رفع شعار «الأمن أولا» منزلق خطر يخدم نزعات السلطة ويلحق ضررا فادحا بالمجتمع

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: لا يزال الموضوع الرئيسي الذي يملأ صفحات الصحف المصرية في شكل تحقيقات أو مقالات، أحاديث عن العمليات الإرهابية التي قام بها انتحاريون من «داعش» ضد أشقائنا الأقباط، وإعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر لمواجهة الموقف، وإنزال قوات عسكرية لمساعدة الشرطة في ضبط الأمن، وإصدار قرارات ثلاثة، أولها تشكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام. والثاني تشكيل الهيئة الوطنية للصحافة. والثالث الهيئه الوطنية للإعلام.
كما بدأ الرئيس السيسي في عقد الاجتماعات مع الوزراء، لبحث الأوضاع الداخلية، خاصة توفير السلع الضرورية في شهر رمضان، وكذلك مناقشة خطة وزارة الكهرباء في تغطية كل محافظات الصعيد، والانتهاء من هذه العملية في العام المقبل. وبدء منح كميات كبيرة من الأسماك في المجمعات الاستهلاكية. وواصلت الأغلبية أيضا الاهتمام بمباريات كرة القدم.. وامتحانات نهاية العام الدراسي في شهر يونيو/حزيران المقبل.. وإلى ما عندنا من أخبار..

الإرهاب

ونبدأ بأبرز ردود الافعال على الهجومين اللذين شنهما تنظيم «داعش» ضد الكنيسة المرقسية في الإسكندرية وكان الهدف اغتيال البابا تواضروس الثاني. والهجوم الثاني في كنيسة في مدينة طنطا، وقد وجه رئيس مجلس إدارة مؤسسة دار الهلال، ورئيس تحرير مجلة «المصور» غالي محمد نقدا إلى ما اعتبره تقصيرا من الأمن بقوله: «ندرك أن الحرب مع الإرهاب عاتية ولن تنتهي بسهولة، لأن هناك إرهابيين جبناء يعيشون بيننا، يستهدفون المسلمين والمسيحيين على حد سواء. نقول ذلك، لأن ما حدث هذا الأسبوع في كنيسة مارجرجيس في طنطا وكنيسة مارمرقص في الاسكندرية، لن ينال من عزم المصريين، ولن يضعفهم، وفي الطليعة من المصريين الإخوة الأقباط. حدث ما حدث، وأخطأ من أخطأ وأصبح درساً قاسياً، لابد أن يستفيد منه الجميع، كل في موقعه، خاصة في جهاز الشرطة، الذي يبذل أقصى جهد في الجانب المعلوماتي للإرهاب، لكشف الأجيال الجديدة من الإرهاب والتنظيمات والخلايا المختلفة».

الاصطفاف في المعركة

والانتقاد نفسه وجهه زميله أحمد النجمي في العدد نفسه من «المصور» بقوله: «لم تكن الجبهة الداخلية لمصر على قلب رجل واحد مثلما هي الآن.. ولا كان الإرهاب في حال أسوأ من حاله الآن. من جانب الدولة المصرية لم يعد ثمة مكان للتقصير أو التراخي في قطاع من قطاعات الدولة، من جانب الدولة لم يعد ثمة مكان لارتكاب أي أخطاء في ما يتعلق بالحرب على الإرهاب.. هذا هو المعنى الأساسي الذي نطق به الرئيس السيسي ليلة الأحد، كان هذا المعنى – الاصطفاف في المعركة الوطنية الكبرى ضد الإرهاب ـ هو المعنى المسيطر على كلمة الرئيس».

إرفعوا أيديكم عن جهاز الشرطة

كما نشرت مجلة «المصور» تحقيقا بدون توقيع، هاجمت فيه من وجّه اللوم للشرطة، وكان عنوان التحقيق «الأفاعي يتربصون به، إرفعوا ايديكم عن جهاز الشرطة» قالت فيه وكأنها ترد على ما نشرته: «فإن كان هناك شيء من سوء الأداء في جريمة كنيسة طنطا فإن بطولة حقيقية للشرطة ظهرت في اليوم نفسه بمنع تفجير كنيسة في الإسكندرية، كان قداسة البابا يصلي فيها بالناس! فلماذا رأوا هذه ولم يروا تلك؟ لأنهم يريدون أي ثغرة ليهاجموا منها الشرطة التي يرون في قرارة أنفسهم أنها عدوهم التاريخي الذي يجب الهجوم عليه كلما حانت الفرصة لذلك، وأن هدمها هو أفضل ما يمكن فعله لهدم الدولة المصرية، وهو هدفهم الأسمى. هناك أخطاء في أداء الشرطة التي كانت تقوم بتأمين كنيسة طنطا، ولذلك لم تمر ساعات قليلة إلا وكان وزير الداخلية مجدي عبد الغفار يقيل مدير الأمن في محافظة الغربية وعددا من المسؤولين في الداخلية هناك بعد اجتماعه بهم، ولو لم يكن ثمة خطأ لما أقاله الوزير».

فشل اغتيال ابابا

وإلى البابا تواضروس الثاني ونجاته من محاولة اغتيالة وقول جلال عارف عنه في «الأخبار» في عموده اليومي «في الصميم»: «للبابا تواضروس كل التقدير والمحبة. هذا الرجل الذي يجسد كل صلابة المصريين في مواجهة الشدة، وكل إيمانهم بوطن لا يعرفه دعاة الإرهاب.. ولكنه يسكن في قلوب المصريين جميعا، مباركا من الله ومن أنبيائه ورسله، ومحروسا بعناية السماء وبتضحيات شعب عرف كيف يصون «المحروسة»‬ من كل شر، عبر كل العصور وأمام كل التحديات. للبابا تواضروس كل التقدير والمحبة، وهو يختزن الألم، ويعتصر الحزن النبيل في شرايين القلب، ويواجه الغضب المشروع بإيمان لا يخالطه الشك، وبوعي كامل بأن مؤامرات الأعداء لا يمكن أن تنجح مع شعب علم الدنيا معنى التوحيد وقيمه الإنسانية. وجعل من هذا الوطن عنوانا للتسامح والمحبة على طول الزمن. للبابا تواضروس كل التقدير والمحبة. وهو يستوعب أعمق ما تمثله الكنيسة المصرية بكل وطنيتها، ويدرك أن من زرعوا الموت في الكنائس لم يكونوا يستهدفون أقباط مصر وحدهم، بل كانوا يستهدفون الوطن كله، ويتوهمون أنهم قادرون على تحقيق ما عجز عنه كل أعداء مصر الذين حاولوا زرع الفتنة بين أبناء الوطن، فكانت الخيبة هي ما حصدوه من أوهامهم».

حرب بين الخير والشر

كما قال عنه في «الأهرام» صلاح منتصر في عمودة اليومي «مجرد رأي»: «يلفت النظر في هذه الحكاية ما يلي: 1ـ إن التشدد في مراعاة الإجراءات منع المجرم الإرهابي من تحقيق هدفه، وإن كان قد فجر نفسه يأسا وخوفا، بينما كان هناك مجرم إرهابي آخر يدخل بسهولة كنيسة مارمرقس في طنطا، بدون أن تعوقه أي إجراءات، وأن يصل إلى الصف الأول في الكنيسة ويأخذ مكانه بكل راحة وسط المصلين، ويفجر نفسه خلال الصلاة ليصيب هدفه الذي خطط له. الحماية الإلهية لم تكن وحدها مع مجرم الإسكندرية وإنما كانت هناك الإجراءات وهو ما يؤكد أن قيام الأمن بإجراءاته والتشدد في التطبيق يمكن أن يمنع كوارث. 2ـ عندما أذيع خبر تفجير الكنيستين في طنطا والإسكندرية، قالت لي سيدة قبطية فاضلة كانت تؤدي الصلاة في كنيسة أخرى، بلغنا الخبر وساد الحزن أرجاء الكنيسة، لكننا لم نفزع ولم نصرخ ونهرب وإنما أكملنا صلاتنا في ثقة. 3ـ إذا كان هدف قوى الشر التي خططت للجريمة أنهم بذلك يضعفون علاقة عنصري الأمة فهم واهمون، فهذه الجرائم على العكس زادت من تماسكنا معا. 4ـ العالم كله اهتز للجريمة وشارك في تعزية مصر، وأكبر صحف العالم احتل الخبر صفحاتها الأولى، وبابا الفاتيكان أكد زيارته لمصر، وعلى مصر ألا تتأخر في طلب المساعدة في شكل أحدث معدات الكشف والتصوير والتتبع، فهذه حرب بين الخير والشر، بين البناء والتخريب وأنا واثق أن العالم لن يتأخر عن مصر».

اتهامات للسلفيين

ومن «داعش» ومسؤوليته عما حدث، إلى الاتهامات التي تم توجيهها للسلفيين، لأنهم الذين زرعوا آفة التعصب وكراهية الأقباط، سواء بالفتاوى أو مناهج الدراسة في المعاهد الدينية.
وهو ما اخبرتنا به أمس الرسامة في جريدة «الأهالي» سحر التي قالت إنها شاهدت منظرا عجبا، رأسا ضخما جدا لمتطرف له لحية وشخص على سلم وقد فتح جمجمة المتطرف وأخذ يضع فيها أفكارا وفتاوى ومناهج دراسية.

المجلس الأعلى لمكافحة التطرف

وهذا ما أكدته في اليوم نفسه في «الأخبار» عبلة الرويني التي قالت في عمودها اليومي «نهار»: «ليست فقط طوارئ الدولة.. لكن أيضا طوارئ الناس، طوارئ شعبية، وغضب عام يجتاح المصريين، بعد سلسلة الأحداث المتتالية خلال الأشهر والسنوات الماضية.. تفجير الكنائس واستهداف المسيحيين، تهجيرهم من بيوتهم ومطالبة البعض لهم بدفع الجزية، غضب عام يعلن إصراره على مواجهة الكراهية والعنف. تستعد مجموعة من الكتاب والمثقفين لعقد مؤتمرعاجل وسريع لمواجهة التطرف، والكشف عن المسكوت عنه تاريخيا وحاضرا، والكشف عن المجرم الحقيقي وراء تفجير العقل المصري وتسميم المجتمع.. دعاوى وفتاوى شيوخ السلفية المتطرفة.. مناهج التعليم من الحضانة إلى الجامعة بكل ما تحتويه من دعوة للعنف والتمييز، وبالطبع مناهج التعليم الأزهري وكتب التراث الممتلئة بالخرافة وتأجيج الروح الطائفية والحض على الكراهية والعنف والدعوة للقتل.. ورغم ضرورة (المجلس الأعلى لمكافحة التطرف) الذي أعلن عنه الرئيس.. فإن تشكيله من وجوة ومشايخ سلفيين أو من قيادات الأزهر (التي سبق أن استهانت بمطالبة الرئيس لتجديد الخطاب الديني، وصارت أكثر تشددا).. تشكيل المجلس من رجال دين على هذه الصورة، هو دعوة للاصطدام بالحائط. عضوية المجلس الأعلى لمكافحة التطرف لابد أن تتشكل من رجال فكر مستنير حقا ومتسامح، حريصين بالفعل على ترسيخ قيم المواطنة».

الرقابة على الصحف

وإلى الرقابة على الصحف التي أصبحت حقيقة واقعة، حسب قانون الطوارئ، والتحذير من استخدام النظام لها لأغراض سياسية، أو كما قال أمس الأربعاء محمد أمين في عموده في الصفحة السابعة من «المصري اليوم»: «الطوارئ دواء مر جديد.. كيف نتعايش معها بشكل استثنائي؟ هل تصطدم بحرياتنا؟ هذه إشكالية كبرى، فلا كنا نقبل فرض الطوارئ، ولا نوافق عليها، لكنها دواء مرّ لا يختلف عن دواء صندوق النقد الدولي، فلم نلجأ إلى الصندوق أو الطوارئ إلا مُكرهين. في الحالة الأولى كنا نخشى أن «يفلس» الوطن، وفي الثانية نخشى أن «ينهار» الوطن. قاومنا ألا «تفلس» مصر، ونقاوم ألا نصبح بلا وطن! وبالتأكيد كانت الطوارئ آخر شيء أمام مجلس الدفاع الوطني. بالتأكيد كانت آخر شيء نوافق عليه أو نقبله.. كنا نتحمل حتى تعود السياحة وينشط الاستثمار، ونتنفس هواء طبيعياً، ولكن الهجمة كانت شرسة، والتحديات كانت خطيرة.. إما أن يكون عندنا وطن أو لا يكون.. وبناء عليه ينبغي أن تعرف الدولة أنه مجرد دواء فقط.. وينبغي أن تعرف أن الطوارئ لا تعني تحويل الوطن إلى «سجن كبير» أبداً. فالطريقة التي كان يتكلم بها الدكتور على عبدالعال، أثناء الحديث عن انطلاق الطوارئ أثارت الفزع والرعب.. وكان يقول إن «حالة الطوارئ ستطبق على وسائل الإعلام والصحافة».. وقال إن «القانون ينظم آليات العمل لمواقع تويتر ويوتيوب، وأي استعمال سيئ لها سيضع أصحابها تحت طائلة القانون».. ونحن طبعاً مع ضبط الأداء الصحافي والإعلامي، لكن بدون أي تهديد بالسجون، ولكن بتطبيق القانون! حالة الطوارئ المفترض فيها أنها حالة استثنائية لها أهداف محددة.. فينبغي ألا تشُل حركة المجتمع، أو تقيد مؤسساته أو أفراده أو إعلامه أو صحافته بالوقف أو المصادرة أو خلافه.. ولكن تنصرف فقط إلى المهمة الأصلية وهي مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه.. مادية كانت أو فكرية.. هذا هو المطلوب.. وبالتالي أحذر- هنا- من المساس بالحريات وحقوق الإنسان، مادامت الأمور على أرضية وطنية… الحرية هى أثمن شيء حصلنا عليه بعد ثورتين.. فالناس قد تعيش بلا أكل ولا شرب، ولكنها لا يمكن أن تعيش بلا حرية.. بشرط أن نفرّق بين الحرية والفوضى.. والسؤال: كيف نصنع المعادلة؟ وكيف نحافظ على الوطن دون مصادرة الحريات؟».

الصيد في الماء العكر

وكان السبب في هذا التخوف هو مصادرة جريدة «البوابة» يومين متتاليين لأنها أشارت إلى القصور الأمني وفسر ذلك أمس الأربعاء رئيس مجلس ادارتها وتحريرها وعضو مجلس النواب عبد الرحيم علي بقوله: «البعض خلط بين هذا التوجه والموقف السياسي الذي هو معلن مسبقًا من طرفنا، وغير خافٍ على أحد، وهو أننا أحد داعمي الدولة المصرية والنظام الحالي وأجهزة الدولة ومؤسساتها السياسية والأمنية، وفي مقدمتها المؤسستان العسكرية والأمنية، باعتبارهما رأس الحربة في مواجهة الإرهاب، وهذا ما خلق ما أطلق عليه البعض ممن يهوى الصيد في الماء العكر «الأزمة».

افتحوا «البوابة»

شخصياً لا أعرف الزميل عبدالرحيم علي رئيس تحرير «البوابة» وعضو مجلس النواب. هذا ما بدأ به حسام فتحي رأيه في «المصريون» مواصلا: «مهنياً اختلفت مع مبدأ بث التسريبات الخاصة بمكالمات السياسيين والناشطين، دون احترام للدستور ولكل مبادئ الخصوصية، ولم أقتنع ـ وهذا حقي ـ بالمبررات والحجج التي ساقها عبدالرحيم علي. سياسياً لا أشك للحظة في وطنية وإخلاص شخص عبدالرحيم علي، وخصومته السياسية والعقائدية مع فصيل الإخوان ومكافحته بكل السبل لأفكارهم، حتى أنه يصنف على أقصى يمين الحكومة. عموماً لا أكتب بهدف الدفاع عن «شخص» هو قادر تماما على الدفاع عن نفسه، سواء بقلمه ـ وقد فعل ـ أو من خلال صوته تحت قبة البرلمان، أو باستخدام أدواته الإعلامية التي يملكها ويديرها، ولكن أكتب دفاعا عن مبدأ استسهال مصادرة الصحف، وتكميم الأفواه، بدلا من اللجوء إلى القانون، وعلى حد علمي.. ما لهذا أعلن الرئيس حالة الطوارئ! صبيحة التفجيرات المؤلمة تم طبع صحيفة «البوابة» التي يرأس تحريرها عبدالرحيم علي بعنوان «يوم أسود في تاريخ مصر».. واتهم وزير الداخلية بالتقصير الأمني، وتمت مصادرة العدد، وهنا يجب أن تقف وتتساءل:
إذا لم يكن هناك تقصير أمني في تأمين كنيسة طنطا، فلماذا تمت إقالة مدير أمن الغربية في اليوم نفسه؟ وكيف وصلت المتفجرات إلى داخل الكنيسة؟ إذن التقصير الأمني في هذا الأمر كان موجودا، وتقابله يقظة وانتباه في حادث كنيسة الإسكندرية أديا إلى نقل البوابة الإلكترونية بعيدا عن المدخل، وكشف الإرهابي ومنعه من الدخول، ما أجبره على تفجير نفسه في الشارع، وحقن كثيرا من الدماء، وهو أداء أمني يستحق الإشادة. وهنا نتساءل أيضا: هل انتقاد أداء وزارة الداخلية يضعنا تحت طائلة «حالة الطوارئ»؟.. وهل لهذا تم فرضها؟.. وهل الأمر كان شخصيا ضد شخص وزير الداخلية؟.. أم انتقاد لأداء أمني؟ عموما أرجو أن يسارع الصديق العزيز عبدالمحسن سلامة نقيب الصحافيين إلى التدخل لمعالجة الأمر في أول اختبار حقيقي له يتعلق بقلب العمل الإعلامي.. ألا وهو حرية الصحافة،.. ولا يمنع ذلك من استمرار المطالبة بضبط الأداء الإعلامي «المنحدر» منذ فترة.. ولكن.. ما هكذا تورد الإبل يا حكومتنا الرشيدة».

الحذر واجب

ومع ذلك فقد حذر السيد البابلي أمس الأربعاء في «الجمهورية» في عموده اليومي «رأي» من استغلال النظام للطوارئ وقال: «يجب في هذا أن نكون على حذر من أن يقودنا الإرهاب إلى اتخاذ خطوات وإجراءات تأتي علينا بانعكاسات سلبية وانتقادات دولية. فالعالم يساندنا الآن وبقوة في كل ما اتخذناه من إجراءات للتصدي للإرهاب. ولكن هذا العالم سوف ينسى ويتناسى سريعاً ما وقع من أعمال إرهابية. ولن يتذكر ويستوعب إلا ما سيراه أمامه من مشاهد قد لا يحسن تفسيرها وقبولها. وتعيدنا مرة أخرى إلى دائرة الدفاع والتوضيح. وتدخلنا في متاهات نحن في غني عنها. ومشكلتنا دائماً تتعلق بإسناد مهمة الاختيار والخيارات والترشيح لبعض الأجهزة التي قد لا تهتم بالمهنية والاحترافية والكفاءة، بقدر اهتمامها بمعايير أخرى تعتمد الثقة مقياساً والخدمات الخاصة معياراً».

في الغضب مرغوب ومحظور

والتخوف نفسه أبداه فهمي هويدي في مقالة له في «الشروق»: «إن استسلام الأفراد للغضب يظل محدود الأثر في أسوأ فروضه. إلا أن السياسي إذا وقع في ذلك المحظور فإن الأثر يصبح أفدح وقد يفضي إلى ويلات لا تخطر على البال. وتدفع أعدادا غفيرة من البشر أثمانا باهظة جراءه. وليس غائبا عن البال أن شرارة الحرب العالمية الأولى (1914 ــ 1919) انطلقت في لحظة غضب استسلم لها امبراطور النمسا والمجر فرانسوا جوزيف، حين قتل ولي عهده على يد دولة صغيرة هي صربيا، فشعر الرجل بالإهانة التي دفعته إلى إعلان الحرب عليها مع إدراكه بأن موازين القوى في أوروبا لم تكن في صالحه، الأمر الذي أشعل الحريق الكبير الذي راح ضحيته نحو 20 مليون شخص. أرجو ألا يلتبس الأمر على أحد لأن ما أدعو إليه على وجه الدقة أن يستمر الغضب بشرطين، أولهما ألا يصبح حاكما للقرار السياسي. وثانيهما أن تقدر الأمور بقدرها، فلا نشتط فيه، بحيث يهدر مصالح أخرى تتعلق بأمن الناس وحرياتهم، ولا نتخذه ذريعة لتمرير أمور أخرى لا علاقة لها بالموضوع، مثل قضية تيران وصنافير التي أثير حولها لغط كبير نظرا لحساسيتها الوطنية، الأمر الذي من شأنه أن يوقعنا في محظور أكبر. إن أكثر ما يبعث على القلق في ما يجري أن توظف دماء الأقباط التي أريقت ليس في توثيق عُرى اللُحمة الوطنية، وإنما في تشديد قبضة السلطة وإهدار مبادئ الدستور وضمانات القانون. وأزعم في هذا الصدد أن إسقاط أولوية الديمقراطية ورفع شعار «الأمن أولا» يمثل منزلقا خطرا يخدم نزعات السلطة ويلحق ضررا فادحا بالمجتمع. ذلك أن الأمن تحرسه الأجهزة الأمنية ولا توفره. في حين أن الديمقراطية وحدها ترسى قواعد السلام والأمن للمجتمع، وأي تجاهل لها أو إهدار لمبادئها يخدم الإرهاب وإن ظن بعض حسني النية أنه يخدم السلطة».

معارك وردود

وإلى المعارك والردود المتنوعة التي بدأها في «الوفد» مصطفى عبيد بمهاجمة من اعتبرهم مطبلاتيه للرئيس عبد الفتاح السيسي، وحذّر من خطورتهم بقوله: «أكتب تعليقاً على حديث أدلى به الرئيس إلى «فوكس نيوز» قبل أيام قال فيه إنه ليس ديكتاتوراً، وإنه لا يوجد ديكتاتور يحكم أربع سنوات أو حتى عشر سنوات. وأكد الرئيس أن الديكتاتور يحكم عادة 30 عاماً أو 40 عاماً، في إشارة لمبارك أو القذافي أو غيرهما من الرؤساء المُعمرين في خريطتنا العربية.
وبلا شك فإن الرئيس السيسي مُحق في ما يرى بأنه ليس ديكتاتوراً وحُكمه مُحدد المُدة، وأن بقاءه مرهون بإرادة المصريين، لكن مَن قال أن الأجواء التي تُحيطه من مهازل تصفيق دائم، ووصلات مدح صادح، وتحريض علني ودائم على كل مخالف ستحفظه لنا كما عهدناه وعرفناه؟ كيف نضمن ألا يتغير وحوله الهتيفة والمبرراتية وميكروفونات صدى الصوت، التي لا تُناقش ولا تُجادل ولا تنقُد ولا تُحلل ولا تتدبر ولا تتأمل ولا تُفكر؟ كيف يبقى مُعافى من الديكتاتورية والاستبداد ودولة «آمين» تتسع فلا نسمع فكراً آخر ولا توجهاً مختلفاً ولا رأياً مُعارضاً؟ ديكتاتورية المُهللين والمُصفقين و«شلل الهتيفة» تضُر الرجل، في تصوري، أكثر مما تُفيده، ووفود التأييد المُصاحبة في الرحلات الخارجية، وإعلاميو التحريض على المعارضين أو المُغردين خارج السرب تُفسد المشهد».

أباطرة السوق

وثاني المعارك كانت من نصيب وليد عبد العزيز في «الأخبار» وهجومه على التجار بقوله في عموده «فضفضة»: «لم أجد وصفا أصف به أباطرة السوق الذين يتحكون في أسعار السلع إلا وصف اللصوص، لأنهم باختصار يسرقون الشعب عيني عينك، بحجة أن سعر الدولار ارتفع إلى أكثر من الضعف مقابل الجنيه. خلال شهرين فقط أسعار السلع تحركت نحو الارتفاع، رغم ثبات سعر الدولار، وانخفاض الإقبال على السلع، وتدخل الحكومة أكثر من مرة لضخ كميات من السلع الأساسية بأسعار معتدلة. قد تكون الحكومة مغلوبة على أمرها لأنها تتحكم في سوق حر لا تحكمة تسعيرة جبرية، ويحكمة العرض والطلب، ولكن هذا لا يعفي الحكومة من أنها مطالبة بالتدخل بأفكار وأدوات مبتكرة يكون لها تأثير على حركة الأسعار».

المصريون عبء ثقيل على الوطن

وإلى «المساء» ومحمد أبو كريشة، الذي طلب منا الاستماع إلى رأية في حالة الشعب المصري الآن بعد أن شاهد وسمع الصخب الذي يدوي في وسائل الإعلام والفيسبوك، وقال: «خلاصة ما يحدث في مصر الآن أن الجنازة حارة والميت كلب، وأن الجنازة باردة والميت قلب.. قلوبنا ماتت وتعيش جيوبنا وبطوننا وفروجنا.. وكل المؤسسات في مصر تجد فيها قلة عاملة.. وكثرة ناقدة وقادحة وواقفة احتجاجاً.. الناس لا يذهبون إلى جهات عملهم إلا ليصرفوا المرتبات والمكافآت والحوافز، أو ليقفوا احتجاجاً. والناس في بلدي بلغوا من البجاحة حداً لا يطاق ولا يجدي معه قانون ولا لوائح ولا قرارات. بجاحة الناس جعلت القوانين حبراً على ورق.. والناس في بر مصر لا يكفون عن الكلام والشكوى والتوجع الوهمي من أمراض ومشاكل لا وجود لها.. ويقولون لي دوماً: «حرام عليك.. الناس مش لاقية تاكل».. فأقول: دلوني على «اللي مش لاقي ياكل». الدولة فقط هي «اللي مش لاقية تاكل».. لذلك قلت وأقول دوماً.. أتمنى أن أكون فقيراً في وطن غني، وأن أكون ضعيفاً في بلد قوي وأكون مريضاً في بلد معافى.. أما المصريون فإنهم أغنياء في بلد فقير وأقوياء في دولة ضعيفة وأصحاء في وطن مريض.. وهناك نظرية الاستحلال الإرهابية التي يطبقها المصريون بكل أمانة وبجاحة أيضاً.. استحلال أموال الدولة.. «اللي ييجي منهم أحسن منهم». الناس يستحلون أموال وموارد الدولة ومؤسساتها.. والإعلام لا يكف عن النباح.. إعلام الموالاة وإعلام المعارضة.. هناك غباء موالاة ووقاحة وغباء معارضة.. والناس يستحلون حتى دم الدولة.. يسعدهم من يهاجمها بالباطل ويحزنهم من يمدحها بالحق.. المصريون بكل أمانة صاروا عبئاً ثقيلاً على الوطن.. صاروا عالة «وحالة فيها استحالة» على رأي وردة.. والمصريون صاروا جميعاً إعلاميين.. عندنا مئة مليون إعلامي الآن.. مئة مليون خبير.. مئة مليون محلل.. كل واحد لديه صحيفة أو صفحة على الفيس أو مدونة أو قناة فضائية.. كلنا الآن إعلاميون.. حتى الذين يجلسون على المقاهي والغرز صاروا إعلاميين ومحللين.. وإذا حاورت أحداً فإنك خاسر لا محالة لأن الحوار عبثي.. فهو يعرف أكثر منك وأنت لا مؤاخذة مش فاهم حاجة.. طب أقولك على حاجة.. طب من غير قطع كلامك ثم يقطع كلامك.. وماذا أقول لك؟ لا شيء سوى أننا أصبحنا عالة.. وحالة فيها استحالة».

الدفاع عن أجدادنا الفراعنة

وآخر المعارك ستكون من نصيب أحمد عبد التواب في «الأهرام» الذي هاجم وزير الأوقاف الدكتور الشيخ محمد مختار جمعة دفاعا عن أجدادنا الفراعنه وقال ردا على قول الوزير: «إن من يقوم بالتفجيرات لا دين لهم ولا ملة، غير أنهم من أتباع الضلال والهوى مثل فرعون وأعوانه» والخلاف، لعدة اعتبارات منها استخدامه سلاح التكفير المُدمِّر للمجتمع، حتى إذا كان ضد التكفيريين. وثانياً، لأنه ينفي عنهم الانتماء إلى الإسلام، في حين أنهم يرددون أفكاراً مما يقال على المنابر من فئة مشايخ التطرف. وثالثاً، لهذا الكلام الغريب عن فرعون وأعوانه، وكأن مصر لا تمتلئ في طول الوادي والصحارى بمعابد فرعونية تؤكد عمق التدين لدى الفراعنة والتزامهم بالعبادة والصلاة! فهل يوصم بالضلال من عاشوا قبل الإسلام بآلاف السنين . من الواضح أن الهوة لا تزال كبيرة بين دعوات الرئيس السيسي، التي وصلت إلى المطالبة بإحداث ثورة دينية، وبين التوجهات المتجلية على الأرض، حيث يبدو داء التكفير أفدح مما كان يظهر على السطح، حتى إنه طال الفراعنة، وفي الوقت نفسه يبارك المُكفّرون إيمان «داعش» لأن رجاله نطقوا بالشهادتين».

تيران وصنافير

«ما إن وافق مجلس النواب على تطبيق «حالة الطوارئ» على البلاد، حتى قرر رئيسه إحالة اتفاقية «تيران وصنافير» إلى اللجنة التشريعية والدستورية للمجلس. البعض ربط بين الخطوتين. هذا ما بدأ به محمود خليل مقاله في «الوطن»: «وأنا من جهتي أتحفظ على هذا الربط، وثمة سبب وحيد يدعوني لذلك هو ببساطة «أشرف فرحات»، أشرف فرحات هو المحامي الذي حصل على حكم من محكمة الأمور المستعجلة بإسقاط حكم «الإدارية العليا» الذي يقضي بمصرية الجزيرتين. منذ بضعة أيام صرح المحامي المذكور بأنه سيتنازل عن القضية، لأنه لم يعد يحتمل الاتهامات التي وجهت إليه، ونظرة من حوله له وكأنه محامي الحكومة. لهذا السبب أقول لك اطمئن: الجزيرتان مصريتان، الحكم صدر من الشعب، بأن ذلك واضح للجميع فى مظاهرات الفرحة العارمة التي اجتاحت المصريين، ونقلتها وسائل الإعلام بعد صدور حكم المحكمة الإدارية العليا بمصرية الجزيرتين. مجلس النواب مصرّ على طرح الاتفاقية، بل اتخذ خطوات فعلية فى هذا الاتجاه، والحكومة أصرت على تحويل الاتفاقية إليه، ووعد رئيسها بتزويد المجلس بجميع الوثائق المتعلقة بها. الجميل فى هذا الموقف أن الكل سيكون مطالباً بتحديد رأيه وتوجهه فيما يخص الأمر. نريد أن نسمع النواب نائباً نائباً وهم يحددون موقفهم من الجزيرتين. الحرية مكفولة للجميع، النائب الذي يملك القدرة على القول بأن الجزيرتين سعوديتان يخرج ويقول رأيه، فهذا حقه، ومنه بعد ذلك إلى الشعب. الوزير الذي يريد أن يصرخ بسعودية الجزيرتين يفعل، ومنه بعد ذلك إلى الشعب. دعني أذكرك من جديد بأن أشرف فرحات هرول إلى محكمة الأمور المستعجلة ليتنازل عن القضية التي حصل منها على حكم بسعودية الجزيرتين، وعندما خرج إلى وسائل الإعلام أعلن أنه يقر بمصرية الجزيرتين، وأن ثمة «لخبطة» حدثت في ترتيب أوراق القضية، وأنه لم يكن يقصد على وجه الإطلاق القول بسعودية الجزيرتين، لقد فعل ذلك لأنه وجد نفسه في مواجهة أفراد الشعب من المحيطين به، فلم يقوَ على المواجهة، وأعلن التنازل. معذور.. من يملك الصمود أمام شعب قرر وحكم؟ أفهم أن تناقش حالة الطوارئ التي قررها الرئيس من زوايا أخرى، وليس من زاوية تيران وصنافير أو غيرها من الزوايا المتعلقة بمواد دستور 2014، ربما رأى القائمون على الأمر في مصر أن الطوارئ يمكن أن تكون مدخلاً جيداً للقضاء على الإرهاب، ربما، لكن التجربة الزمانية والمكانية تقول بغير ذلك، فقد فرض مبارك الطوارئ على المصريين لمدة 30 سنة، وكما تعلم فإن الطوارئ مفروضة في سيناء، وما زلنا حتى الآن نخوض معركة شرسة ضد الإرهاب. والسبب في ذلك بسيط للغاية، ربما يكون الرئيس قد لمَّح إليه في كلمته عقب تفجير كنيستي طنطا والإسكندرية، عندما تطرق إلى بعض الدول التي تمول الإرهاب. المسألة في الأول والآخر فلوس واقتصاد. وقد يكون إنعاش الأوضاع الاقتصادية مقدمة جيدة لضرب جرثومة الإرهاب داخل هذا المجتمع، فعملياً نجد أن أكثر من يسقطون في حجر الإرهابيين من المسحوقين اقتصادياً، نعم يصح استثناء أن ينضم إليهم شخص لا يعاني اقتصادياً، لكنه يبقى استثناء يؤكد القاعدة ولا ينفيها. والكل يعلم أن فرض حالة الطوارئ يمنح رسالة للخارج لها مردود سلبي على السياحة والاستثمار، في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى الإنعاش الاقتصادي».

رفع شعار «الأمن أولا» منزلق خطر يخدم نزعات السلطة ويلحق ضررا فادحا بالمجتمع

حسنين كروم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية