اشتدي أزمة تنفرجي

حجم الخط
13

ليست المشكلة في كركوك هي علم إقليم كردستان، فالأعلام والرايات في العراق باتت منذ 9 نيسان/أبريل 2003 معلماً بارزاً في عراق ما بعد صدام حسين.
في العراق اليوم رايات عديدة وأعلام، وبعض الساسة العراقيين يضعون رايات إيرانية في مكاتبهم متمثلة بصور الولي الفقيه الراحل والحالي، وصارت الأعلام المذهبية والحزبية رايات يعرف بها هذا الفصيل أو ذاك.
مشكلة كركوك التي اندلعت أخيراً بذريعة رفع علم كردستان، هي أزمة وطن ومواطنة عندما تم تفكيك المواطنة العراقية، حتى قبل الغزو الانكلو أمريكي الذي أطاح بالنظام السابق وتحديداً في مؤتمر المعارضة العراقية برعاية السفير الأمريكي زلماي خليل زادة، إلى مكونات، سنية وشيعية ومسيحية آشورية وكلدانية وأرمن وصابئة وكردية وتركمانية وشبك وإيزيديين و….
وكان واضحاً حتى مع كتابة الدستور في العام 2005 أن قضية كركوك أبقي عليها دون حل لتظل تثر مخاوف جدية حول مفهوم المواطنة المتعثر والذي لا يمكن التخلص من هذه المخاوف إلا بالعودة مجدداً إلى الهوية العراقية وهذا أمر يبدو في غاية الصعوبة وربما يقرب من المستحيل في ضوء التطورات الخطيرة والانقسامات المجتمعية المستمرة منذ 2003.
وحتى مع الانتصارات الواضحة التي تحققها القوات الأمنية ما يشجع البعض على التلويح بالخيار العسكري لحل مشكلة كركوك، وفي النهاية حسم الجدل حول المناطق المتنازع عليها بالقوة، وقالوا إنه ما لم يعمد رئيس الوزراء حيدر العبادي إلى اتخاذ خطوات جدية مستنداً إلى الانتصارات التي يحققها في الميدان على «داعش» وعلى خصومه السياسيين الذين راهنوا كثيراُ (ويراهنون) على فك الارتباط بينه وبين فصائل معينة في الحشد الشعبي، فان أزمة العلم في كركوك تهدد بالتأكيد كيان العراق السياسي الواحد، وربّـما تُـمهد إلى تحقيق تفكيك أكبر لعرى المواطنة والشعور بالانتماء في صفوف سكانه. لكن في المقابل يعتقد آخرون أن الخيار العسكري سيدفع رغم أن أهدافه تصب في مصلحة تركيا وايران اللتين ترفضان إقامة دولة كردية في العراق، إلى تدخل دول من خارج العراق، أو عودة الاحتلال الأمريكي بقوة بحجة الحفاظ على (النظام الديمقراطي في العراق) وتطبيق اتفاقية الإطار الاستراتيجي من زاوية مقلوبة!
ومع التلويح بتهدئة قريبة، تؤجل الحسم سواء لأزمة العلم في كركوك أو للاستفتاء على الانفصال وبالتالي الانفصال، رأى الكثيرون أن الأكراد خصوصاً جناح مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني المهيمن على أربيل، والذي يقف خلف هذه الخطوة التي وصفت بالاستفزازية، سيواصلون المزيد من هذه الخطوات التي سيكون لها بالتأكيد تأثير سلبي على التعايش المجتمعي داخل المحافظة فضلاً عن الاستمرار في خرق الدستور الذي يتحدث عن عراق موحد فدرالي، خصوصاُ بعد أن اعتبرت رئاسة إقليم كردستان أن رفع العلم في كركوك قانوني، ورفضت الاستجابة لما قرره مجلس النواب الذي رفض ذلك. والأكثر من هذا فان رئاسة الإقليم رأت أن رفع العلم الكردي على المباني الحكومية في كركوك صار أمراً واقعاً وأن على بغداد أن تتعامل معه على هذا الأساس.

خطوة نحو الاستقلال

 وبالتأكيد فإن مسألة رفع العلم الكردي في كركوك حتى وإن كانت أمراً شكلياً ـ إلا أنها إلى جانب مسألة تطبيع الأوضاع فيها، يراها الكثيرون خطوة أولى نحو الاستقلال لكون كركوك غنية بالنفط، وتطرح بالتالي سؤالاً خطيراً عن مستقبل العراق السياسي بين مفهوم المواطنة العراقية وتقسيمه، ليس إلى فدراليات وحسب، وإنما إلى أقاليم وكانتونات مستقلة.
هذا الأمر أثار غضباُ قوياً في تركيا، وقلقاً جدياً في إيران التي تحركت على حليفها في السليمانية حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، ودعت إلى حل الأزمة بالرجوع إلى الدستور في قراءة تتفق مع ما تراه الحكومة الاتحادية، وينسجم بالطبع مع الغضب التركي.
 وفي هذا الواقع فان التعاطي مع رفض رئاسة الإقليم قرار مجلس النواب الذي جاء بعد أيام من قرار مجلس محافظة كركوك رفع علم الإقليم على المباني الحكومية في المحافظة، يجب أن يتعدى الأزمة وكأنها خلاف شكلي كما يريد الأكراد تصويره، خصوصاُ وأنه أيضاُ جاء بعد إجراءات للسيطرة على نفط المحافظة، ما يؤكد أن الأكراد ماضون رغم اختلاف جناحي أربيل والسليمانية على النفوذ والمال والسلطة، في سياسة فرض الأمر الواقع على حكومة بغداد، مستغلين انشغال العبادي في معركة الموصل، وفي صد هجوم خصومه السياسيين سواء داخل حزب الدعوة الإسلامية الذي ينتمي له، أو داخل التحالف الوطني، وكل منهما يجر في تحالفاته، النار إلى قرصه، قبيل الانتخابات المقبلة.
وبدا واضحاُ من التصويت داخل مجلس النواب أن قرار الكتلة الكردستانية تعليق حضورها للجلسات، يشير إلى عزمها الموحد على الاستمرار في التصعيد ما لم تشاهد شيئاُ من «العين الحمراء» من الحكومة ومن جيران العراق الرافضين تقسيمه أو فدرلته لحساب الأكراد.

خيارات العبادي

 وفي ظل هذا الواقع الخطير من التجاذب، يصبح من نافلة القول إن الأكراد الذين رفضوا كل المحاولات السابقة لإنهاء الصراع في كردستان ما لم يتم ضم كركوك للإقليم، أخذوا يروّجون منذ فترة إلى أن كركوك بالنسبة لهم «قدس الأقداس».
ومع الاعتقاد سلفاً أن الأكراد لم يتخلّـوا يوما عن التفكير بوطن كردي مستقل، ولو طال أوانه، فانهم لن ينجحوا في تأسيس دولتهم الموعودة بدون الثروات الموجودة في كركوك وعلى رأسها النفط، وهو السبب نفسه الذي كانت بريطانيا تتذرع به عندما ألحقت ولاية الموصل، التي كانت تضم كركوك بالعراق، وِفق اتفاقية سايكس بيكو، وكانت بريطانيا تبني وجهة نظرها تلك على نظرية أن التركمان متعاطفون مع تركيا ولن يشكلوا خطرا على مصالحها الحيوية، لأنهم أقلية تقع بين القوميتين الرئيسيتين، العرب والأكراد.
وعلى أي حال، وحتى إذا صحت روايات الأكراد والتركمان بشأن السكان الحقيقيين لكركوك، فلابد من القول إن من جاء إلى كركوك من خارجها، لم ينزل من القمر ولا من المرّيخ، فهو لم يحط رحاله في أرض الجمال باختياره، وأنه نزل في كركوك على قاعدة «خير البلاد ما حملك» وكانت كركوك، ومنذ القِـدم من خير البلاد.

ترحيل أم انفراج؟

وإذا كان صدّام ومن سبقوه، هم من أوجد هذه المشكلة، كما يرى أنصار العبادي، فإن العديد من الأصوات ترتفع داعية «عُـقلاء القوم» إلى أن يتفادوا الصفقات السياسية (احملني وأحملك) وأن لا يقعوا في فخِّ كارثة جديدة تُـضاف إلى الكمّ الهائل من كوارث يضجُّ بها العراق الجديد، لا تعرض مفهوم المواطنة للاهتزاز وحسب، بل تهدد بقوة عرى العلاقات الاجتماعية القائمة بين أسر من عرق واحد، بل من أسرة واحدة.  أخيراً رشح من الاتصالات التي أجريت بين أطراف الأزمة مؤخراً أنها في الطريق نحو التهدئة، بضمنها الاستفتاء وأنه سيتم ترحيل الأزمة إلى ما بعد الانتهاء من معركة الموصل، إذ ستفرز الأيام المقبلة سيناريوهات لتراجع أطراف الأزمة بما يحفظ ماء وجه الجميع خصوصاُ الأكراد الذين يصرون على إعادة المادة 140 حول المناطق المتنازع عليها لتكون كمخرج سياسي وقانوني يرضي الجميع. 

اشتدي أزمة تنفرجي
كركوك والاستفتاء على الانفصال في كردستان
نجاح محمد علي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية