‘هو يوم أنوثتي، أتذكر فيه أنني امرأةٌ بعد أسبوعٍ أقضيه في أداء دور ثلاثة رجالٍ في أعمالٍ قد لا تشبه من وُلدت أنثى في شيء. يومٌ أزور فيه مرآتي وأسعى للقاء أقنعةٍ تجميليةٍ تخفي ما تراكم على ملامحي من غبارٍ طيلة أيام الرجولة العملية.
وحدها هزمَتني هذي المرة وحوّلته إلى صراعٍ مع المرايا بدل عناقها. كنتُ أراها على جسد أبي وأمي العجوزين دون أن أعيرَها اهتماماً. أما وقد زارت وجهي بهذي الكثرة فالكارثة قد حلّت إذن.. ليس لأن بقع الجيل تذكيرٌ بأن العمر قد مضى وتغربل من بين أيامي وفرّ جارياً، إنما لأني حلمتُ حقّاً أن أختم أيامي أنثى كما بدأتها، وها العمر يمضي دون أن أتخلص من ثوب رجولةٍ أُلبستُه مكرهة.. بقع الجيل التي ظهرت اغتالت حلمي بعمرٍ ظننته سيأتي فخان..’
***
كنا جميعاً نتحدّث ونصخب ونضحك قبل أن يسرقنا حديثها لنصغيَ اليها بلهفة وهي تحكينا. كانت تبدو في أوائل الأربعينيات وملامحُها أقرب إلى الشّباب والنضارة، ولكنها تتحدّث بجدّيّة وحكمة وحسرة عجوزٍ أكلتها الشيخوخة وتملّص العمر من بين أحلامها.
ما كادت تكمل حديثها، الا وقد استحلنا جميعاً لوحةً من الأنامل المرفوعة إلى وجوهٍ أقحلت فجأةً من كل ما اعتراها قبل لحظاتٍ من الحيويّة والانطلاق. وحدها صاحبة الصالون قطعت صمتَنا بابتسامةٍ ممازحة تسعى أن تكسر الوجوم الذي هبط بشكلٍ يتنافر مع طبيعة المكان وأجوائه، تقول إنّ هذا أفضل، كي تضمن أن نواظب على زيارة صالونها لنتجمّل.
***
حاولتُ جاهدةً أن أشدّ بشفتيّ وأباعد بينهما لألبس ابتسامةً تبدّد ذهولي، ولكني كنتُ متأثرةً بما قالت أم عمّار.. هكذا كنّا نسمّيها، وقد اعتدتُ أن ألتقيَ بها كلّ صباح جمعة في ذاك الصالون، وأن أصغي لأحاديثها وهي تتحدث برزانةٍ عن كلّ شيء. سرقني حديثها اليوم ولم أستفِق منه إلا بضحكة أم ياسين السوقية. لم أكن أطمئنّ إليها (أم ياسين)، رغم أنها كانت أكثرنا ضحكاً وضجيجاً وحيويةً. ربّما كنتُ أنزعج من صليل أساورها الذهبية التي تتعمّد إرقاصها والتلويح بها وهي تحكي لنا أخبار من هبّ ودبّ. كنا نسميها وكالة الأنباء إذ تحمل إلينا كلّ جمعة أنباءَ أهل القرية تقطع بها ساعات انتظارنا الطويل لصبغات الشعر نحارب بها الشيبَ أو لأقنعةٍ نضعها على وجوهنا أملاً في أن ندحر جيوش التجاعيد وتغيُّر الملامح. ضجّت ضحكتها ساخرةً بما خلط المزاح بالجد: ‘قلنا لكو مية مرة اش بدكو بالشغل؟ فيه زي المرة تتستّت وترتاح ؟ هاي أنا بنام للظهر وبصحى أتابع المسلسل التركي وكل ما رجع جوزي عالبيت بجيب لي اسوارة. وببقى صبية من كتر الراحة والدلال’.
***
اندلعت نقاشاتٌ حادة بين الحضور وانقسمنا فرَقاً فرَقاً، تتحمّس كل فرقةٍ لتدافع عمّا تراه، بعضنا تصرّ أن العملَ حياةٌ وحريةٌ وانطلاقٌ وتحقيقٌ للذات، وأننا وإن كنّا نتحملّ مشاقّ العمل فإننا أيضاً نمارس حريتنا ونكون أنفسَنا، فيما بعضُنا أيّدن أمّ ياسين بأن النوم والكسل هما عزّ المرأة في زمنٍ أدمن فيه رجالنا أن يعتمدوا على راتب المرأة ويستغلّوها، بل وأن لا يجتهدوا في البحث عن عملٍ ما دامت ثمة امرأةٌ تعيلهم. والبعض رحنَ يتحدّثن عن استغلالهنّ وكيف لا تجد إحداهنّ اللحظة للراحة، منذ اعتادت تحمّلَ واجبات البيت والأولاد والوظيفة.. كانت بيننا مدرّسة وممرضة وعاملة نظافة وسيّدةٌ لا أعرفها.. تحدّثن عن صعوبة الحياة، وكيف لا يتبقى لإحداهنّ أن تخصّص نفسها بأكثر من ميزانية زيارة الصالون مرةً كل أسبوع لتجدّد طاقتها على التحمّل، حين عادت صاحبة الصالون تصرخ فينا وتتّهمنا بإنكار النعمة:’صار لها جوز قالت أعور؟* هاتوا لي عريس يستغلني بس المهم أتجوز.. بدي أطبخ وأجلي وأصرف عليه وأدلله كمان بس لاقوا لي عريس’..
***
تسلّلت لملامحنا جميعاً ابتساماتٌ دافئة، وكاد يراودنا السكون، لولا أن عادت أم عمار تسرقنا إلى عالم حديثها وتصرّ أننا خُدعنا باسم الحرية، لأنّ رجالنا مرضى بالانفصام- قالت، وأنّ إحدانا إذ اختارت العمل طريقاً لتحقيق الذات أو لمشاركة الرجل في الأعباء فهي في كلتا الحالتين قد شربَت سمّ الخديعة مستكينة، فبدلاً من مشاركة الرجل، ها قد حملَت عبئها وعبئه فساهمت في جعله يتكاسل عن دوره الذي لم يعد يؤدّيه إلا من يشبه أبا ياسين، أو لنقل مَن زوجتُه تشبه أمّ ياسين، بينما ظلّ الذكور متمسّكين بذكورتهم المريضة.. كان حديثها قاسياً وحادّاً.. وهي تلقي إلينا بصرخات أنّ حريتنا مغشوشة، وأن رجالنا مزدوجون، يريدون امرأةً تعمل وتكدّ وتنفق وتبني، تشتغل كالآلة لتتولى نفقات الحياة، ثم تعود مربيةً وخادمةً وطبّاخةً في البيت، وفتاة هوىً في الليل، فيما يتشبّثون بسيادةٍ توارثوا حقّهم فيها ولم يخلعوه..وأنهم في أعماقهم لا يتخلّون عن رؤيةٍ دونيةٍ للمرأة، بل زادت انّ أكثرهم لفرط تخلّيهم عن واجبهم صاروا يرَون في نسائهم مهدّداً لصورة رجولتهم المتوارَثة، ثمّ صرخت فينا: عن أيّة حريةٍ وتحقيق ذات تتحدّثن ونحن لم ننل باسم الحرية إلا أن حملنا الكونَ وحدنا وتنحّى رجالنا عن مسؤولياتهم دون أن يتخلّوا عن حقوقٍ كانت هي ما نطمح للمراجعة فيه.. لا الرجل ظلّ رجلاً، ولا المرأة ظلّت أنثى ولا نلنا إنسانيتنا المتجردة. ثمّ راحت تصيح بنا: انظرن إلى المرآة بلا رتوش.. حدّقن في أنفسكنّ وقلن ما ترَين.. ها العمر يضيع ونحن ‘كما غرابٌ راح يتعلم مشية الحجل’**، لا نحن بقينا في كنفهم ولا تحررنا إلينا..
***
ضجّ المكان صاخباً ورحتُ أنا أقف أمام المرآة أحدّق في وجهي الذي تأكله سنوات العمل وقلّة النوم وواجباتٌ آلية، وأتذكر زوجي الذي يصرّ أنه الرجل وصاحب القرار كلما فكرتُ في شراء غرضٍ ما..وراحت تجري في خيالي صورة غدير التي ذبحها زوجها حين عاد من المقهى ليلاً ورفضت معاشرته أملاً في ساعات راحة قبل أن تخرج إلى العمل لإعالة الأسرة، ورابعة التي قتلها بعد أن حكمت لها المحكمة بالطلاق وبنصف البيت الذي بنَته أصلاً بعمرٍ من العمل والعطاء، وردينة التي قُتلت وهي عائدةٌ من عملٍ مضنٍ ولم يشفع وجود رضيعها بجانبها، ثمّ لم تجد من يسأل عن دمها ما دام قد نُسب لشرفٍ ما..سرقتني الصور فلم أنتبه من كانت أول من غضبت وانفلتت أعصابها فينا… كنتُ فقط أسعى أن أجنّب قدميّ شظايا حطام المرايا التي تناثرت ملء المكان وأنا أترك صاحبة الصالون مشدوهةً وأجري خارجةً إلى الشارع معهنّ وأردّد هتاف أمّ عمار: ‘تسقط الازدواجية، يسقط الانفصام’.
*- مثَل فلسطيني
**- مثَل فلسطيني
*كاتبة فلسطينية من الجليل