القاهرة ـ «القدس العربي»: امتلأت صفحات الصحف المصرية الصادرة أمس الثلاثاء 11 أبريل/نيسان بالأخبار والتحقيقات والمقالات، عن الحادث الإرهابي الذي ارتكبه اثنان من تنظيم «داعش» ضد الكنيسة في طنطا والإسكندرية. وفشل محاولة اغتيال البابا تواضروس الثاني في الإسكندرية وارتفاع عدد القتلى من أشقائنا المسيحيين إلى سبعة وأربعين شهيدا حتى الآن، وستة من المسلمين، وإنزال قوات من الجيش إلى الشوارع لمساعدة الشرطة في تأمين المنشآت العامة بعد إعلان الرئيس السيسي حالة الطوارئ في البلاد لمدة ثلاثة أشهر. ومناقشات واسعة بين القانونيين حول الحقوق التي تمنحها الطوارئ للدولة.
وعلى الرغم من الاهتمام الواسع من جانب الأغلبية بالحادث الإرهابي، فإنها واصلت الاهتمام بمباريات كرة القدم، وهزيمة الزمالك أمام فريق أنبي بهدفين نظيفين. وإن كان عادل أمين المحرر الرياضي في «الأهرام» قد هاجم اتحاد كرة القدم لعدم تأجيلة المباريات خلال أيام الحداد الثلاثة، وقال في عمودة «دعوة للحوار» في صفحة الرياضة: «يبدو أن اتحاد الكرة يعيش في كوكب «تاني» ولم يراع مشاعر المصريين بعد حادثي تفجير كنيستين في طنطا والإسكندرية، ولم يكلف نفسه تأجيل مباريات الدوري العام، على الأقل خلال فترة الحداد ـ ثلاثة أيام ـ وعمل ودن من طين وأخرى من عجين، تحت شعار لا أرى ولا أسمع. وأقيمت ثلاث مباريات في يوم الحادث، وكأن الأمر لا يعنيه في شيء متحديا مشاعر الحزن والآلام التي انتابت جميع المصريين من خساسه الحادثين الإجراميين. ولكن لا أحد يعرف أين كان اتحاد الكرة الموقر وقت الحادثين؟ إن ما حدث وصمة عار في جبين هذا المجلس، لأنه لم يراع مشاعر شعب بأكمله ولم يكلف نفسه مجرد مكالمة تليفونية في الملاعب بإلغاء المباريات وتأجيلها، وهذه أبسط أنواع المشاركة، لم يطلب أحد التبرع بالملايين التي يحصل عليها المهيمنون على شؤون اللعبة، ولكن كان المطلوب نوعا من المشاعر الإنسانية والمشاركة الوجدانية مع الحدث».
أيضا واصلت الأغلبية الاهتمام بارتفاعات الأسعار، ومتابعة ما تعلنه الحكومة من طرح كميات كبيرة من الأسماك بأسعار مخفضة في المجمعات الاستهلاكية، والتبشير بأنها استوردت كميات كافية من الدواجن واللحوم وباقي السلع استعدادا لشهر رمضان بأسعار مخفضة. لكن رسام صحيفة «الأخبار» كان في زيارة قريب له فشاهده يدخل على أفراد أسرته ويقول لهم وهو في غاية الإرهاق ممسكا بعيش وقرطاس: «عديت سلمت على الجزار والبقال والفرارجي وبتاع السمك وجبت قرطاس طعمية ورغيفين وجيت». وإلى ما عندنا…
الحزام الناسف لوحدة هذا الوطن
ونبدأ تقرير هذا اليوم من «الوطن» ومقال عماد الدين أديب الذي يقول فيه: «أشعر بحزن عميق إزاء الجريمة المروعة التي حدثت لأشقائنا وأحبابنا الأقباط في كنيستين في طنطا والإسكندرية. ولا يمكن أن ننسى رجال ونساء الشرطة الذين راحوا ضحية هذا الحادث الإجرامي. ويبقى السؤال: لماذا قام تنظيم «داعش» فرع مصر بإعلان مسؤوليته عن الجريمتين بواسطة عناصر انتحارية؟ يمكن تحديد عدة أهداف لهذه الجريمة على النحو التالي:
أولاً: بعقلية ونفسية «داعش» يمكن تفسير الهدف الأول لهذه الضربة بـ«تسخين» وإثارة حالة من الغضب داخل نفوس الأقباط ضد الدولة. ولا يخفى على «داعش» أن أقباط مصر وقفوا كقوة داعمة رئيسية لثورة 30 يونيو/حزيران 2013 مع الجيش. ولا يخفى أيضاً أن أقباط المهجر ساندوا وبقوة زيارة الرئيس السيسي لواشنطن. ثانياً: إفساد حالة التفاؤل الشديدة التي انتابت المجتمع عقب زيارة الرئيس السيسي لواشنطن وارتفاع حالة الأمل لدى المصريين. ثالثاً: محاولة إثبات أن النظام في مصر غير قادر على حماية الأقباط، فكيف يمكن أن يقول ترامب إنه يعتمد على مصر في مواجهة الإرهاب؟ رابعاً: ضرب الاقتصاد الذي يحاول الانتعاش وإفساد حالة بدء الإقبال السياحي على مصر. خامساً: إثارة النعرة الدولية في ملف حماية الأقليات قبل زيارة البابا فرانسيس لمصر نهاية هذا الشهر. سادساً: الضغط على الوضع الأمني من تحويله من حالة «مستقر» إلى حالة غير آمن ومضطرب ما يجعل الحكومة تلجأ إلى إعادة حالة الطوارئ. لا بد أن نستيقظ من حالة الغيبوبة التي يعيشها المجتمع في عدم وضع تشريعات وإجراءات تتعامل بقوة وصرامة مع الإرهاب وأنصاره ومموليه. إن من يعتقد أن هذه العملية تضر بالنظام هو غبي وأحمق لأنها في النهاية أثارت حالة من التعاطف الدولي مع مصر ورئيسها. الذي يدفع النظام هو اقتصاد مصر وسمعتها وتماسك نسيجها الوطني وحالة السلام التاريخية بين المسلمين والمسيحيين من أبناء هذا الوطن. هذا العمل الدنيء لا يرضى عنه الله ورسوله، ولا يتفق مع صاحب أي ضمير إنساني حتى لو كان ملحداً. إن محاولة إفساد فرصة احتفال أحبابنا وأشقائنا الأقباط بأسبوع الآلام، الذي ينتهى بالعيد، هي خير دليل على أن أعداء هذا الوطن فقدوا عقولهم وضمائرهم بعدما أصابتهم لوثة الانتقام وهستيريا الإرهاب التكفيري. وليرحم الله شهداء الوطن».
الإرهاب
وإلى أبرز ردود الأفعال عن العمليتين الإرهابيتين وأولهما لأستاذة الأورام في كلية الطب في جامعة القاهرة الكاتبة الدكتورة غادة الشريف ومقالها الأسبوعي في «المصري اليوم» أمس الثلاثاء، الذي اختارت له عنوانا، هو «مولد سيدي الإرهابي»: «أعتقد أنه آن الأوان أن نفصل بشدة بين إخوتنا في الشرطة، الذين يقعون ضحايا في حوادث إرهابية وبين قياداتهم الجالسين في مكاتبهم يضعون رجلا على رجل. إذا لم يكن الأمن مكثفا وهناك خطة حماية على أعلى مستوى يوم عيد قبطي فمتى يكون الأمن مكثفا إذن؟ ألسنا في موسم تفجيرات معروف برضه؟ إذا لم يكن الأمن مشددا أثناء زيارة البابا لإحدى الكنائس الكبرى في يوم عيد قبطي فمتى يكون الأمن مشددا إذن؟ لكن أن تتم عمليتان إرهابيتان في يوم واحد ويكون يوم عيد قبطي، وأن يكون أحد مواقع الإرهاب على استعداد لاستقبال البابا، فهذا معناه إننا ليس لدينا أمن وليس لدينا داخلية، ويستحسن نوفر فلوسنا ونقفل وزارة الداخلية ونقلب المبنى فندقا. فالوزير الحالي أصبح نسخة من حبيب العادلي، فلم يعد يشغله سوى أمن النظام.. وأمن النظام بالنسبة له يرتكز على محورين لا ثالث لهما، أولهما الأمن الشخصي للرئيس. والثاني هو اصطياد الناشطين وكل من يمكن أن يشكل نشاطه خطرا على سياسات الرئيس. وبعد تفجير الإسكندرية بدقائق يستعبطك يا حمادة ويقولك إن الأمن أبطل قنبلة بجوار مسجد سيدي عبدالرحيم.. والنبي صحيح؟.. طب مدد يا سيدي عبدالرحيم مدد».
الإرهاب والاعتداء على القضاء
وفي العدد نفسه من «المصري اليوم» كتب محمد أبو الغار مقاله عن موضوع الإرهاب أيضا قائلا: «في ظروف الإرهاب في سيناء، الذي وصل إلى الوادي ليضرب كنيستين في يوم أحد السعف، ويستشهد الأبرياء من أبناء الوطن. في هذا الوقت العصيب الذي تكون فيه وحدة المصريين واجبة لمكافحة الإرهاب ويتفق الجميع على أولوية رفع كفاءة الأمن وإعادة تنظيمه ومحاربة قنوات وشيوخ الفتنة، وبدلاً من توحيد الشعب يترك الحبل على الغارب لدعاة الاعتداء على المسيحيين واعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، لا أهمية لهم ولا اعتبار ولا احترام أو مراعاة لإقامة شعائرهم الدينية. تترك الدولة كل ذلك ويفاجئنا النظام والبرلمان بضرب وحدة المصريين بإثارة أزمة القضاة، والعودة إلى التنازل عن تيران وصنافير، وهذا عبث بأمن مصر ومستقبلها يثير غضب الشعب كله. علمت أنه بعد حكم المحكمة غير المختصة بنظر موضوع تيران وصنافير سوف تلجأ الرئاسة للدستورية العليا أو البرلمان. ويقوم البرلمان الآن بتهديد القضاء بقانون غير دستوري ويمهد لفوضى قد تنهى تماماً مصداقية النظام. التاريخ علمنا أن المساس بالقضاء كارثة على الجميع. وقال الأستاذ شوقي السيد، المحامي الكبير، إن كل حق أو سلطة لها حدودها الدستورية والقانونية، التي لا يجوز أن تتعداها أو تتخطاها، كما أن لكل سلطة غايتها التي يجب أن تحرص على تحقيقها ولا تغيرها أو تتحايل عليها حتى لو اتخذت لها الذرائع والحيل، ولو كان ظاهرها الرحمة متى كان باطنها العذاب، لأنها تعبر عندئذ عن سوء القصد أو المكايدة أو الانتقام. وهنا يقصد أيضاً محاولة البرلمان تغيير قانون السلطة القضائية».
بلدنا في محنة
والى الصفحة العاشرة من «الوطن» والمقال اليومي لمستشارها أستاذ الإعلام في جامعة القاهره الدكتور محمد خليل الذي يكتب عموده تحت عنوان «وطنطن»، والذي هاجم فيه ما اعتبره تقصيرا من الأمن بقوله: « بلدنا في محنة، هذا أمر لا مراء فيه، ونحن في أشد الحاجة إلى التلاحم والتكاتف والذوبان في كتلة واحدة من أجل مواجهتها، ذلك أمر لا خلاف عليه. نحن بحاجة إلى أن نمسك في بعضنا بعضا، لأن من يسيرون فرادى يسهل أكلهم، أما الكتل المتماسكة فهي مستعصية أشد الاستعصاء على النفاذ إليها أو النيل منها. التماسك هو السلاح الشعبي الأهم الذي يجب أن يتشبث به أبناء هذا الوطن في مواجهة تلك الهجمة التي تستهدف بلدنا بأكمله دون تفرقة أو تمييز. دعني أكرر أن «التماسك سلاح الشعب»، والشعب كان موجوداً بقوة وشاهراً سلاحه في مواجهة الإرهاب الذي ضرب البلاد بشدة يوم الأحد الماضي فأدى إلى استشهاد عشرات المصريين الآمنين في كنائسهم، وإصابة العشرات. الشعب كان حاضراً فأين المسؤولون؟ بداية علينا أن نعترف أن أي جهاز أمني أعجز ما يكون عن توقع عملية إرهابية. هذا كلام صحيح 100٪، لكن ماذا لو كان الحدث الإرهابي متوقعاً؟ تعال نحسبها بالعقل. منذ بضعة أسابيع، وعقب تهجير مجموعة من الأسر القبطية من سيناء أصدر تنظيم «داعش» فيديو يعلن فيه مسؤوليته عن تفجير الكنيسة البطرسية، وقتل عدد من المصريين الأقباط في سيناء، وأكد فيه عزمه على القيام بضرب مسيحيي مصر في كل الاتجاهات. أضف على واقعة «فيديو داعش» معلومة أظن أنك تذكرها حول تفجير البطرسية، فقد وقع التفجير يوم الأحد 11 سبتمبر/أيلول، أي قبل أيام من عيد الميلاد، أما تفجير كنيسة طنطا فقد وقع صباح الأحد 9 أبريل/نيسان، قبل أيام من عيد القيامة، إجمع على هاتين المعلومتين معلومة ثالثة تتمثل في تفجير كنيسة طنطا الذي أعقبه تفجير كنيسة الإسكندرية ظهر الأحد. ماذا يعني ذلك؟ إنه يعنى ببساطة وجود العديد من المؤشرات على استهداف كنيستي طنطا والإسكندرية في التوقيت الذي وقع فيه التفجيران. استمرار الوضع على ما هو عليه سيؤدي إلى المزيد من الضحايا، والشعب الذي تحمل وثبت أمس وأمس الأول وكذا اليوم قد لا يتحمل في الغد. لازم الحكومة تشوف شغلها، وكفانا دماء».
تعديل السياسات
وإلى «الشروق» ومحمد عصمت في عمودة اليومي «أوراق» الذي كرر فيه الاتهامات للحكومة بالتقصير الأمني ، وطالب بضرورة تعديل السياسات وقال: «ما يجب أن تفعله السلطة في مصر هو أن تبدأ في مواجهة ملف الإرهاب من نقطة البداية الصحيحة والوحيدة، وهي الاعتراف أولا بأن هناك قصورا أمنيا كبيرا في أداء وزراة الداخلية، وأن ضباطنا ينقصهم التدريب الحديث والكفاءة والمهنية، وعدم احترام مفاهيم حقوق الإنسان بالشكل الكافي.
كما يجب أن تعترف، ثانيا، بأن أسلوب حياتنا كله ــ وعلى رأسه نظامنا السياسي ــ يبتعد عن دولة القانون، وأن لجوءنا مثلا لقعدات العرب والحلول العرفية لقضايانا الطائفية ثبت فشله الذريع، وأن احترام القانون هو تنفيذه على الجميع، لا مجرد التشدق به في الخطب الرسمية.
أما، ثالثا، فإن على السلطة أن تعترف بأن هناك تبسيطا مخلا في الدعوات المطالبة بتجديد الخطاب الديني، فهذا الخطاب لن يكون له أي جدوى إلا في مجتمع حر وتحت رعاية نظام سياسي ديمقراطي، يوفر المناخ المواتي لنشر الثقافة وزيادة الوعي، ويؤمن بالتعددية والعلم واحترام حقوق وحريات الإنسان. أنا شخصيا لا أتوقع تغييرات كبيرة في استراتيجية الحكومة في مواجهة الإرهاب، وإن كنت أتمنى أن تعي جيدا دروس يوم الأحد الدامي، وتفتح نقاشا مجتمعيا موسعا يشارك فيه المعارضون قبل المؤيدين، لإقرار سياسات جديدة تعالج همومنا السياسية والاقتصادية والطائفية على ارضية ديمقراطية حقيقية».
الضرر سيطال السياحة
ونظل في العدد نفسه من «الشروق» لنكون مع الدكتور زياد بهاء الدين الذي عبر عن أسفه لأن الحادث سيلحق ضررا كبيرا بالسياحة وقال: «ومع ذلك فمن السذاجة أن ننكر أن جريمة أحد السعف كانت بلا عواقب. فالضحايا من الشهداء والمصابين، سواء من المصلين أم أفراد الشرطة، الذين قاموا بواجبهم حتى النهاية، هم الخسارة الأكبر، التي لا يمكن تعويضها. والصدمة من هول الجريمة هزت الشعور بالأمن والطمأنينة لدى الناس. حتى على الجانب الاقتصادي، الذي أتصور أنه أحد الأهداف الرئيسية للإرهاب، فسوف نخسر بالتأكيد المكاسب القليلة التي كانت قد تحققت أخيرا في محاولات استرداد السياحة، لنعود إلى نقطة الصفر مرة أخرى. هذه كلها تحديات حقيقية وإدراك حجمها والتعامل معها بواقعية لا يعني أن الإرهاب قد انتصر».
المجلس القومي لمكافحة الإرهاب
وفي «الأخبار» حدد جلال عارف في عمودة اليومي «في الصميم» ما تصور أنه عمل المجلس القومي لمكافحة الإرهاب وأعطاه أبعادا جديدة بأن قال: «المجلس الجديد كما نتصوره، سيكون مسؤولا عن وضع السياسات على مختلف الجبهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية لحشد قوى الدولة في معركة المصير، ولتجفيف منابع الإرهاب، ولاستئصال أفكار التطرف. المجلس الجديد – كما نتصوره- يضم صفوة العقول القادرة على التعامل مع ظاهرة الإرهاب ومواجهة فكر التطرف، ووضع الاستراتيجية الشاملة لحرب لابد أن نعرف أنها ستطول، وأنها لن تقتصر على المواجهة الأمنية التي تحتاج بدورها لتطور كبير يتناسب مع التضحيات الهائلة التي يقدمها رجال الأمن. لا يمكن أن تبقي حربنا ملقاة على أكتاف الأمن فقط.. بينما أفكار التطرف تزرع في عقول أطفالنا، ومعامل تفريخ الإرهاب تعمل بكل نشاط، وفتاوى بث الكراهية لا تنقطع».
الدعاة السلفيون يعيثون في مصر فتنة وفسادا
ونبقى في جريدة «الأخبار» ومع عبلة الرويني في عمودها اليومي «نهار» وتوجيهها أصابع الاتهامات إلى عدد من مشايخ السلفيين بقولها عنهم: «محاربة الإرهاب ليست فقط في سيناء.. وليست فقط بتشديد الرقابة والحماية الأمنية على المنشآت ودور العبادة.. ليست فقط الحل الأمني.. محاربة الإرهاب بالضرورة في تجفيف منابعه، وتنظيف العقل المصري من دعاة الفتنة والكراهية وتزييف الوعي… عشرات الدعاة السلفيين يعيثون في مصر فتنة وفسادا، وتحريضا على القتل والعنف، لا يكفون عن الدعاء للمسلمين، والدعاء على غيرهم من الأديان الأخرى.. لا يكفون عن تحريم تهنئة المسيحيين في أعيادهم.. لا يكفون عن تكفير المسيحيين ومطالبتهم بدفع الجزية.. ويصرون على أن النصاري هم «المغضوب عليهم»» لا تجوز مودتهم (الشيخ أبو إسحاق الحويني حرم على المسلم أن يشارك غير المسلم الكافر في الأعياد.. والشيخ ياسر برهامي حرم الاحتفال بشم النسيم لأنه عيد الكفار، وأفتى بأن تهنئة المسيحيين بأعياد ترتبط بالعقيدة، أشر من شرب الخمر وفعل الفواحش، وأفتى بألا يشتري المسلمون دواء من مسيحي ولا يدخلون مشافيهم.. وهناك من دعا بالشفاء للمرضى من أولاد المسلمين، دون غيرهم)».
يهرفون بما لا يعرفون
وإلى الصفحة الأخيرة من «الجمهورية» ومحمد منازع الذي شن في عموده «عزف على حرف» هجوما عنيفا على الذين يهاجمون الشرطة ويتهمونها بالتقصير، ووصفهم بأنهم مثل الحمير في اصواتها وقال: «إن الذين يحملون رجال الشرطة المسؤولية.. ويهرفون بما لا يعرفون.. ويدعون أن هناك تقصيرا أمنيا.. وينصبون من أنفسهم خبراء ويطالبون بمراجعة الخطط وزيادة التأمين.. واستباق فكر الإرهابيين.. فإن هؤلاء أيضا لا يعرفون شيئا وأقول إنهم أجهل من الدواب.. لأن رجال الشرطة يفعلون ذلك في الواقع.. وكيف هذا وهم الذين افتدوا كل من بداخل كنيسة الإسكندرية ونفذوا خطة التأمين بدقة. هنا الذين «يزيطون في الزيطة».. ويطالبون بتغيير قيادات الدولة.. وتعلو أصواتهم التي هي مثل أصوات «الحمير».. يدّعون خوفهم على البلاد وحرصهم عليها.. بينما هم يريدون أن نعود إلى الفوضى التي سادت في السنين السابقة.. ليخرجوا من جحورهم ويعيثوا في الأرض فسادا.. وفي النهاية لا يبتغون إلا مصالحهم وكثير منهم ينتمون إلى الجماعة الإرهابية التي تقف وراء هذا كله».
اختطاف فرحة المصريين بالأعياد
ومن «الجمهورية» إلى «الأهرام» وقولها في تعليقها في الصفحة الثالثة: «لعل الرسالة الحقيقية التي بلغت المصريين من تلك الأحداث الإرهابية الغاشمة في طنطا والإسكندرية ومن قبلها الكنيسة البطرسية في العباسية، أن العمليات المشتركة للقوات المسلحة والشرطة قد آتت ثمارها المرجوة في شمال سيناء، وتراجع الإرهاب بصورة ملحوظة، وكان آخر تلك النجاحات السيطرة تماما على جبل الحلال مأوى هؤلاء الإرهابيين، حيث كانوا يتخذون منه حصنا حصينا، للاختباء داخل كهوفه والتخطيط لعملياتهم القذرة منه. ومع تشديد الحصار الأمني لكل الأماكن التي يختبئ فيها الإرهابيون، لم يكن أمام شيوخهم ومحرضيهم سوى تغيير المكان والهدف، فكانت الكنائس وبقية المدن. ومن أجل استمرار المواجهة مع الإرهاب الأسود الذي يطل على المصريين كل فترة وأخرى، في محاولة منهم لاختطاف فرحة شعب مصر بالأعياد، لم يكن أمام القيادة السياسية سوى إعلان حالة الطوارئ، وهذا ليس استثناء، ولدينا أقرب مثال عندما أعلن الرئيس الفرنسي فرانسو أولاند الطوارئ في بلاده، ردا على مجرد حادث إرهابي هناك، فما بالنا وضباطنا وجنودنا ومواطنونا يتعرضون لقوى الشر والتطرف التي تسعى للنيل من عزيمة هذا الوطن. الرسالة السياسية واضحة تماما، وهي مواجهة الذين يحاولون تحطيم الشعب وتمزيقه، لأنه مادام الشعب كتلة واحدة، سيصعب على أي أحد أن يهزم البلد أو يهدمه».
للصبر حدود
وفي الصفحة الأخيرة من العدد نفسه من «الأهرام» قال صلاح منتصر في عموده اليومي «مجرد رأي»: «أمامنا خيار أن نتلقى ضربات الإرهاب ونبكي على ضحاياه ونودع شهداءه ونتوعد ونهدد، أو أن يكون هناك موقف أشد قسوة وأكثر جرأة بحيث نقطع يد الإرهاب قبل أن ينفذ عملياته، أو على الأقل نحد من مخاطرها وضحاياها. الأمن أولا وقد تكون كلمة في لحظة غضب وكما يقولون كبح الغضب من الحكمة، ولكن في مواجهة ما حدث في كنيستي مارجرجس في طنطا والمرقسية في الإسكندرية، وبعد أحداث كثيرة سابقة فللصبر حدود، والحكمة الحقيقية في شدة الإجراءات التي يتعين على الدولة اتخاذها، وأظن أنها بدأت برئاسة الرئيس السيسي لمجلس الدفاع الوطني والقرارات التي خرجت عنه، والتي أعلنها الرئيس السيسي بنفسه في كلمة لم يشأ أن ينتهي اليوم دون أن يقولها. توقعي للحدث أن يكون في العيد الكبير للإخوة المسيحيين الأسبوع المقبل، ولكن المفاجأة جاءت (أمس الأول)، ولعل إجراءات الأمن التي تقررت لا تترك فرصة للإرهاب أن يباغتنا أو على الأقل نحد من مخاطره».
أربطوا عوض
وفي «البديل» كان مقال جمال الجمل تساؤلا عن لماذا فرض السيسي حالة الطوارئ؟: «يكاد المريب يقول خذوني، والمريب هنا لا يشترط أن يكون متورطا في تدبير التفجير، بل يكفي توظيفه للتفجيرات في اتخاذ رد فعل مبالغ فيه، لأنه يقيد حرية الشعب، بدلا من معاقبته للإرهابيين وللجهات المنوط بها مكافحة الإرهاب، فالرئيس لم يحاسب وزير داخليته، ولم يسأل: كيف تتسرب المتفجرات والأحزمة الناسفة إلى جسد البلاد؟ لكنه يبقي على نظامه المقصر في مواقعه، ويتشدد في معاقبة ومراقبة الشعب بإجراءات استثنائية، وكأن الخطر في التجمهر والاجتماعات وإبداء الرأي. في تصريحاته التي أعلن فيها السيسي حالة الطوارئ، قال عن جماعات الإرهاب المسلح: نجحنا في سينا، فاتحركوا في حتة تانية، هننجح في الحتة التانية، هيتحركوا في حتة تالتة.. لازم تكونوا عارفين كده، ثم غنى أغنيته المفضلة، متسائلا بالنبرة التهديدية نفسها: «النزيف اللي احنا بننزفه دوات، وللا النزيف اللي انتو بتشوفوه في دول تانية؟» ويكمل حديث المؤامرة متحدثا دون إفصاح عن ضرورة محاسبة «الدول اللي دعمت الإرهاب وجابت المقاتلين من كل حتة، واحنا اللي بندفع التمن».. أي دول؟ لم يقل السيسي ولن يقول صديق أمريكا وإسرائيل المتحدث عن السلام الدافئ وعظمة ترامب، يتحدث عن دول متآمرة، ولا يجرؤ على تسميتها، ولا قطع علاقاته معها، ويريدنا أن نخاف، ويشخط فينا: «اثبتوا، واصمدوا، وامسكوا نفسيكو كويس قوي.. وخلّوا بالكو من مصر»، ولا ينسى أن يوجه توصياته للإعلام بتغييب الناس: الواقعة (مشاهد التفجير) بتتكرر طول اليوم في التلفزيون.. ده بيجرح المصريين، ثم يلقي الموعظة لبتوع «الخطاب الديني» و«البرلمان» و«مؤسسات الدولة»، ويعلن تشكيل المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب وهنعمل له قانون وصلاحيات (على كل لون يا باتيستا) لضبط الموقف كله إعلاميا وقضائيا، وخطاب ديني وكله كله. الرئيس الذي لم يغلق محطة السادات هذه المرة، يقول بثقة تتنافى مع كل إجراءته، وبإجراءات تتنافى مع كلامه: «احنا قادرين نهزم الإرهاب، ونهزم المجرمين، ونهزم القتلة، ونهزم المخربين، وهنفضل نبني وهنفضل نعمر»، وينسى أن إعلانه لحالة الطوارئ يضع مصر في صورة الدولة «غير الآمنة» باعتراف نظامها، ويضرب أي محاولات لعودة السياحة التي أكل وشرب على حسها رجاله وغلمانه في الحفلات والرحلات والهمبكات، ويا أيها الرئيس لقد اجتهدت في قراءة هادئة ومتزنة لأسباب إعلانك الطوارئ، فكانت النتيجة هذا الكلام الذي نعرفه من عنوانه، وتعويضا للقارئ أقدم له تعريفا مبتكرا عن حالة الطوارئ التي يريدها السيسي، كما تشرحه بخفة دم مأساوية هذه النكتة السودانية المعبرة: كان عوض يجلس مع والده «أبو عوض على العشاء.. جنبهم الراديو ولمبة الجاز، وفجأة دخل تيس، فقال أبو عوض اربطوا التيس.. ها يخرب العشا، طلب عوض تفويضا من أبو عوض لمواجهة تهديدات التيس المحتملة، ففوضه أبو عوض، فنهض عوض بغباء شديد، فخبطت رجله في لمبة الجاز كسرها، وحطم الراديو، وداس في أطباق العشاء، وبعدها داس على بطن أبو عوض ذات نفسه، فصرخ أبو عوض من الألم: مش مهم التيس دلوقتي.. اربطوا عوض. السيسي لا يقل خطرا عن الإرهاب.. والطوارئ لتأمين نظامه وليست لتأمين مصر».
لا تمكنوهم من تغيير حياتنا
وننهي تقريرنا عن الإرهاب الذي حاول ضرب وحدة المصريين الأحد الماضي، في «الشروق» ومقال رئيس تحريرها عماد الدين حسين وقوله: « للأسف نجح الإرهاب في أن يجعلنا نغير أسلوب حياتنا بعد أكثر من ثلاث سنوات من العمليات الإرهابية المتواصلة، بدأت بعد لحظات من ثورة 30 يونيو/حزيران التي أخرجت جماعة الإخوان من الحكم. ما أقصده بتغيير نمط حياتنا، هو إصرار الحكومات والمجتمعات الغربية ورد فعلهم بعد أي عمليات إرهابية تقع عندهم، والذي يتلخص فى الإجابة الأساسية للمسؤولين والنخبة وأجهزة الإعلام لديهم وهي: «الإرهاب يحاول أن يجعلنا نغير أسلوب حياتنا، لكننا لن نعطيه الفرصة، وسوف نواصل حياتنا كما هي، لأن ذلك هو أفضل طريقة للتصدي للإرهاب وهزيمته».
إذا لم نكن نسينا فإن الإرهابيين استهدفوا العديد من رموز الحياة الغربية مثل، الملاهي والمقاهي والشواطئ والملاعب. ومع فارق القياس فإن أحد الإرهابيين مثلا استهدف ملهى في أورلاندو الأمريكية يخص المثليين جنسيا، ظنا أن ذلك سوف يجلب للإرهابيين التعاطف، لكن الذي حدث أن غالبية العرب والمسلمين أدانت الحادث باعتبار أن الضحايا هم بشر أولا وأخيرا، والملهى لم يغلق أبوابه، واستمرت الحياة كما هي. كنت أتمنى ألا نعلن حالة الطوارئ، حتى لا نعطى للإرهابيين الإحساس بأنهم انتصروا علينا، وجعلونا نقبل بأن نغير نمط حياتنا. لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. بالطبع أعرف وأقدر الدوافع التى جعلت مجلس الدفاع الوطني يتخذ هذا القرار الصعب للمرة الأولى منذ إسقاط حالة الطوارئ عقب ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011. فأنهار الدماء مستمرة في التدفق، وجرأة الإرهابيين تتزايد، والبعض صار يبرر لهم جرائمهم. من الواضح أن كل الطرق والاستراتيجيات السابقة لم تنجح في مقاومة الإرهاب ودحره، والدليل انه يتزايد وينتشر للأسف، وبالتالي فقد وجب التفكير في استراتيجية جديدة وشاملة لنكون معها مطمئنين، بأننا بدأنا السير على الطريق الصحيح في مقاومة الإرهاب والتطرف. وفي هذا الصدد أتمنى ألا نحقق بقية أهداف وتمنيات الإرهابيين، الذين يحلمون بأن تتحول كل حياتنا إلى طوارئ، ظنا أن ذلك سيقود إلى زيادة غضب قطاعات شعبية كثيرة ضد سياسات الحكومة والنظام بأكمله، الأمر الذي يساعدهم في تحقيق ما يحلمون به. على الحكومة أن تتذكر أن حالة الطوارئ ظلت مفروضة 30 عاما تقريبا طوال عهد مبارك، لكن ذلك لم يكن السبب الاساسي في القضاء على العمليات الإرهابية التي استمرت بلا توقف من 1990 إلى 1998. أتمنى أيضا ألا تتحول الطوارئ ضد الإرهابيين إلى طوارئ ضد الحريات والأحزاب والنقابات. وعلى الحكومة أن تدرك جيدا أن الإعلام الوطني الحر هو أفضل حائط صد ضد الإرهاب، لأن بعض الفاسدين والمنحرفين قد يستغلون الطوارئ لحماية أنفسهم أولا والكيد للمخلصين ثانيا، بحجة أنهم إرهابيون أو داعمون للارهاب. وبالتالي يصبح السؤال الجوهري هو: كيف نستغل الطوارئ في محاربة الإرهاب فقط، من دون أن تتحول سلاحا لقمع الحريات وحماية الفساد. استمرار الحياة الطبيعية للمصريين هو أفضل سلاح لمواجهة الإرهابيين. طبيعي أن نعلن الحداد 3 أيام، لكن علينا أن نجعل حياتنا تستمر بكل ما فيها، حتى لا يشعر الإرهابيون والمتطرفون أنهم نجحوا فى تنفيذ مخططهم. خالص العزاء لأسر الضحايا والمصابين وحفظ الله مصر».
حسنين كروم