ردا على واسيني الأعرج … ذاكرة الرواية العربية ومحنة المتابعة

حجم الخط
5

الذاكرة لا تشــبه المتحف حتما، ولا يمكن التعـــاطي مع انثيالاتها بوصفها أرشـــــيفا أو مخزنا للوثائق، ليس لأنها مسكونة بكثــــيرٍ من التخيّل، أو الدسّ السردي، بل لأنها-أيضا- الأكثر تعرّضا للتعـــــرية والمحو، لذا يبدو الحـــديث عن ذاكــــرة الرواية العربـــية، ومن زاوية نظــــــرٍ وتَذكّــــرٍ واحــدة أمرا يُثير الشك والجدل والخلاف، وربما يثير- أيضا- العديد من الأسئلة حول موجّهات ذلك التذكّر وحساباته.
مقالة الروائي والناقد والأكاديمي واسيني الأعرج حول «ذاكرة الرواية العربية» المنشورة في جريدة «القدس العربي» ليوم 15/3/ 2017 تطرح إشكالية القراءة العربية، وجدّة النقاد في تتبع وتقصي منجز الرواية العربية طوال قرنٍ كامل، فبقدر ما يقترن الحديث بمرور هذا الزمن الطويل من تاريخ هذه الرواية، فإنه يضعنا أمام دهشة غريبة، تلك التي تغافل فيها، أو تهامل عنها استاذنا واسيني في الإشارة الى أي ذكر للرواية العراقية، باستثناء مرور عابر على اسم عبد الرحمن مجيد الربيعي وهو المغاربي السكن والجنسية.
هذا التغافل، إنْ كان قصديا فهو رعب ثقافي، وإن كان ضعفا في المتابعة فهو خلل منهجي، وأحسب أن الثقافة العراقية وطوال عقود طويلة – لمن يعرف مرجعياتها- كانت ثقافة مدينية، والرواية بعضٌ من مظاهرها، وأنّ تاريخها التأسيسي ليس بعيدا عن المتابعة النقدية والبحثية في كثير من مباحث النقد العربي ودرسه الأكاديمي، كما أنَّ تحولاتها على مستوى الإنجاز التاريخي، أو على مستوى التجريب والتجديد، تمثل واحدة من أهم تجليات الرواية العربية، فمن الصعب إغفـــــال الحديث عن رواية «جلال خالد» لمحمود أحمــــــد السيد في الثلاثينيات من القرن الماضي، ولا عن روايات رائدة لذو النوب أيوب، وعبد الحق فاضــل، شاكر خصباك، غائب طعمة فرمان، وفؤاد التكرلي، مهدي عيسى الصقر، غانم الدباغ، نجيب المانع، علي الشوك، محمود عبد الوهاب، محمود الظاهر، جيان، غيرهم، وأن تقانتهم الروائية أكثر أهمية من الناحية الفنية من روايات «الأيام» لطه حسين، و«سارة» للعقاد، وحتى «زينب» لمحمد حســـين هيكل، التي اكتفى الكاتب بالإشارة اليها.
فضلا عن جيل الستينيات الأكثر صخبا وتجريبا وحضورا بأسمائه المعروفة فاضل العزاوي، محمد خضير، موسى كريدي، موفق خضر، احمد خلف، عائد خصباك، جليل القيسي، زهير الجزائري، محمود جنداري ومحمود سعيد وعبد الإله عبد القادر ولطفية الدليمي، وعبد الستار ناصر وجهاد مجيد وعبد الخالق الركابي وحنون مجيد وغيرهم، ولعل الأجيال اللاحقة التي عاشت ظروف الحرب والحصار والاحتلال، تمثل حضورا أكثر إثارة في سيرة هذه الروائية وتحولاتها، التي تستحق من أي باحث – كما تستدعي الضرورات التاريخية والمنهجية – الاستدعاء والمعاينة والفحص، بما يجعل أي خطاب نقدي يُعنى بظواهر الرواية العربية مستوفٍ لشروطه الموضوعية والنقدية، وحتى الاعلامية، فاسماء مثل انعام كجه جي ولؤي حمزة عباس وطه الشبيب، وعواد علي، وإلهام عبد الكريم، وعلي بدر وميسلون هادي، وحميد المختار وسعد محمد رحيم، وأحمد سعداوي، وجنان جاسم، وسلام إبراهيم، وفيصل عبد الحسن، وجمال حسين علي، ووارد بدر السالم وخضير فليح الزيدي وحميد الربيعي وأسعد اللامي ونضال القاضي، ومحمد علوان جبر، وشاكر نوري، وناظم العبيدي وإسماعيل سكران، وزيد الشهيد وغيرهم، لا يمكن التغافل عن حضورها في المشهد الروائي العربي، لاسيما وأنّ أغلب رواياتهم طُبعت في دور نشر عربية، ولها مشاركاتها الفاعلة في معارض الكتاب التي تُقام في العديد من الدول العربية، فضلا عن أنّ بعضهم فاز بجوائز مهمة عربية ومنها البوكر وكتارا.
إنّ ما يكتبه كاتب كبير مــــــثل واسيني الأعرج يحظى بالاهتــــمام والقراءة الواسعة، وهـــو ما يجعلنا في ريبة من هذا التغافل التــــام، وكأنّ السرديات العراقية صارت خارج الذاكرة العـــــربية، وحديثه عن موسوعة عــــربية للرواية يتطلب جهدا شاملا، واطلاعا بجديد الإبداع الروائي العربي، لأنّ الاكتفاء بحصر هذه الذاكرة بجغرافيات محددة لا يعني سوى موقفٍ ما، أو قصورٍ ما، أو ربما محاولة لتسطيح المشهد الروائي العربي بقراءات عابرة تفتقد لجديتها وموضوعيتها، وهو ما لا نريده لكاتبٍ نحترمه ونتابع ما يكتب.

٭ كاتب عراقي

ردا على واسيني الأعرج … ذاكرة الرواية العربية ومحنة المتابعة

علي حسن الفواز

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية