تحت عنوان الهوان، يمكن وضع تصريحات السفيرة الأمريكية الفظة والمتطاولة على منتقدي الكيان في الأمم المتحدة، لا نلوم السفيرة الأمريكية نيكي هايلي على تصريحها أمام المؤتمر السنوي للجنة الشؤون العامة الأمريكية – الصهيونية (ايباك) «بضرب كل من يعادي إسرائيل بـ»الحذاء». نلوم أمتنا التي لم تقابل هذا التصريح بحملة استنكار واسعة على الأقل، وذلك أضعف الإيمان، بدءا من واشنطن (مكان التصريح) وصولا إلى كل الأماكن التي يتواجد فيها العرب.
نعم، نلوم مندوبي الدول العربية والدول المتعاطفة مع القضية الفلسطينية في المنظمة الدولية، الذين لم يصدروا حتى بيانا يستنكرون فيه تطاول المندوبة الأمريكية. ندين أيضا الأمين العام للأمم المتحدة، على صمته تجاه من تريد تحويل المنظمة الدولية إلى حلبة مصارعة حرة.
لقد»غرّدت» هايلي أيضاً بالقول: «إن زمن تقريع إسرائيل قد ولى، وأنا أرتدي حذاء ذا كعب عال، ليس من باب الموضة، بل لأضرب به مجددا في كل مرة يحدث فيها انتقاد لإسرائيل». وتابعت المندوبة الأمريكية «يوجد مدير شرطة جديد في المدينة، وإدارة ترامب تختلف عن إدارة أوباما في ما يتعلق بالتعامل مع منتقدي إسرائيل، وأنا لم أت إلى هنا كي ألعب، بل لتأكيد عودة الولايات المتحدة للقيادة.»إن القرار 2234 الذي صدر في نهاية العام المنصرم (قرار إدانة الاستيطان) كان بمثابة ركلة في البطن شعرت بها الولايات المتحدة».
بمثل هذه اللغة المتطاولة، اللغة البعيدة عن أدنى حدود الدبلوماسية تحدثت السفيرة الأمريكية المتصهينة أكثر من نتنياهو ونفتالي بينيت، ومن أي متعصب صهيوني في إسرائيل مثلما كتب جدعون ليفي في «هآرتس».
ما لم تدركه المندوبة الأمريكية «الموقّرة» ( وعلى ما يبدو أنها جاهلة في التاريخ العالمي البعيد والقريب، مع أن وظيفتها تستدعي ولو الحد الأدنى من المعرفة بقضايا العالم) إن الفلسطينيين ليسوا هنودا حمرا يرضون بالمصير الذي آل إليه أولئك، مع العلم أنهم سكان أمريكا الأصليين، إلى أن جاء الأوروبيون في هجرات متتالية، وابتدأوا في ذبحهم، وأقاموا دولتهم على أنقاضهم.
على مدى حياتي، لم أسمع وقاحة تصريحات دبلوماسية، مثل تصريحات القادة الصهاينة وربيبتهم السفيرة الأمريكية لبلد «العدالة والحرية وحقوق الإنسان!». هنيئا لعموم الحركة الصهيونية ولترامب وللولايات المتحدة هذه الصفاقة والعنجهية وصولا إلى الوقاحة، التي تتحلى بها هذه المندوبة الأمريكية المتصهينة.
بالنسبة لقرارات القمة العربية، فقد أتت مثل قرارات سابقاتها، قرارات روتينية تقفز عن الواقع، وتسبح في أجواء خيالية. ذكرتني هذه القرارات بمَثَل «التاجر المفلس» الذي يقول، «عندما يفلس التاجر، يبدأ البحث في دفاتره القديمة». وهكذا هي قرارات القمة العربية الأخيرة على شاطئ البحر الميت. يريدون السلام مع الكيان على أساس مبادرة السلام العربية في قمة بيروت 2002، وقد أكل الدهر عليها وشرب. على الرغم من أن المبادرة تؤكد على الاعتراف الرسمي العربي بدولة إسرائيل، وإقامة سفارات لها في العواصم العربية، ورغم أنها وفي موضع «عودة اللاجئين» أخضعت هذا الحق وفقًا لما سيتم الاتفاق عليه بينها وبين السلطة الفلسطينية. رغم كل ذلك، رفض رئيس الوزراء الصهيوني آنذاك أرييل شارون، هذه المبادرة فور تبنيها، كذلك فعلت الحكومة الإسرائيلية التي يرأسها، ورغم أن الدول العربية تمد يدها للسلام مع إسرائيل، إلاّ أن شارون اجتاح الضفة الغربية حينها، وسجن الرئيس الراحل ياسر عرفات في المقاطعة، ومنعه من حضور القمة. في أحد تصريحاته قال شارون: إن المبادرة لا تستحق الحبر الذي تمت كتابتها به. موقف رئيس الوزراء الحالي نتنياهو من المبادرة، كان رفضه المطلق لها، انطلاقا من وجهة نظره (أن العرب قمعيون، ديكتاتوريون، لا يمكنهم التعايش مع الديمقراطية، ويمكن التعامل معهم فقط من خلال القوة»، وهو يريد سلامًا مقابل السلام وليس سلامًا مقابل الأرض.
في كل مرة ينعقد فيها مؤتمر قمة عربي، يرتفع منسوب التوقعات قبل انعقادها، ثم يفاجأ المواطن العربي بخيبة الأمل والإحباط، بعد أن تتمخض عن بيان فضفاض يكتبه المختصون، ويصدره الملوك والرؤساء، وهو بيان قد تكون له أهمية إعلامية ليس إلا، دون امتلاك القدرة على تنفيذ أيٍ من بنوده، بمعنى أننا نكون أمام عدة مبالغات، وإحباطات وخيبات أمل، الأمر الذي يدلل على تفاقم الهوان العربي، وافتقاد القدرة على التأثير في أي حدث، حتى في ما يتعلق بالنظام العربي نفسه، كما دوله بالطبع، فكيف التأثير إذن في الحدث الإقليمي أو العالمي؟
لقد تعرض النظام العربي لنكسات عديدة، بعضها كاد يكون مصيرياً، كما حدث بعد هزيمة حزيران 1967، زيارة السادات للكيان الصهيوني، ثم توقيع اتفاقية كامب ديفيد، اتفاقيات أوسلو ووادي عربة، الحروب البينية العربية بعد غزو الكويت، وأخيراً أحداث ما سمي بـ»الربيع العربي»، الذي بدأ وطنيا وجماهيريا، ثم جرى تحوير نتائجه وقطفها من قبل الأطراف المعادية للحلم العربي، هذه الأحداث تركت وما تزال آثارها التدميرية في العراق وسوريا، تونس، مصر وليبيا، وربما لا سمح الله، في غيرها مستقبلاً، عداك عن الحروب الأهلية العربية، وغيرها.
لو أخذنا دول الاتحاد الأوروبي كمثال، لرأينا تأثيرها الكبير على الساحة الدولية، علماً بأن دوله لا يجمع بينها مثل ما يجمع بين الشعوب العربية من، لغة، تاريخ وحضارة، أصول تاريخية، عادات وتقاليد، تكامل جغرافي وغير ذلك من العوامل.
إن الاتحادات الشاملة التي يعرفها عالم اليوم، تقوم إما بدافع المصالح المشتركة مثل الاتحاد الأوروبي، وإما بدافع المخاطر المشتركة، مثل حلف الأطلسي. في الحالة العربية لا تتوفر المصالح المشتركة والتكامل الاقتصادي فقط، بل تتوفر المخاطر التي تستهدف الأمن القومي العربي بكامله، كما محاولات تصفية القضية الفلسطينية، وفرض حقيقة الشرق الأوسط الجديد أو الكبير، الذي تكون إسرائيل ركنه الأساسي والفارض لجدول أعماله.
قديما، كان العربي إذا ما حُكّم في خلاف، وحتى يخرج بماء الوجه مع طرفي الاختلاف، كان يجيب على من يسألونه على من يقع الحقّ (أي السبب في الخلاف) يجيب بالمثل المعروف: «الحق على الطليان!» أما لماذا الطليان من دون خلق الله؟ فالعلم عند ربي، وعند أول شخص نطق بالمثل. الآن في عام 2017، يتوجب على العرب استبدال المثَل الدارج السابق بـ»الحلّ عند الطليان»، ذلك للسبب التالي: فقد نقلت الأخبار أن وزارة الداخلية الايطالية، تمكنت الأسبوع الماضي من مصالحة وابرام اتفاق بين قبيلتي اولاد سليمان والتبو من جنوب ليبيا، الاتفاق جرى في روما، وأكدت الوزارة التي رعت المحادثات لوكالة فرانس برس، وفق معلومات عدد من الصحف الايطالية، أن الاتفاق يتألف من 12 بندا بعد اختتام مفاوضات سرية ماراثونية استمرت 72 ساعة، وقد جمع اللقاء 60 شخصا من شيوخ القبائل، خصوصا التبو واولاد سليمان بحضور ممثلين عن الطوارق، وكذلك ممثل عن حكومة الوفاق الوطني الليبية، التي تتخذ من طرابلس مقرا لها. استوقفني الخبر، فلو أن جامعة الدول العربية ومؤتمر الدول الإسلامية، ومنظمة الدول الإفريقية حاولت مصالحة القبيلتين، لفشلت جهودها كلها، أما لماذا تمكنت إيطاليا من ذلك؟ فاسألوا أهل الخبرة، هل هو الكرم والجمال الإيطاليين المشهورين؟ وهل.. وهل؟. المهم، والحمدلله أن طرفاً ما في هذا العالم يستطيع مصالحة العرب مع بعضهم بعضا.
كاتب فلسطيني
د. فايز رشيد