عندما ينتصر الضمير على الوظيفة ـ استقالات المسؤولين الأمميين

■ استقالة ريما خلف الهنيدي من منصبها كمديرة تنفيذية للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (إسكوا) تركت أثرا مدويا في مقر الأمم المتحدة وفي العالم أجمع. لقد مثلت الاستقالة نقطة مواجهة حادة بين الانتصار للضمير والتمسك بالموقف المبدئي وبين الانصياع للضغط الإسرائيلي الأمريكي وقرار الأمين العام أنطونيو غوتيريش سحب التقرير بطريقة فجة، أدت إلى اهتزاز صورته وانكشاف ضعفه وعجزه. ريما خلف انحازت للضمير وانتصرت على المنصب وما يمثله من امتيازات، وتصرفت كإنسانة تجسد كل المبادئ التي أنشئت عليها المنظمة الدولية من عدل وصدق وحق ومساواة واحترام لحقوق الإنسان، بينما انهار الأمين العام أمام إصرار نيك هيلي، سفيرة الولايات المتحدة، على سحب التقرير، وبذلك تكون قد وجهت له صفعتين متتاليتين في أقل من شهر: الاعتراض على ترشيح سلام فياض وسحب تقرير الإسكوا.
وفي الوقت الذي نثمن استقالة السيدة ريما خلف المشرِّفة، أود في هذا المقال أن أذكر أو أتذكرعينة من الاستقالات التي قدمها مسؤولون أمميون انتصارا لضمائرهم ورفضا لأن يكونوا غطاء لجرائم ترتكب بحق الشعوب المقهورة تحت غطاء الأمم المتحدة.
دينيس هاليدي – منسق الشؤون الإنسانية في العراق

من أصول إيرلندية. وصل العراق في الأول من سبتمبر 1997 مسؤولا عن برنامج الأمم المتحدة الإنساني للعراق، المتمثل في برنامج «النفط مقابل الغذاء». لكنه سرعان ما اكتشف أن هناك جريمة دولية ترتكب ضد الشعب العراقي، وأن الأمم المتحدة ما هي إلا غطاء لتك الجريمة التي تطال كافة فئات الشعب العراقي. استقال من منصبه ومن الأمم المتحدة كلها في 31 أكتوبر 1998. «يطلب مني عادة تفسير الأسباب التي دعتني للاستقالة من منصبي في العراق بعد 30 سنة من العمل في المنظمة الدولية. وكيف تجرأت على أكبر الدول الأعضاء في مجلس الأمن؟ في الحقيقة لم يكن أمامي خيار آخر في ذلك الوقت، وليس لديّ خيار إلى الآن. إنني أعلن عن استقالتي، لأنني أرفض أن أستمر في تلقي أوامر من مجلس الأمن، وهو المجلس نفسه الذي فرض عقوبات إبادة بشرية، واستمر في فرضها على الشعب العراقي البريء. لا أريد أن أكون مشاركا في الجريمة، بل أريد أن أتكلم في العلن وبحريتي عن هذه الجريمة». ومما قال لاحقا حول جريمة العقوبات ضد الشعب العراقي «نحن هناك مسؤولون عن قتل البشر وتدمير عائلاتهم وأطفالهم ونترك كبار السن يموتون بسبب نقص الأدوية الأساسية. نحن هناك ونسمح للأطفال بأن يموتوا، رغم أنهم لم يكونوا قد ولدوا عندما ارتكب صدام حسين خطيئة احتلال الكويت. بالنسبة لي أن أكثر الجوانب مأساوية إلى جانب مأساة العراق نفسها، حقيقة أن الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي يستمرون في فرض برنامج العقوبات الاقتصادية وبشكل متعمد، وهم يعرفون أنه يقتل آلاف العراقيين كل شهر، وهذه المواصفات لا يمكن تعريفها إلا بأنها «جريمة إبادة بشرية».
هانز فان سبونك ـ الحصار على العراق

بعد استقالة دينيس هالدي اختار الأمين العام آنذاك كوفي عنان خلفا له الألماني هانز فان سبونك. توصل إلى النتيجة نفسها التي أدت إلى استقالة هاليدي، فقدم استقالته في شهر فبراير عام 2000 ومعه ابنة بلاده يوتا بيرغهارد، رئيسة برنامج الأغذية العالمي، احتجاجا على الآثار المدمرة للعقوبات الشاملة التي يفرضها مجلس الأمن على الشعب العراقي. وقد كتب هاليدي وفان سبونيك مقالا مشتركا في صحفية «الغارديان» البريطانية موضحين موقفيهما وأسباب الاستقالة، واتهما منظومة العقوبات التي يفرضها مجلس الأمن على العراق بانتهاك اتفاقيات جنيف الأربع وعدد آخر من المعاهدات والقوانين الدولية، لأنها تسبب الموت الجماعي لعدد كبير من المدنيين.
كتب فان سبونك مقالا في «الغارديان» يقول فيه «نعم قد يكون العراقيون عانوا تحت حكم صدام حسين لكن معاناتهم أقل مما يعيشيون اليوم في حياتهم اليومية. لقد ذهبت الأيام الذي كان هناك نظام حتى لو تحت حكم طاغية».
ألفارو دي سوتو ـ غزة ـ منسق عملية السلام

مواطن من البيرو اختاره الأمين العام الأسبق خافيير بيريز دي كويار مستشارا سياسيا له بعد انتخابه. عينه الأمين العام كوفي عنان في 6 مايو 2005 منسقا لعملية السلام في الشرق الأوسط وممثلا للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة واستقال في مايو 2007. قدم استقالته بطريقة هادئة، احتجاجا على ما يعانيه الشعب الفلسطيني من حصار وممارسات، خاصة في غزة. وكانت الاستقالة عن طريق تقديم تقرير سري تحت عنوان «بيان نهاية مهمة» قدمه لكبار الموظفين والمستشارين في مقر الأمم المتحدة. سُرّب التقرير إلى صحيفة «الغارديان» التي نشرته بالكامل بتاريخ 13 يونيو. ينتقد التقرير بعض الممارسات التي تقوم بها حركتا حماس وفتح. ولكنه يضع اللوم أساسا على إسرائيل والمجتمع الدولي. يدين دي سوتو في تقريره السري إسرائيل والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بسبب العقوبات التي فرضت على الشعب الفلسطيني عقابا على انتخاب حركة حماس. ويقول «وتحت ضغط من الولايات المتحدة استسلمت الأمم المتحدة ولم يعد دورها محايدا في مفاوضات السلام في الشرق الأوسط». وقال في تقريره إنه منع من زيارة سوريا بدون إبداء الأسباب، كما منع من إجراء أي اتصال «إلا نادرا» مع الرئيس الفلسطيني المنتخب حديثا محمود عباس، وكل ما جرى من اتصالات لا تتعدى 15 دقيقة ومصافحة بالأيدي، كما منع من الاتصال بأي من أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين، الذين يمثلون حركة حماس. وللعلم فقد استقال أيضا جيمس ولفنسون، رئيس البنك الدولي السابق الذي عين ممثلا للجنة الرباعية في غزة في أبريل 2005 بعد 11 شهرا من تعيينه للأسباب نفسها، وعندما تأكد أن الولايات المتحدة تقف حجر عثرة في تنفيذ برامجه في فلسطين المحتلة.
عائشة البصري ـ المتحدثة لبعثة الأمم المتحدة في دارفور

مواطنة مغربية انضمت إلى الأمم المتحدة عام 2000 وتقلبت في عدة مواقع أهمها العراق والسودان. عملت متحدثة باسم بعثة الأمم المتحدة في دارفور (أوناميد) بين 16 أغسطس 2012 وأبريل 2013. طلبت من إدارة شؤون حفظ السلام التحقيق فيما قدمته من احتجاجات حول دور الأمم المتحدة في التغطية على الجرائم التي ترتكب في دارفور، والتي ترقى إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، كي تظهر أن تقدما على الأرض قد تحقق. ومن بين تلك الجرائم التطهير العرقي للسودانيين من أصول أفريقية والهجمات المتكررة على عناصر بعثة الأمم المتحدة والهجومات المتكررة على المدنيين، التي تقوم بها الميلشيات التابعة للحكومة السودانية. وقد طالبت عائشة الأمم المتحدة بإجراء تحقيق في عملية تغيير التقارير المرسلة إلى الأمين العام ومجلس الأمن. وعندما تأكدت أن التحقيق لن يتم قامت بتسريب العديد من الوثائق والتحقيقات المحلية والمذكرات السرية وقدمتها لمجلة «فورين بوليسي» لتنشرها على ثلاثة أجزاء. وقد كتبت مقالا في الصحيفة نفسها بعنوان «في دارفور لا نستطيع أن نقول كل ما نرى»، قالت فيه «عندما وصلت دارفور في 16 أغسطس 2012 لأعمل متحدثة رسمية لبعثة «أوناميد» اكتشفت أن الحديث عن قوة حفظ السلام وحماية المدنيين وعملية السلام كلها تعمل غطاء للاستمرار في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وحماية المجرمين وتأخير متعمد للتوصل إلى اتفاق سلام. واكتشفت أن هناك الكثير من التغطية على الحقيقة أو قول نصفها، وقررت أن أنشرها للعالم مهما كان الثمن». وقد منحت عائشة البصري عام 2015 جائزة رايدنهور الرفيعة لشجاعتها في قول الحقيقة و»إطلاق صفارة الإنذار» لحماية مصالح المواطنين.
قلة من هؤلاء الذين يوضعون في مواقف، عليهم أن يختاروا بين الصمت والاستمرار في تلقي الامتيازات والأضواء والترقيات، أو أن ينتصروا لضمائرهم ويقفوا مع الضحية ضد الجلاد ونتمنى ألا تكون ريما خلف آخر هؤلاء الأبطال.

٭ محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرسي

عندما ينتصر الضمير على الوظيفة ـ استقالات المسؤولين الأمميين

د. عبد الحميد صيام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية