قراءة في سياق المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية بواشنطن

حجم الخط
0

بعد أكثر من عشرين سنة على انطلاق أولى مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وفي الوقت الذي مر فيه أزيد من ثلاث سنوات على توقف آخر مفاوضات بين الطرفين، تمكن جون كيري بعد جولات من الزيارات المكوكية للمنطقة، من جمع أطراف الصراع في واشنطن من أجل استئناف مفاوضات أريد لها أن تستكمل ما لم تستكمله المباحثات السابقة، وأن تطرح كل القضايا الأساسية على الطاولة، قضايا وصفتها إسرائيل بأنها صعبة ومعقدة ومفعمة بالمشاعر.
تأتي مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين في سياق إقليمي ودولي يتسم بكثير من عدم الاستقرار والتوتر، فهي تأتي في خضم ‘ربيع عربي’ ما يزال يموج بكثير من المفاجآت والمتغيرات والأحداث المؤلمة، سواء في مصر التي تم فيها عزل رئيسها الإخواني محمد مرسي، وما استتبع ذلك من أحداث واضطرابات دامية وانقسام حاد في الشارع المصري مرشحة للمزيد من التصعيد والقلاقل الخطيرة، خاصة في سيناء حيث تشترك مصر مع إسرائيل بحدود هي الأطول لأي دولة عربية مع الكيان الإسرائيلي، كما أنهما يرتبطان بمعاهدة ‘كامب دافيد’ التي ترسم خطوطا جد دقيقة لوجود وتحرك القوات المصرية في شبه جزيرة سيناء، إضافة لحالة الإرباك والاضطراب السياسي والميداني الذي تشهده كل من تونس وليبيا، حيث دخل عنصر الاغتيال السياسي على خط المواجهات في هذين البلدين، هذا من دون إغفال يوميات الأحداث في سورية التي تكشف كل يوم عن تغييرات جوهرية في الملمح الميداني والعسكري فيها، وأمام هذا السياق الإقليمي الساخن جدا، الذي يمكن لتداعياته أن تصل إلى عقر دار إسرائيل نفسها، خاصة في ضوء حجم المظالم والاعتداءات على الفلسطينيين، إضافة إلى الجو العام النفسي الذي أحدثه ‘الربيع العربي’ اللذين يجعلان من اندلاع انتفاضة ثالثة مؤرقة لإسرائيل أكثر قربا من أي وقت مضى.
في مقابل هذا السياق المتوتر فإن استئناف مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين تأتي في إطار واقع فلسطيني يتسم بكثير من التردي والتدهور، سواء على مستوى العلاقة بين الفصائل الفلسطينية، خاصة بين ‘فتح’ و’حماس’ وواقع المقاومة الفلسطينية للاحتلال الصهيوني، أو على مستوى السياسة الإسرائيلية تجاه الأرض والإنسان الفلسطيني، التي تميزت بما يلي:
– على مستوى العلاقات الفلسطينية وواقع المقاومة: تميز هذا الوضع باستمرار حالة الصراع والخصام والانقسام بين ‘فتح’ و’حماس’، على الرغم من الحديث المتكرر بضرورة الوصول إلى المصالحة الفلسطينية، وقد تم تكريس حالة الانقسام هاته أكثر فأكثر، حتى وصل الأمر إلى حد التراشق الإعلامي بين ‘فتح’ و’حماس’، الذي بلغ حد اتهام هذه الأخيرة للأولى بالعمل على تشويه صورة ‘حماس’ إعلاميا ومحاولة توريطها في الأحداث الجارية في مصر، عبر كشفها للعديد من الوثائق الرسمية التي تقول بأنها صادرة عن السلطة الفلسطينية والتي نفتها هذه الأخيرة، كما أن واقع مقاومة الاحتلال خاصة من طرف ‘حماس’ يبدو أنه في تراجع مستمر لأسباب عدة ترجع كلها لأخطاء إستراتيجية ارتكبتها ‘حماس’ وبشكل متراكم، التي بدأتها بالسيطرة على الحكم في غزة، وما يعنيه ذلك من تعارض وتناقض بين مستلزمات الحكم وتسيير القطاع وما يفرضه من متطلبات وتوازنات وخطوط لا يمكن تجاوزها، وبين متطلبات المقاومة التي يجب أن تكون متحررة من قيود السلطة، خاصة أنه ليس هناك أي شيء قد تحرر بمفهومه الصحيح، وأن حجم التحديات والمهام أكبر بكثير من سلطة في قطاع لا تتوفر فيه أدنى مقومات الاستمرار، لتنهيها بحالة العزلة الذي أصرت ‘حماس’ على وضع نفسها فيها، حيث نصبت أفخاخا كثيرة بيدها لنفسها، أضرت كثيـــــرا بالقضــــية الفلسطــــينية، فعوض أن تضع نصب عينيها مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، أصرت على إقحام نفسها في توازنات ومحاور أكبر من حجمها ودورها بكثير، مما ينم عن قصور مهــــول في الــــرؤية الإستراتيجية للكثير من قياداتها، خاصة عندما غادرت مكاتبها سورية لتستقر في قطر عوضا عن أي دولة عربية أخرى يمكن أن تحتضنها خاصة مصر، فهل تعتقد ‘حماس’ فعلا بأن المقاومة تصنعها أموال البتردولار، وهل تظن أنها ستقوم بهذا الدور وهي بين أحضان القواعد الأمريكية؟
– على مستوى السياسة الإسرائيلية تجاه الأرض والإنسان الفلسطيني: إن أي تحليل لعدة جولات من مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين لا بد أن يلاحظ مدى هزالة مفاعيل كل هذه المفاوضات والحوارات بين الجانبين على الأرض، فبدءا بمفاوضات مدريد سنة 1991 ومرورا بمفاوضات 1993، حيث تم تبريد القضية الفلسطينية في جليد أوسلو، التي توجت سلسلة من المباحثات السرية بين الجانبين، ثم بعد ذلك عقد مجموعة من المؤتمرات للسلام كان أبرزها مؤتمر ‘كامب ديفيد’ ومؤتمر ‘أنابوليس’، وصولا إلى المباحثات المباشرة بين محمود عباس (أبو مازن) ونتنياهو سنة 2010، فإن النتائج كانت على الشكل التالي:
أولا: استمرار الاعتقالات الإسرائيلية للفلسطينيين، حيث أن السجون الإسرائيلية مليئة بالأسرى الفلسطينيين، الذين بلغوا حوالي مئة وخمسون الف أسير، منهم عدد مهم من أسرى القدس وفلسطينيي الداخل (عرب 48(.
ثانيا: تعرض مدينة القدس لأبشع حملة تهويد في تاريخ هذه المدينة المقدسة، حيث تغيير معالم المدينة الإسلامية والمسيحية وتطبيق سياسة التهجير الممنهج للمقدسيين العرب، وذلك عبر سحب هوياتهم ومصادرة أراضيهم وإخلاء منازلهم بالقوة لصالح المستوطنين اليهود، وإثقال كاهلهم بشتى أنواع الضرائب والمكوس، من أجل تحقيق هدف جعل الفلسطينيين في القدس أقلية لا تتجاوز 12 في المئة.
ثالثا: تضاعف أعداد المستوطنات التي تبنيها الدولة العبرية بشكل كبير جدا، التي تقطع بها أوصال أي دولة فلسطينية مزمعة، والغريب في الأمر أنه وفي أجواء مفاوضات واشنطن فإن الحديث عن بناء ألف مستوطنة في الضفة الغربية لم يشكل أي إحراج لهذا الكيان.
رابعا: استمرار الحصار والاعتداءات الإسرائيلية وبصفة دورية على قطاع غزة، التي كان من نتائجها الكثير من المجازر والجرائم التي تحمل صفة جرائم ضد الإنسانية.
وعليه فإنه إذا كان جون كيري قد حاول إيجاد ثغرة في جدار انسداد الأفق السياسي لحل القضية الفلسطينية وإعلان البيت الأبيض في بيان له عن استعداده لمساعدة الطرفين على تحقيق سلام عادل ودائم بين الطرفين على أساس الدولتين، فإن رئيس الولايات المتحدة نفسه سرعان ما فطن لاستحالة تحقق هذه الأهداف المعلنة، وذلك عبر تحذيره للجانبين من الخيارات الصعبة التي تنتظرهما، وهذا ما يعكس نوعا من الاقتناع النفسي العميق بعدم إمكانية الوصول إلى أي سلام دائم وعادل، فالقضية الفلسطينية جد معقدة وذات حساسية تاريخية ودينية ضاربة بجذورها في عمق التاريخ، ولا ترتبط بالفلسطينيين ولا بالعرب وحدهم، بل هي قضية أشمل من ذلك بكثير، فهي قضية كل المسلمين، بل كل الأحرار والمناضلين من أجل تصفية الاستعمار في هذا العالم، وهي قضية قائمة على ملفات كبرى، أبرزها الأرض واللاجئون والقدس والمياه، بدونها لا يمكن الحديث عن عدالة أي حل، أمام وضع كهذا فإن إسرائيل نفسها جد واعية بكل هذه التفاصيل، وبالتالي فهي غير مستعدة تماما لدفع أثمان ثقيلة من أجل سلام مع الفلسطينيين تعلم جيدا أنه سيكون سلاما مؤقتا وظرفيا مهما كان ثمنه ومهما طال أمده، نظرا لارتباط قضية فلسطين بوجدان كل المسلمين وبصراع طويل ضارب بجذوره في عمق التاريخ.
بناء على كل ذلك وأخذا بعين الاعتبار لكل السياق السياسي المتوتر المحيط بإسرائيل، وكذا المعطيات الميدانية التي تمس جوهر القضية الفلسطينية يمكن القول بأن مفاوضات السلام الأخيرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين الأخيرة بواشنطن، التي وضع لها السيد كيري سقفا زمنيا حدده في تسعة أشهر للوصول إلى اتفاق نهائي، هو مجرد أحاديث لا طائل من ورائها بالنسبة للفلسطينية، فتجربة جولات عديدة من هذه المفاوضات تثبــــت ذلك بالملموس حتى أن المفاوضات الأخيرة تشكل تراجعا كبيرا عن وعود وشعارات تم تبنيها في محادثات سابقة، أما بالنسبة للإسرائيليين فإن الأمور عندهم تحسب بناء على معطيات استخباراتية وتحاليل مراكز البحوث الإستراتيجية وغيرها من التجارب التي راكمتها الدولة العبرية على مدى احتلالها لفلسطين، التي لا شك أنها استشعرت مدى خطورة التطورات والأحداث التي تحبل بها دول ‘الربيع العربي’، زيادة على التداعيات المحتملة لركود الحل السياسي للقضية الفلسطينية وانسداد أفقها، وما رافق ذلك من اعتداءات ومظالم على الفلسطينيين، كل ذلك دفعها إلى خوض محادثات سلام شكلية من أجل تبريد الوضع الداخلي الفلسطيني وقطع الطريق عن أي انفجار لانتفاضة ثالثة في وجه إسرائيل، التي ستلهيها عن التفرغ للملفات الكبرى التي تعتبرها هي التهديد الحقيقي والوجودي لها، على رأسها الملف النووي الإيراني، ناهيك عن هدف استراتيجي آخر لا يقل أهمية عن الأول ألا وهو تكريس حالة الانقسام والصراع الفلسطيني الفلسطيني، مما ينعكس سلبا على واقع مقاومة الاحتلال الصهيوني.

‘ كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية