كان يزعجني بل يغضبني شديد الغضب مشاهدة صورة أو قراءة خبر عن وفود من دولة عربية يحلون ضيوفا «كراما» على دولة الاحتلال، لا سيما أن كانت هذه الوفود صحافية، أو ممن يلقبون انفسهم بالاعلاميين.
وأنا هنا اتحدث عن تلك الوفود التي تأتي بدعوات رسمية من وزارة الخارجية الاسرائيلية وعلى حسابها ووفقا لبرامجها المدروسة بعناية شديدة. وحقيقة أن هذه الصور وهذه الأخبار لم تعد تحرك ساكنا عندي، بل أستطيع أن أقول إنني أتطلع إليها الآن بإيجابية وأدعو إلى تجاهلها، وهذه هي الأسباب.
أولا: أن هؤلاء ليسوا إلا فئة ضالة تسعى وراء مصالحها وتنظر إلى اقصر الطرق للشهرة، أوليس قبول دعوات من اسرائيل لزيارتها ستضع اسماءهم في عناوين الاخبار لاسيما الصحافة الاسرائيلية؟.
ثانيا: إن الاهتمام بمثل هذه الزيارات يعطيها أهمية وصخبا إعلاميين، وهو أحد الأهداف المرجوة لوزارة الخارجية الإسرائيلية تحقيقها، وبالمناسبة فإن حقيبة الخارجية لا تزال بيد بنيامين نتنياهو، وهو الذي يروج دوما للسلام الاقليمي، والعلاقات القائمة مع دول عربية من تحت الطاولة، خاصة السنية منها كما يحلو له وصفها.. إذن فتجاهل هذه الزيارات وعدم الرد عليها يسحب البساط من تحت ارجل اسرائيل.
وعلى ذكر السلام الاقليمي وحديث نتنياهو عن العلاقات مع دول عربية، ذكرت وكالة وتلفزيون «الشاشة» الفلسطينية المحلية، قبل ايام، عن عزم دولة الإمارات العربية المشاركة في مناورات جوية مع اسرائيل واليونان وبلدان أخرى (هذا الخبر لم اتمكن التأكد منه) ولكن اذا اخذناها بالقياس لزيارات مسؤولين اسرائيليين للامارات والخدمات الامنية الجليلة التي تقدمها شركات بعضها اسرائيلي وبعضها اصحابها اسرائيليون، فإن مثل هذه «الخطوة الرائدة» لن تكون بعيدة ولا غريبة.
ثالثا: إن مثل هذه الزيارات تعري أصحابها دعاة «الحيادية» أو بالاحرى «الاحادية» الاسرائيلية الذين يريدون أن يتشبعوا بـ»الديمقراطية الاسرائيلية» والتعرف على الحقائق على الارض كما هي، طبعا وفقا للبرامج المعدة مسبقا بعناية وحرص من مختصين اعلاميين بوزارة الخارجية الاسرائيلية، كي يعودوا إلى بلدانهم «رسل سلام ومحبة».
رابعا: إن المشاركين في تلك الزيارات لا بد أن تربطهم علاقة مباشرة وسابقة مع اسرائيل، والا كيف يمكن تفسير اختيار فلان وليس علان؟ وكيف توجه الدعوات إلى هؤلاء وعلى أي اساس. أكيد أن الاسرائيليين لا يختارون بالقرعة.. والخارجية الاسرائيلية لن تقامر وتوجه الدعوات إلا إذا كانت على يقين من أن هؤلاء لن يخيبوا ظنها وسيرون الامور بعينيها وسيفعلون ويقولون ما تمليه عليهم، أوليس الغرض كما تزعم هو تغيير صورة اسرائيل في الاوساط الشعبية العربية؟
خامسا: إن الكشف عن هذه الزيارات وتسليط الاضواء عليها وتضخيمها ليس الا محاولة بائسة من الخارجية الاسرائيلية لتضخيم انتصاراتها واختراقاتها لما يفترض أن يكون النخبة العربية.. وتعكس أيضا الفشل الذي تعانيه في محاولاتها لتحقيق الاختراق الشعبي العربي. وحقيقة الامر أن من لبى دعوات وزارة الخارجية علانية أو خفية، وسواء كانوا صحافيين أو اعلاميين أو حتى أشباه سياسيين ليسوا الا قلة قليلة تكاد لا تذكر.
سادسا: إن اسرائيل وعبر هذه الزيارات تحاول أن تغطي على فشلها امام حركة «BDS» رغم ما تبذله من جهد وتنفقه من مال، التي تقف لها في المرصاد، فأحبطت محاولاتها لاستدراج كبار ممثلي هوليوود، ومنهم من الحائزون جوائز الاوسكار، وكذلك مشاهير لاعبي كرة السلة في الولايات المتحدة.
وسبب عودتي إلى الكتابة في هذا الموضوع ليس زيارة وفد صحافي آخر لاسرائيل، بل الاسم الذي اطلق على هذا الوفد «وفد مغاربي» وليس مغربي.. فلو كان الوفد مغربيا اي من المملكة المغربية فهذا اهون الشرين وإن كان ليس مقبولا بأي شكل من الاشكال. والمغاربي مصطلح يطلق على مواطني دول المغرب العربي وهي ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا.. التعريف طبعا موجه لجيل الشباب الذين لم يعايشوا فترة التسعينيات، وكانت هذه الدول الخمس تنضوي تحت مظلة ما كان يعرف بالاتحاد المغاربي، الذي لم يدم طويلا بسبب الخلافات المتواصلة بين اعضائه، ليس أقلها الخلافات بين الجزائر والمغرب حول قضية الصحراء الغربية.. وطبعا معمر القذافي ديكتاتور ليبيا الذي كان يختلف مع نفسه إن لم يجد من يختلف معه.. والاتحاد المغاربي ليس موضوعنا.. ولا يجوز على الاموات الا الرحمة.
ان يكون الوفد مغاربيا يعني انه يضم «صحافيين» من هذه الدول أو بعضها، وعرف انهم من المغرب وتونس والجزائر. فليس غريبا أن يزور صحافيون من المغرب اسرائيل، فالوفود المغربية لم تتوقف على مدى الاشهر الاخيرة.. هذا لا يعني الانتقاص من المواقف الجليلة لغالبية الشعب المغربي من فلسطين، ولكن للنظام رجالاته. والنظام معروف بعلاقاته باسرائيل واليهود بشكل عام.. علاقات تعود لخمسينيات القرن الماضي، ولن ادخل في التفاصيل.
والشيء بالشيء يذكر، فان المغرب احتضن اللقاءات السرية بين حسن التهامي ممثلا عن نظام انور السادات ووزير الجيش الاسرائيلي موشيه ديان تمهيدا لزيارة السادات وخطابه في الكنيست الاسرائيلي عام 1977 الذي شق الصف العربي وخلط الاوراق فيه… ولا نزال ندفع ثمن تلك الزيارة وما تبعها من معاهدة سلام بين «الشقيقة الكبرى» مصر ودولة الاحتلال. ومعروف ايضا أن تونس في عهد زين العابدين بن علي المخلوع، تبادلت الممثليات مع اسرائيل. ويمكن أن يكون هؤلاء الصحافيون من مخلفات ذاك النظام البوليسي البائد، ولكن ذلك لا يعني أن تغض الدولة التونسية الطرف عن هؤلاء ولا بد أن ينالوا العقاب الذي يستحقون.
اما بالنسبة للجزائر فهذا امر غير مسبوق.. نحن نتحدث عن الجزائر التي وقف شعبها مع منتخب الكرة الفلسطيني ضد منتخبه الوطني في مباراة جرت على ارضه.. انها الجزائر التي رفضت استقبال منتخب غانا على ارضها، لأن مدربه اسرائيلي الجنسية، واملنا طبعا كبير في الا تمر زيارة مواطنيها لدولة الاحتلال دون عقاب.
إن دعوة اسرائيل لهؤلاء الصحافيين والترويج لزياراتهم ليست نابعة من حب، انما من الحاجة لاعطاء الانطباع بان هناك نوعا من التطبيع الشعبي مع العرب لخدمة اهداف سياسية، وهي تجنب تحقيق السلام مع الفلسطينيين على اساس حل الدولتين، أو أي حل اخر لا فرق.. وكذلك التغطية على عنصريتها المستشرية حتى ضد جنودها من الدروز العرب والبدو.. فوفق تقرير للإذاعة فانه وخلال احتفالية نظمتها وحدات حرس الحدود بمناسبة «عيد المساخر» اليهودي شارك فيها عدد قليل من العرب وبادر احدهم إلى تقديم أغنية بالعبرية. لم يعجب الأمر جنديان يهوديان فرشقا العربي بكؤوس زجاجية، وعندما تقدم منهما سائلا عن الدافع لمهاجمته انقضا عليه وصفعه احدهما بقوة وانضم اليهما عدد اخر من الجنود، وراحوا يشتمون الموجودين من العرب بشتائم عنصرية.
ونموذج اخر على تعامل دولة الاحتلال لمن يقفون معها من العرب، هو الصحافي الأردني مدار المؤمني الذي عمل على تحسين العلاقات الثنائية بين إسرائيل والأردن «ورفضت اسرائيل قبل فترة منحه تأشيرة دخول للاراضي الفلسطينية «لأسباب أمنية. ويدعي «إنني أحد الأشخاص الذين بذلوا كل ما في وسعهم لتحسين السلام مع إسرائيل». ويقول إنه رتب بعثات دبلوماسية، وقابل دبلوماسيين وسياسيين على مستوى عال، من بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، والرئيس شيمعون بيريز، بهدف تقديم رؤية بديلة للعلاقات، مختلفة عن الرؤية النمطية في الإعلام العربي». ويزعم ايضا أن كل الدبلوماسيين والسفراء الإسرائيليين الذين عملوا في الأردن منذ عام 2000، هم أصدقاء له. ورغم كل هذه المزاعم منعته دولة الاحتلال من دخول اراضيها.
واختتم.. إذا كان هذا هو حال التعامل مع جنودهم ومن يقدمون الخدمات الكبيرة لهم، فتعلموا ايها «الصحافيون والاعلاميون» أن زياراتكم ليس الا للاستهلاك الإعلامي الاسرائيلي وليس للترويج للسلام، كما يزعمون. وهذا هو الوجه الحقيقي لاسرائيل.
٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
علي الصالح