يأبى أن يودع طفولته ويتمسك بما تبقى منها، الشقاوة والعناد وخفة الظل وكراهية مادة الحساب في سنوات التعليم الأساسي، لم يتجاوز الكاتب محسن عبد العزيز في روايته الأحدث « شيطان صغير عابر» تاريخاً انقضى من طفولته وصباه، ولم يشأ أن يحيله إلى دولاب الذكريات، وإنما يحييه من جديد في اجترار ينم عن استعذاب لمرحله مهمة من حياته يعز عليه أن يودعها، من دون أن ينبئنا بما حدث فيها، فهو يدرك عمق تجاربه الصغيرة في المرحلة الأهم، ويسلم بأنها الجذر الذي تكونت منه غصون ثقافته وغوايته وأحلامه فأورقت إبداعاً وأفرزت أفكاراً، فكان الإنسان وكانت الأصداء عبر سنوات العمر الموزع بين طفولة شقية عاشها في القرية يجابه عذابات البؤس والحرمان واليتم بالصبر والاجتهاد والمثابرة، وبين مرحلة الصبا التي تبلورت فيها آماله وأحزانه فصار مشتاقاً لمستقبل طالما داعب خياله من بعيد.
يكتب محسن عبد العزيز ملامح من سيرة ذاتية غائمة لولد صغير له وداعة الملائكة وهمجية الشياطين، ولا يبدو ذلك متناقضاً ولا مرفوضاً، فالشقاوة سمة الطفل الذكي الموهوب، والبطل الصغير ليس بعيداً في سلوكه العام وتفاصيل حياته عن مناطق التألق، جاد في المذاكرة وتحصيل الدروس، ماهر في لعب الكرة، له نصيب وافر من حب الأقران والأقارب، ورغم المشاكسة تراه مهتما بالعلم والدراسة، بما يؤكد نبوغه وينفي عنه تهمة الفشل ونزعات الشيطنة. نموذج ربما نصادفه في حياتنا مره أو مرتين فيظل عالقاً بالذاكرة لا يفارقها، يكبر الطفل وتكبر معه الأحلام وتحين لحظة الاختيار، حين يقف في مفرق الطرق في ظرف دقيق من العمر، فإما أن يكون أو لا يكون، يودع مرحلة المراهقة ويكتف بما أصابه من شهرة محلية كلاعب كرة قدم في قريته الصغيرة، ويمضي في اتجاه حلمه فيلتحق بالمدرسة الثانوية ويعبر بوابتها إلى محيط الجامعة، حيث المناخ الدراسي الأكثر انفتاحاً والعلاقات الودودة المفارقة في طبيعتها لعلاقة الزمالة الخشنه التي عاشها في المرحلة الثانوية.
يدخل كلية الإعلام فيقترب من أمنياته ويصدر أول صحيفة تعنى بعرض مشاكل القرية ومصالحها وصراعات أهلها الصغيرة، وهنا يلقي الكاتب الضوء على بعض المواجع ويكشف عن سجايا الناس البسيطة، واختلافاتهم ومواطن الجمال والقبح في شخصياتهم، ولا يغفل في ظل ما يشغله من قضايا كبرى التفاصيل التي تعطي للأحداث أهمية خاصة، وتجعل للرواية مذاقا مختلفا. ومن القرية ومشاكلها إلى العاصمة باتساعها واغترابه فيها تكون المرحلة الثانية من المشوار الطويل الذي يمشيه مرغماً حيناً، راضياً أحياناً، ومن ضيف الشرف إلى دور البطولة يدور البطل في فلك صاحبة الجلالة فيتعاظم شأنه ويصبح مقدراً في موقعه، ولم ينسه الاستقرار النسبي مغامرات أيام الصعلكة، فيحكي ويسهب في القول عن أولئك الصبية والفتية الذين تركهم في القرية وقد تفرقت بهم السبل فذهبوا كلا في طريق، سائق الميكروباص والموظف العام والمهاجر في بلاد النفط. لقد رسم محسن بورتريهات لشخصيات عديدة في صفحات روايته، فرأينا محمد أبو عبد السلام، الشيخ المبجل حاد الملامح قوي الشخصية، يجاهر بالحق ويرفض المداهنة ويقبض على جمر الفضيلة. والجدة التي قامت في حياته مقام الأم وكان فراقها وفقدها فقدا لروحه وكينونته. وأصدقاء الطفولة والصبا، ابن عزيزة وعادل أبو سعد ومجدي أبو مندر وغيرهم، وكذلك يميط الكاتب اللثام عن بعض ملامح الغواية في المجتمع القروي وحالات التخبط الفكري والعقائدي، وصراع التيارات والأشخاص، في محاولة حذرة بعض الشيء للإنباء عن مكنون المجتمع الفطري بكل ما يحمله من أمارات ودلالات وصور تدل عليه ولا تدل.
ويخلص الكاتب الروائي محسن عبد العزيز إلى مفهوم عام مفاده أن كل إنسان بداخله شيطان صغير، يعيش كل مراحله الحياتية ولكن هناك من يقتله وهناك من يصادقه.
كمال القاضي