخف حدتها في القارة الأوروبية، ويتشارك في عقابيلها الكالحة كل أبناء هذا الكوكب، فنعود إلى المربع الأول الذي يعجز فيه كل ساسة العالم عن تفسير الأسباب المهولة في زيادة وقوعات مرض السرطان خلال العقود الأربعة الأخيرة على المستوى الكوني، لعدم رغبتهم بالاستماع أو السماح للعلماء العارفين بأسباب ذلك بالظهور للعلن، لكي لا ينقلب السحر على الساحر، وتخرج شعوبهم من حظيرة التدجين الكونية، التي مازالت توهمهم أبداً بأن سدرة المنتهى في حيواتهم هو اختزال كينونة الإنسان فيهم، إلى مستهلك حامل لبطاقة ائتمان مهمته صرف ما بها، وإعادة شحنها، في دورة سرمدية أمدها حياته الفانية التي تنتظر أوان نهايتها المفجعة بالسرطان، أو غيره، التي طالما عزاها الساسة المداهنون لحظ المصابين العاثر به، دون أن يستبصر أي منهم بأنهم بحق ضحية اللهاث البشري لتدمير الحياة على كوكب الأرض، بصناعة أدوات القتل والتدمير، ابتداءً من اختراع ألفرد نوبل للديناميت، وصولاً إلى اختراع الأسلحة النووية، في سياق وهم الإنسان بأن امتلاكه مفاتيح القوة والسيطرة على أقرانه هو الشيفرة السرية لتحقيق رفاهيته، والاحتفاظ بها، دون أن يبصر بأنها في جوهرها مفاتيح ولوجه إلى مواته المحقق ببطء مخاتل لن يدركه إلا بعد فوات الأوان.
وفي السياق المفجع نفسه، تناقلت الأخبار مؤخراً خبر تحريك أكبر مجسم من الفولاذ تمت صناعته في تاريخ البشرية لتغطية مفاعل تشرنوبل في أوكرانيا بتكلفة قاربت ملياري دولار، لتغطية موقع الكارثة لمئة عام مقبلة، سوف تحتاج البشرية لتجديد صناعة المجسم العملاق بعد انقضائها، وبعد انقضاء المئة التي بعدها، وهكذا دواليك، لأن نصف عمر المواد المشعة المتسربة من المفاعل المذكور يعد بمئات آلاف السنين، ولا فرصة باستعادة الأرض التي تمت خسارتها بقطر يقارب 35 كيلومترا، وبمساحة توازي مساحة أكبر العواصم الأوروبية. وفي السياق الأخير نفسه لم يفت وسائل الإعلام نفسها الإشارة إلى مشاريع بعض الدول العربية لإنشاء مفاعلات نووية بعقود على المفتاح مع شركات أوروبية وأمريكية ويابانية، بتكاليف تصل إلى 80 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة، فليست إيران أحسن من العرب في شيءٍ لتصنع مفاعلات نووية، ولا الأوكرانيون المفقرون أكفأ منهم في إقامة مجسمات عملاقة على شكل قبب تشرنوبل، إذا دعت الحاجة، فأرضنا العربية شاسعة ولا ضير في خسارة جزء ضئيل منها، حين تحل الكارثة التي لا مهرب منها، فالإنسان خطّاءٌ دائماً، ولم ولن يستطيع مقاومة قوى الطبيعة، كما حدث في مأساة فوكوشيما المرعبة، التي سوف تحل ذكراها السادسة بعد أيام قليلة، إن كان التذكير بها ذا جدوى لبشر لا يعقلون سوى سعارهم وسعيهم المحموم لحتفهم.
ومأساة فوكوشيما التي لم تنقض عقابيلها بعد، حيث حاولت كل وسائل الإعلام الكبرى التعتيم المتعمد على رعب حقيقة أن التسرب الإشعاعي من المحطة التي دمرها زلزال تسونامي في شهر مارس من عام 2011، هو في أعلى درجاته حالياً، وبمعدل وصفه العلماء بأنه لا يمكن تصوره، وهو الذي يتسرب من المفاعل راهناً إلى المحيط الهادئ، ومنه إلى كل بحار العالم، ووفق قانون الأواني المستطرقة الذي يعرفه كل عاقل منذ عهد أرخميدس، ومنه إلى كل ما يعيش في تلك البحار ويقتات به البشر، ومنه تبخراً إلى كل غمام الأرض، ومن مطرها إلى كل زرع يسقى به، وضرع يشرب منه، وكل إنسان يأكل من ذينك الأخيرين. وكل ذلك دون أن يحق للإنسان العاقل التساؤل: لماذا يصاب كل من حوله بمرض السرطان؟ أو يتساءل عن جدوى مثل المشاريع النووية، التي حينما تنال منها قوى الطبيعة لا يستطيع إصلاحها، حتى بعد إنفاق 150 مليار دولار في محاولة لترقيع مأساة فوكوشيما على طريقة تشرنوبل، دون أي أفق لنجاح ذلك، وبعد سنوات ستة من العجز المقيم.
وعودة إلى أرضنا العربية المحزونة، نشرت مجلة «الأخبار النووية» في عددها الصادر في 14 فبراير عام 2017 خبر اعتراف الولايات المتحدة باستخدامها للقذائف المحملة باليورانيوم المنضب في 1490 طلعة قامت بها في سورية، بحجة أن تلك القذائف أكثر فعالية في تدمير العربات المصفحة التي يستخدمها تنظيم «داعش». والحقيقة المرة التي وثقتها المجلة الأخيرة نفسها بأن التنظيم الداعشي ليس لديه أي عربات مصفحة تستدعي ذلك النوع من القذائف، فهو ليس جيشاً نظامياً وفق أي من المقاييس، وأن العربات التي يستخدمها لا تحتاج أكثر من القنابل الاعتيادية لتدميرها. وهو اليورانيوم المنضب نفسه الذي تم استخدامه بأكثر من 10000 طلعة جوية على العراق عام 2003 وبكمية يورانيوم منضب تجاوزت 1700 طن سبقها أكثر من 300 طن في حرب الخليج الأولى، بحسب نقابة أفراد القوات المسلحة الأمريكية نفسها. وهو الكفيل بالتحول إلى ما دعاه كاتب هذه السطور في غير مرة غبار جهنم في ظل المناخ الصحراوي في بوادي العراق، التي ليس أسهل من أن تحمل عواصفها الغبارية، جزيئات اليورانيوم المنضب إلى أحشاء كل من شاءت الرياح أن يستنشق ذلك الغبار، دون أن يخالجه تساؤل مُلِّح عن أسباب ظهور سرطانات مهولة في أرض الرافدين، وما جاورها من أرض العرب، لم يسمع بها أطباء علم الأمراض من قبل سوى في هيروشيما وناغازاكي، لكي تنعم غيلان العم سام براحة البال، وعدم المعاناة في الاجتهاد من أجل تخزين نفاياتها النووية المستهلكة في خزانات قد تتسرب منها المواد المشعة، كما يحدث حالياً في خزانات ولاية واشنطن نفسها، فالحل الأمثل هو تحميلها في القذائف التي لابد إسقاطها في مكان ما قبل أن تنتهي صلاحيتها، بحسب توصيف المفكر نعوم تشومسكي.
وما أسهل من أن يتم ذلك في أرض العرب الممسوسين بهوس قابيل بسفح دم هابيل، دون أن يلتفت ذلك الأول وكل سلالته من البشر المفسدين في الأرض إلى أنه بتجبرهم وطغيانهم لا يفلحون إلا باستجلاب كل وبال جهنم إلى الحياة الدنيا التي قد تصبح حلماً للأجيال القادمة، إذا لم يغيروا ما بأنفسهم، وعلى عجل، قبل فوات الأوان.
كاتب سوري

موجات إشعاعية غامضة تلف القارة الأوروبية

د. مصعب قاسم عزاوي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية