رسالة هافانا… ملاحظات عابرة بعد زيارة لأحد عشاقها

1. شعور عميق انتابني وأنا أهبط في مطار هافانا لأول مرة. فرح ممزوج برومانسية العاشق الذي التقى بحبيبته بعد فوات الأوان. كم تمنيت هذه الرحلة من قبل والتي كانت ممنوعة وقد تؤدي بمن يقوم بها إلى مساءلة معقدة.
كنت واثقاً أن دورة الزمن لن تتوقف وأن اليوم الذي يطير فيه الأمريكيون إلى كوبا سيأتي آجلاً إن لم يكن عاجلاً. لقد ظلت كوبا حاضرة في الوجدان العربي وشكلت رمزاً للنضال ضد الهيمنة الأمريكية ومحاولات التدخل الخارجي وفرض نظام مصنع في الخارج على الكثير من شعوب العالم الثالث. وكم من الزعماء دفعوا ثمناً باهظاً لأنهم رفضوا الانصياع. لقد ظل إسم فيديل كاسترو ورفيقه تشي غيفارا يثيران العديد من المشاعر المتعلقة بالكرامة والصمود وعدم الانحناء أمام قوة الضغط الهائلة التي كانت تمثلها الإمبريالية الأمريكية على شعب صغير وجزيرة لا تبعد عن أقرب نقطة حدود أمريكية إلا 90 ميلاً.
2. في زيارتي الخاطفة لكوبا التقيت بمسؤولين حزبيين ودبلوماسيين عرب ومواطنين عاديين وقمت بزيارة للريف الكوبي للاطلاع أساساً على صناعة السيجار المشهور والتعرف على أوجه الحياة للشعب الكوبي.
كما قمت بزيارة شاملة لمدينة هافانا واطلعت على كنوزها العديدة. وتجولت في المدينة القديمة ووقفت مع الباعة وأصحاب المحلات التجارية والعمال والطلاب والسياح مستخدماً حصيلة معرفتي باللغة الإسبانية التي أهملتها منذ زمن وإذا بها تطفح إلى السطح وتسعفني في كثير من المواقف. كنت كأنني أدخل في متحف لم تتغير كنوزه العديدة منذ زمن بعيد. في هذه المدينة صنع التاريخ وقدمت كوبا نموذجاً لثورات الفقراء لحقت بها بعد قليل ثورات القارة الأفريقية العديدة فصممت الولايات المتحدة على إسقاط النظام بأي وسيلة بما فيها الغزو والتمرد المسلح والإنزال والاغتيال.
وبعد فشل غزوة خليج الخنازير قامت أمريكا بنشر صواريخها الباليستية في كل من إيطاليا وتركيا فرد الاتحاد السوفييتي آنذاك بنشر الصواريخ الباليستية في الجزيرة عام 1962 الأمر الذي أطلق ما سمي «أزمة الصواريخ» والتي أوصلت العالم إلى أقرب نقطة لإشعال حرب عالمية ثالثة ستكون هذه المرة نووية.
لقد انتهت الأزمة دون مواجهات لكن النظام الاشتراكي إستطاع أن يخرج منتصرا. فقامت الولايات المتحدة بفرض حصار على الجزيرة لم يرفع إلا في شهر تموز/يوليو السنة الماضية بعد أن اتخذ الرئيس الأمريكي باراك أوباما قراره الشجاع بإعادة العلاقات مع كوبا دون أن يتغير النظام وأنهى مسلسل الحصار والعقوبات. ولو تأخر أوباما أشهراً قليلة إلى أن وصل ترامب لتغيرت المعادلة بالتأكيد.
3. يزيد عدد سكان هافانا عن المليوني نسمة من مجموع سكان كوبا البلغ عددهم 11 مليوناً، قسم كبير منهم هاجر من الأرياف إلى العاصمة بحثاً عن عمل سواء مع الحكومة أو محلات القطاع العالم بعد إعادة توزيع الأراضي على الفلاحين. ومن اللحظة التي تصل المطار وتستقبلك ضابطات الشرطة بابتسامة وترحيب تشعر كأنك في بلد تعرفه وتعرف أهله. كل من تتكلم معه يرد عليك بأدب ويتطوع لتقديم مزيد من المساعدة. الناس هنا مؤدبون بطريقة تثير الإعجاب. لا تسكع في الشوارع ولا عصابات تحاول أن تبتز السياح ولا أحد يتحرش بفتاة تلبس ثياباً بسيطة وأنيقة وكاشفة. وكم من مدينة زرت في هذا الكون لكنني لم أجد مدينة أكثر أمناً وأماناً من هافانا. مدينة هادئة غير صاخبة وشاعرية تنتشر فيها الحدائق الخضراء والتماثيل الكثيرة لقادة عالميين من أبراهام لنكولن إلى المغني جون لينون الذي صرخ ورفاقه «أعطوا السلام فرصة». كل ما فيها يذكرك بماضٍ عريق وكأن هذه البلاد كانت تتأهل لتصبح أعظم دول أمريكا الوسطى لولا سلسلة العقوبات والحصار والغزوات والمؤامرات التي تعرضت لها الثورة الكوبية وهروب رؤوس الأموال الكوبية والطبقة الأرستقراطية التي نمت وكبرت في حضن الجار الأمريكي.
4. مبانٍ فاخرة وكنائس ومقرات حكومية انتشرت في المدينة القديمة وعلى شاطئ البحر هجر بعضها لزمن طويل وبدأت الآن عملية ترميم شاملة تحتاج إلى سنوات وملايين الدولارات لإكمالها. فقد أعلنت اليونسكو عام 1982 مدينة هافانا القديمة تراثاً إنسانياً يجب المحافظة عليه. إنها كنز محفوظ كما هو، علا على وجهه بعض الغبار وبحاجة إلى أيادٍ ماهرة تمسح عنه عوادي الزمن ليعود إلى وهجه التاريخي. ويساهم خبراء اليونسكو بتقديم المشورة والمساعدات غير المادية للحكومة الكوبية وهي تضطلع بأكبر مشروع ترميم في تاريخها كي تعيد لهافانا الوهج الذي تمتعت به لسنين طويلة. قلعة كبانا والجدار والمدافع التي كانت تحمي المدينة من القراصنة ما زالت قائمة. وكل يوم الساعة التاسعة مساء يطلق مدفع الحماية قذيفة لتخليد الذكرى التي كانت تنذر باقتراب القراصنة والاستعداد لحماية المدينة.
5. ما زال الفراغ الذي خلفه غياب كاسترو ملموساً ليس لأن البلاد تعودت على حضوره الكبير فحسب بل لأنه شكل حالة وجدانية ورمزية لا أحد يمكن أن يملأها. لقد كان فيديل يمثل الزعيم المتفق عليه وشكل قاسماً مشتركاً لكافة فئات الشعب ويذكرني بالزعماء العظام في تلك المرحلة والذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس من عبد الناصر إلى تيتو ومن أنديرا غاندي إلى سوكارنو ومن نكروما إلى سلفادور ألندي. تجد صوره منتشرة باقتباس قصير يتحدث عن الثورة المستمرة وحتمية النصر لكن الزعيم الأسطوري تشي يحظى باهتمام أكبر فاينما حللت وحيثما إتجهت تجد صورا له ومجسمات وجداريات تقتبس قوله المشهور «ثورة مستمرة حتى تحقيق الانتصار».
5. كأنك تدخل متحفاً للسيارات القديمة. قمت بجولة في هافانا القديمة في سيارة شيفروليه عام 1950. كأنها صنعت قبل شهرين أو ثلاثة. قلت لرفيقي فؤاد: يبدو لي أن أهم مهنة هنا ميكانيك السيارات. كيف لهذه السيارات الفارهة أن تتحدى الزمن وتبقى شغالة لأكثر من 60 سنة. لقد زادوها جمالاً فوق جمالها الأصلي فلونوها بألوان زاهية لم نعد نراها في سيارات اليوم كالأرجواني والأخضر الربيعي والزهري الفاتح والأحمر القاني. وفي جولة مع سائق يعتبر موظف حكومة أطلعنا على معالم المدينة التي لا تنتهي. قال لنا رغم تساوي الناس إلا أن في هافانا فيللاً ومساكن جميلة وبسيطة يسكنها الفناون والكتاب والشعراء والمؤلفون والموسيقيون الذين يكسبون جزءا آخر غير معاشاتهم الأصلية والتي تتراوح بين 25 دولارا للعامل و40 دولارا للطبيب. طبعا التعليم والرعاية الصحية والدواء مجاناً. بل إن طالب الجامعة يتقاضي أجراً بسيطاً للمواصلات. هذا لا يعني أن ليس هناك فقراء. بالتأكيد هناك فقر ونقص في المواد التموينية. فآثار 57 سنة من الحصار الظالم لن تنتهي بين ليلة وضحاها. لذلك تصاب بالحسرة وأنت ترى كثيرًا من المحلات التجارية شبه فارغة أو طابوراً طويلاً على أفران الخبز أو بائعة بسكويت في الشارع.
6. في كوبا نحو 30 ألفاً من أصول عربية من بينهم ثلاثة آلاف من أصول فلسطينية. كما يوجد الآن 120 طالباً فلسطينياً يدرسون الطب بأنواعه على حساب كوبا. معظم العرب هنا وصلوا إلى هذه البلاد في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين عندما كانت كوبا مقصداً للمهاجرين. وقد شرح لي بإسهاب عن أحوال العرب في الجزيرة سعادة السفير الفلسطيني، الدكتور أكرم سمحان، الذي تفضل ومنحني من وقته ومعرفته العميقة بالبلاد حيث يتقن الإسبانية ربما أفضل من أهلها، ما ساعدني على الاستفادة أكثر من الزيارة القصيرة والتي كما وعدت مسؤولة الحزب التي سأخصص للقائي معها مقالاً خاصاً بأنها الزيارة الأولى ولن تكون الأخيرة.
العرب هنا يعتزون بأصولهم العربية لكن معظمهم من أبناء الجيل الثالث والرابع الذين لا يتقنون العربية. ذهبت لمقر المركز الثقافي الكوبي العربي وللأسف وجدته مغلقاً. كنت أتمنى أن استزيد معرفة من السيد الفريدو درويش من بلدة بيت ساحور.
7. ما زال الانفتاح على الولايات المتحدة غير مكتمل ويدخلونه بحذر شديد. فالأمريكي، كما يقتنع الكوبيون، إذا أعطيته إصبعاً إلتهم ذراعك وإذا أعطيته الذراع أتى على الجسد كله. آخر ما يريدونه لبلادهم أن تتحول إلى بنما أخرى أو جامايكا أو جمهورية الدومينكان تخدم الخمسة بالمئة حتى ولو ذهب ال 95% في «ستين داهية». التنمية الشاملة قادمة ولكن ببطء وبحكمة وعقلانية. وللحديث بقية.
محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز في نيوجرسي

رسالة هافانا… ملاحظات عابرة بعد زيارة لأحد عشاقها

د. عبد الحميد صيام

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية