البارونة سعيدة حسين وارسي عضو مجلس اللوردات في بريطانيا تثبت مجدداً أنها سيدة ذات مبدأ ولا تخاف لومة لائم في قول الحق.. فها هي مجدداً تطرق باباً لم يطرقه من قبلها احد، وتطالب بمحاسبة عشرات المتطوعين البريطانيين وجلهم من الجالية اليهودية ومن حاملي الجنسية المزدوجة، الذين يخدمون في جيش الاحتلال الاسرائيلي، ويقتلون ويذبحون أبرياء فلسطينيين.
هذه المطالبة الجريئة ربما تفتح الباب على مصراعيه أمام آخرين لكي يدلوا بدلوهم في هذه القضية الحساسة التي ينأى الكثير من السياسيين بأنفسهم عنها خوفاً من ارتداداتها وانعكاساتها على مستقبلهم ومواقعهم. وقد تشجعهم على مطالبة الحكومة البريطانية بالتعامل بالمثل ودون تمييز او تفريق مع كل المتطوعين والمرتزقة، الذين يلتحقون بدول او جماعات ارهابية، فهؤلاء كغيرهم يقتلون ويذبحون مدنيين أبرياء، ويحاربون لحساب دولة أجنبية حتى وإن كانت تربطها علاقات صداقة متينة مع بريطانيا مثل إسرائيل. فلا شيء مضموناً في هذا العالم المتغير بل المتقلب، فصديق اليوم قد يصبح عدو الغد اذا ما تضاربت المصالح، هذا ما علمتنا إياه السياسة.
وحسب ما قالته في حديث أجراه معها موقع «ميدل إيست آي»، فان البارونة تسعى إلى سد ثغرة تقول إنها صممت لحماية إسرائيل، وتسمح بالتمييز بين البريطانيين الذين يحاربون في صفوف جيوش دول مثل إسرائيل وباكستان، وبين البريطانيين الذين يقاتلون ضمن صفوف جماعات خارج إطار الدولة، مثل المنظمات الكردية والمنظمات المتطرفة.
ولا نلمح بأي شكل من الاشكال أن تسمح الحكومة البريطانية بعودة إرهابيي وقتلة تنظيم الدولة «داعش» او غيره من التنظيمات الارهابية، الذين قتلوا من المسلمين اضعاف اضعاف ما قتلوا من الاجانب، الى الاراضي البريطانية، بل عكس ذلك نضم صوتنا الى صوت البارونة وارسي لمنع هؤلاء البريطانيين الذين يعملون في صفوف الجيش الاسرائيلي من العودة. فهم كغيرهم من جنود الاحتلال يقتلون الابراياء من المدنيين، ويدمرون ويعيثون في الاراضي الفلسطينية فساداً كغيرهم من المتطوعين للعمل ضمن جماعات ومنظمات ارهابية اخرى.. فاذا كان هناك مرتزقة بالمال فهناك مرتزقة بالمعتقدات فالقتل هو القتل أياً تكن أشكاله وأنواعه.
وبمطالبتها الجريئة، التي لم يسبق ان تطرق اليها مسؤول كبير في حزب المحافظين، أو أي حزب آخر وبهذا الوضوح، فإن البارونة وارسي «تنكش عش الدبابير»، وهي لا تهاب المواجهة.
البارونة سعيدة وارسي لمن لا يعرفها تقلدت اعلى المناصب في حزب المحافظين الحاكم. فكانت رئيسة للحزب وليست زعيمة له، لسنتين (2010-2012) وشغلت منصب وزيرة منذ ايلول/سبتمير 2012، حتى مطلع اغسطس/ اب 2014، واختارت ان تستقيل من هذا المنصب احتجاجاً على موقف حكومة ديفيد كاميرون الائتلافية مع حزب الاحرار الديمقراطيين من الحرب الاسرائيلية الثالثة على غزة. وقالت البارونة سعيدة في رسالة الاستقالة في حينها «إنها لم تعد قادرة على دعم سياسة الحكومة ازاء الحرب على غزة».. ووصفت هذه السياسة بأنها «لا يمكن الدفاع عنها».
وعن تلك الحرب تقول البارونة «إن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب في هجومها على غزة في عام 2014، وكانت حينها وزيرة في حكومة ديفيد كاميرون الائتلافية. قتل أثناء الحرب ما يزيد على 2,200 من سكان قطاع غزة، وأصيب ما يقرب من 11 ألفاً. وأعتقد بشكل قاطع أن سياستنا تجاه إسرائيل سياسة خاطئة. إذا عدت إلى التصريحات التي صدرت عن وزير الخارجية آنذاك، وتزامن ذلك مع التصويت في البرلمان على الاعتراف بدولة فلسطين، قالت الحكومة حينها إن الوقت لم يحن، وربما بعد ستة شهور. والآن مضى على ذلك نحو ثلاثة أعوام. فما الذي تغير؟ لا تزال المستوطنات تُبنى، ولا يوجد اعتراف رسمي بدولة فلسطين، ولم تتقدم عملية السلام قيد أنملة. الوقائع على الأرض هي التي تتغير.
وهاجمت البارونة رئيسة الوزراء تيريزا ماي وقالت إنها «تفتقر للشجاعة الأدبية والخاصية القيادية»؛ لإخفاقها في حضور مؤتمر باريس للسلام، الذي انعقد في شهر كانون الثاني/يناير (الماضي)، وتدخلها لمنع الاتحاد الأوروبي من تبني البيان الختامي للمؤتمر».
وتابعت القول: «عندما يكون لديك زملاء في البرلمان، ينكرون حق فلسطين في الوجود، مثلما فعل النائب المحافظ روب هالفون بقوله بإمكان الفلسطينيين العيش في الأردن، هذا يعني إنكاراً لحقهم في الوجود. بل باتت المعارضة المشروعة لسياسات الحكومة الحالية في إسرائيل، غير مشروعة».
والسؤال هو ما الذي يجعل شابة تحتل اعلى المناصب في بريطانيا وما زال المستقبل مفتوحاً امامها، كي تخاطر بمناصبها.. كان بامكانها فقط ان «ترقع خطاباً نارياً» تدين فيه الحرب الاسرائيلية على غزة، وتحتج على سياسة حكومتها، وتنال على هذا الموقف التصفيق، ويسطع نجمها في اوساط العرب والفلسطينيين والمسلمين طبعاً. ولكنها اختارت الطريق الاصعب.. طريق المواجهة بإثارة القضايا التي يعتبرها اللوبي الصهيوني المتغلغل في حزب المحافظين، خطاً احمر وحقل الغام. ليس ثمة ما يجبرها على مثل هذه المواقف، سوى انسانيتها ومواقفها المبدئية ووقوفها الى جانب القضايا العادلة.. وهل هناك اكثر عدالة من القضية الفلسطينية؟
ان البارونة وارسي مجدداً تقرن القول بالفعل، خلافاً لغيرها ممن اختار الطريق الاسهل والاقصر والرضوخ للضغوط الصهيونية.
والمثال الحي على ذلك صادق خان الذي انقلب 180 درجة بعد فوزه برئاسة بلدية لندن قبل نحو عام، وادار ظهره لا للقضية الفلسطينية فحسب، بل ايضاً لرفاقه في حزب العمال ونأى بنفسه عنهم لا سيما زعيمه جيريمي كوربين وصديقه كين ليفينغستون الذي يخضع لمحاكمة داخلية في الحزب على تصريحات له، قال فيها ان الحركة الصهيونية تعاملت مع هتلر، وهذه حقيقة اكدتها حتى صحيفة «هآرتس» (كتبت في هذا الموضوع قبل بضعة اشهر) وبضغوط من اللوبي الصهيوني سواء داخل حزب العمال او خارجه، راح خان وغيره من المتسلقين يطالبون بإقصاء ليفينغستون من الحزب بتهمة معاداة السامية. وهي تهمة ينفيها ليفينغستون ويرفض ايضاً الاعتذار عما قاله. ويحاول اللوبي الصهيوني تدفيعه الثمن غالياً.
*** إضراب الأسرى
اللوبي الصهيوني في بريطانيا ومن ورائه اسرائيل، لم يتحمل حتى عرض فيلم عن الاسرى الفلسطينيين ممثلين بمروان البرغوثي الذي يقود إضراباً مفتوحاً عن الطعام، فمارس ضغوطه ونفوذه وتهديداته لارغام ادارة الفندق الذي كان سيعرض فيه الفيلم، على الغاء الاتفاق قبل ايام قليلة من الموعد. دولة بقوة اسرائيل تخاف حتى من الاسرى في سجونها.
وقبل ايام قامت الدنيا في اسرائيل ولم تقعد والسبب ان صحيفة «نيويورك تايمز» نشرت مقالاً بقلم مروان البرغوثي، بيّن فيه اسباب الاضراب عن الطعام الذي وصفه بآخر الوسائل والخيارات التي يملكها الاسرى لمواجهة القمع والتنكيل والمطالبة بحقوقهم معرباً عن امله في ان توصل الامعاء الخاوية رسالتهم للعالم اجمع.
وتجند اقطاب السياسة الاسرائيلية من اليمين الى اليسار، لمهاجمة الصحيفة واتهموها كما اتهموا البرغوثي بالتضليل لتعريفه بقيادي وبرلماني فلسطيني»، وهو ما وصفوه بتضليل متعمد. وفي نهاية المطاف رضخت «نيويورك تايمز» وكتبت في توضيح لها ان البرغوثي ادين بخمسة ملفات قتل في اسرائيل وله علاقة مع تنظيم «ارهابي»، وأنه لم يقبل بتوكيل محام للدفاع عنه ولم يعترف بالمحكمة الاسرائيلية.
فتحية اجلال وتقدير لأسرانا في اليوم السادس من اضرابهم ونضالهم لتحقيق مطالبهم ونيل حقوقهم.
وتحية تقدير وإجلال ايضاً الى البارونة وارسي وهي تستحق اكثر من التحية.. انها تستحق ارفع وسام لدى السلطة الفلسطينية على ما قدمته وتقدمه من اجل القضية الفلسطينية.
واختم بدعوة السلطة لان تضم صوتها الى صوت البارونة وارسي في هذه القضية. وتضيف الى مطالبتها بريطانيا بوقف الاحتفال بذكرى وعد بلفور المشؤوم والاعتذار عنه للشعب الفلسطيني على ما تسبب به من اسوأ كارثة في القرن الماضي، مطلباً آخر وهو منع حاملي الجنسية (البريطانية/ الاسرائيلية) المزدوجة من يهود بريطانيا، من الانضمام الى صفوف جيش الاحتلال، لما في ذلك من انعكاسات سلبية على الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال.
«كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
علي الصالح