عبد العزيز رحابي وزير الإعلام الجزائري الأسبق لـ«القدس العربي»: السلطة أخطأت عندما قدمت الانتخابات البرلمانية المقبلة على أنها المخرج من الأزمة

حجم الخط
7

الجزائر ـ «القدس العربي»: يرى عبد العزيز رحابي وزير الإعلام الجزائري الأسبق والذي سبق له أن كان سفيرا ودبلوماسيا لبلاده في دول عدة أن الانتخابات البرلمانية المقبلة التي ستشهدها الجزائر لن تختلف عن سابقاتها، وأن الإشكال القائم يتمثل في النظام الانتخابي، الذي يبقى دائما محل شكوك واتهامات بالتزوير، وأن الحل، حسبه، يكمن في إصلاح جذري لهذا النظام الانتخابي للخروج من التشكيك المتكرر في مصداقية الانتخابات. كما تحدث رحابي في هذا الحوار عن الجهود التي تبذلها الجزائر في حل الأزمة الليبية، مؤكدا أن الدبلوماسية الجزائرية تعمل في صمت وبعيدا عن الأضواء، وأن لها من الإمكانيات ما يمكنها من إيجاد حل للأزمة التي يتخبط فيها هذا البلد الجار، وعرج الوزير والدبلوماسي السابق الذي اختار نهج المعارضة منذ مغادرته الحكومة على موضوع العلاقات الجزائرية ـ المغربية، مشددا على أن الجزائر لها موقف مبدئي ثابت من قضية الصحراء الغربية، بوصفها قضية تصفية استعمار وأن هذا الموقف لم يتغير منذ 1975. وهنا نص الحوار:
○ الجزائر مقبلة على انتخابات برلمانية في الرابع من أيار/مايو المقبل، وتوليها السلطات الجزائرية أهمية كبيرة، وتقدمها على أنها رهان حقيقي، وتعمل على حث المواطنين على المشاركة فيها بكثافة، لماذا في رأيك تتعامل السلطات مع هذه الانتخابات وكأنها قضية حياة أو موت؟
• أعتقد أن السبب الأول هو تخوف السلطة من العزوف الانتخابي، وهو عزوف عرفته كل الانتخابات التي شهدتها الجزائر منذ استقلال البلاد سنة 1962. وهي نفسها تشك في مصداقية الانتخابات وشفافيتها، وهذا ليس بالأمر الجديد، لأنه يتكرر مع كل موعد انتخابي، الجديد هو أن المعارضة بكل أطيافها طلبت أن تكون هناك آلية مشتركة بينها وبين السلطة التنفيذية والقضاء لمراقبة العملية الانتخابية والسهر على شفافيتها، ولكن رد السلطة على هذا المطلب كان بطريقة محتشمة، من خلال الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات، التي لم تحظ بإجماع كل الطبقة السياسية.
عزوف الناخبين عن هذه الانتخابات يعود أيضا لوجود انطباع عام بأن الانتخابات المقبلة نتائجها محسومة سلفا، كما أن قضايا الفساد وشراء الذمم التي صاحبت إعداد القوائم الانتخابية، والتي تسربت إلى الصحافة التي نشرت الكثير عنها، طعنت أيضا في مصداقية العملية الانتخابية لدى المواطن البسيط.
ثانيا، السلطة تقدم هذه الانتخابات، مثلما حدث في الانتخابات الرئاسية لسنة 1995 حتى وإن كان ذلك لأسباب مختلفة، على أنها هي مفتاح الخروج من الأزمة، بسبب غياب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن الساحة السياسية، وتقلص النشاط الرئاسي، وهذا في رأيي خطأ، فالسلطة ما كان عليها أن تقدم هذه الانتخابات وكأنها آلية للخروج من الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد.
○ ألا تعتقد أن العزوف، الذي أصبح منتشرا حتى في الدول الديمقراطية، يعود أيضا لأسباب أخرى، غير تلك التي ذكرت، وهل الأحزاب التي دعت إلى المقاطعة قادرة على تجنيد الشارع، أم أنها ركبت الموجة فقط؟
• التخوف من العزوف راجع أساسا إلى فقدان الثقة في النظام الانتخابي، واستحالة إعادة النظر في هذا النظام الموروث منذ عهد الحزب الواحد، والذي أصبح لا يتلائم مع متطلبات المرحلة الحالية، خاصة ما تعلق بالنزاهة والشفافية، وهذا النظام في حاجة إلى إصلاحات جذرية، حتى نبتعد عن الصورة النمطية الموجودة لدينا بخصوص الانتخابات، لأن الإشكال في الجزائر هو أن الطبقة السياسية لا تثق في النظام الانتخابي، ولا ترى أنه كفيل بضمان النزاهة والشفافية، وهذا الأمر ليس قاصرا على الجزائر، لأن دولا كثيرة في إفريقيا وأمريكا اللاتنية مثل الأرجنتين والبرازيل منذ حوالي 40 سنة، كانت تعاني من الإشكال نفسه، وكانت الانتخابات فيها مطعون في نتائجها دائما، وقد عالجت الإشكال بإعادة النظر في النظام الانتخابي بشكل جذري، وهذا هو الأمر الذي تحتاجه الجزائر مستقبلا، إن أرادت وضع لهذا التشكيك الدوري والآلي في كل الانتخابات التي تنظمها السلطة.
المشكل في الجزائر أن لا أحد يستطيع أن يدعي أنه قادر على تجنيد الشارع، لأن السياسة عندنا لا تجند إلا في وقت الأزمات، نوظف السياسة لتضخيم أزمة أو لحلها، كل مواعيدنا في الجزائر سياسية، وفي رأيي أن علينا أن نقلل من السياسة ونكثر من الثقافة والتعليم، لأن البلد أصبح رهين السياسة وأجنداتها.
○ هل الضمانات التي أعطتها السلطة بخصوص نزاهة العملية الانتخابية كافية، وهل السلطة اليوم مجبرة على تنظيم انتخابات نزيهة، للخروج ببرلمان يتمتع بشرعية أكبر من سابقه، علما وأنه البرلمان الذي سيشهد تنظيم الانتخابات الرئاسية سنة 2019، وهو الذي سيكون على عاتقه تمرير قوانين «غير شعبية» على خلفية الأزمة التي تعيشها البلاد؟
• السلطة الحالية لم تعط إلى حد الآن أي إشارات بخصوص وجود نية لديها لإحداث تغيير ديمقراطي، الرئيس بوتفليقة بنى سلطة قوية ومهيمنة، وبالتالي لا أظن أن هناك نية في تنظيم انتخابات حرة ونزيهة تعبر عن آمال وآلام المجتمع الجزائري، وبالتالي إذا كان البرلمان في الجزائر أو في غيرها من الدول غير معبر عن واقع المجتمع فلن تكون أي مصداقية، البرلمان ليكون شرعيا يجب أن يمارس دوره في الرقابة على عمل الجهاز التنفيذي، وأن يحاسب المسؤولين عن طرق تسييرهم للشأن العام، وإذا كانت هناك قضايا فساد يتحرك فيها، ويؤسس لجان تقصي حقائق تقوم بالتحقيق فعلا، وتخرج بتقارير تكشف نتائج عملها. الطبقة السياسية ومؤسسات الدولة يجب أن تكتسب شرعية وهذا لن يتأتى إلا من خلال انتخابات حرة ونزيهة، وما نعيشه اليوم من مشاكل هو من تداعيات الأزمات التي عشناها منذ الاستقلال وحتى اليوم.
○ لننتقل إلى الملف الليبي، الجزائر اليوم تلعب دورا أكثر تقدما بخصوص حل الأزمة الليبية، ما الذي دفعها للعب هذا الدور؟
• أولا، يجب أن نعرف أن الجزائر دولة جارة لليبيا، وأن لديها حدود معها بطول 1000 كيلومتر، وكل ما يحدث في ليبيا من تداعيات للأزمة التي يعيشها هذا البلد يؤثر بشكل مباشر على الجزائر، الأمر الذي جعل الملف الليبي أساسيا في السياسة الخارجية للجزائر، الكثير من الدول العربية تدخلت في الملف الليبي دون أن تكون معنية بشكل مباشر بما يجري في هذا البلد، بل وجدت نفسها موظفة في إطار أجندات غربية.
الجزائر كدولة جارة من حقها أن تحمي نفسها ومصالحها، وأن تسعى لإيجاد جل للأزمة الليبية، لأن استمرارها مكلف بالنسبة للجزائر، خاصة مع تعلق بحماية الحدود، فضلا عن الأخطار التي تتهدد التراب الجزائري بسبب غياب سلطة ليبية قادرة على ضبط الأمن وحماية الحدود. لكن المشكل أن الكثير من الأطراف المتدخلة في الأزمة الليبية هي أطراف خارجية، وهذا أمر مخيف بالنسبة إلى الجزائر، لأنه يخلق وضعا جديدا، ويهدد بتقسيم ليبيا.
في الحقيقة الجزائر لم تبتعد يوما عن ملف الأزمة الليبية، لكن الكيفية التي تتعامل بها الجزائر مع هذا الملف، هي التي جعلت الكثيرين يعتقدون أنها كانت بعيدة، فالجزائر ليست من الدول التي تتحرك دبلوماسيا في إطار استعراض للعضلات، وهذا يعود إلى هوية الدبلوماسية الجزائرية التي كانت دائما تفضل التكتم والسرية والابتعاد عن الأضواء عند الاقتراب من الأزمات، لتسهل عليها عملية جمع الفرقاء حول طاولة الحوار، وهذه المرحلة الأولى هي الأصعب في الأزمة الليبية، فكلما اقتربت الجزائر من جمع الفرقاء الليبين يتدخل طرف أجنبي لتفريقهم.
○ هل الجزائر تمتلك الإمكانيات لحل الأزمة في ليبيا، بعيدا عن مسألة الجوار ومصلحتها في إيجاد حل لهذه الأزمة؟
• نعم الجزائر لها الإمكانيات البشرية، ولديها رؤية، وتمتلك التقنية اللازمة في معالجة الأزمات والخلافات، ولها تجارب سابقة، كما أن الجزائر لديها علاقات مع كل الأطراف، سواء كان ذلك مع الإسلاميين أو خليفة حفتر، مع أن بعض الأطراف اتهمها في وقت سابق أنها كانت تدعم العقيد معمر القذافي.
○ أكانت الجزائر فعلا تساند القذافي؟
• لا، هذا غير صحيح، الجزائر اتهمت باطلا أنها تدعم القذافي، خاصة لما استقبلنا عائلة القذافي، ولكن هذا تم لأسباب إنسانية وبعد استشارة الأمم المتحدة، الجزائر لم يكن في إمكانها أن تدعم العقيد القذافي الذي كان طرفا في الأزمة، والوقوف إلى جانبه كان سيفقد الجزائر حيادها، وبالتالي يحرمها من قدرتها على القيام بوساطة بين الفرقاء.
○ تعرف العلاقات الجزائرية ـ المغربية توترا متزايدا في الفترة الأخيرة، وكانت آخر حلقات هذا المسلسل الاتهام المغربي للجزائر بنقل رعايا سوريين إلى داخل التراب المغربي، ورد الخارجية الجزائرية باتهام المغرب بإدخال رعايا سوريين إلى التراب الجزائري، ما هو سبب هذا التصعيد؟
• أعتقد أن الرواية الجزائرية هي الصحيحة، لأن الجميع يعرف أن المغرب هو بوابة أوروبا، وأن السوريين الذين يريدون السفر إلى أوروبا بطريقة غير شرعية إلى أوروبا يقصدون المغرب، وهذا كله ليس بالجديد، مثلما هو الحال بالنسبة إلى التهريب وتجارة المخدرات، المغرب يستغل كل ما يستطيع كأسلحة دبلوماسية في حربه الدعائية ضد الجزائر. وبالعودة إلى موضوع اللاجئين السوريين أكثر من 50 ألف لاجئ دخلوا الجزائر وأقاموا فيها، دون أن يشتكي أحد منهم من سوء المعاملة. الجزائر لديها حدود مع سبع دول، وكلها دول تعيش أزمات وعدم استقرار، أما المغرب فله حدود مع دولة واحدة هي الجزائر، وهي حدود آمنة، لذا ليست لدينا الأجندة نفسها.
○ لماذا هذا التصعيد الذي تعرفه العلاقات في الفترة الأخيرة؟
• هذا التصعيد عادي ودوري يذهب ويعود، لأن هذا هو الملف الوحيد الذي بنيت عليه الدبلوماسية المغربية، خلافا للدبلوماسية الجزائرية التي لديها أجندة مختلفة واهتمامات أخرى، وليس لديها مشكل لا مع المغرب ولا مع غيره. نلاحظ في برنامج الحكومة المغربية الجديدة، وقد قرأته، أنه لا توجد أي إشارة إلى اتحاد المغرب العربي، بل فيه وصف للجزائر بأنها عدو للوحدة الترابية، وهذا نشر للعداء ضد الجزائر بشكل واضح وعلني ورسمي، دون أن نجد شيئا مماثلا لدى الطرف الجزائري، فالرئيس عبد العزيز بوتفليقة لم يرد ولا مرة على اتهامات الملك المغربي محمد السادس، الذي تهجم على الجزائر عشرات المرات في خطابات رسمية، دون أن يرد بوتفليقة.
○ ما رأيك في طريقة تعاطي الجزائر مع المغرب؟
• هذه هي قوة الدبلوماسية الجزائرية، الموقف الجزائري من قضية الصحراء الغربية لم يتغير منذ 1975 عكس المغرب الذي اتخذ خطوات وتراجع عنها، انضم إلى منظمة الوحدة الإفريقية ثم انسحب منها، ثم عاد ليطلب الانضمام إلى الاتحاد الإفريقي (التسمية الجديدة لمنظمة الوحدة الإفريقية) المغرب وافق على تنظيم استفتاء تقرير مصير في الصحراء الغربية ثم تراجع عنه، في حين أن الموقف الجزائري ثابت ومنتظم، ويعكس قوة ومصداقية الدبلوماسية الجزائرية، وهذا الكلام سمعته من عديد الدبلوماسيين الأجانب. لما ظهرت فكرة تأسيس الاتحاد المغاربي قال المغرب إنه يأمل في أن يساهم الاتحاد في حل أزمة الصحراء الغربية، والجزائر قالت آنذاك أن من الأفضل فصل الاتحاد المغاربي عن موضوع الصحراء، وهو ما تم في وقت أول، وتأسس الاتحاد، ولكن المغرب تراجع عن التزاماته وربط بين اتحاد المغرب العربي وبين أزمة الصحراء الغربية، ما الذي تغير منذ 1989 تاريخ تأسيس الاتحاد المغاربي؟ هل غيرت الجزائر مواقفها أم أن المغرب هو الذي غير.
○ المغرب ينتقد كثيرا السلطات الجزائرية بسبب رفضها فتح الحدود البرية، لماذا ترفض الجزائر فتح هذه الحدود؟
• لماذا يعزل ملف الحدود عن باقي الملفات العالقة بين الجزائر والمغرب؟ هذه ليست معالجة براغماتية وليست دبلوماسية، ليس من المنطقي فصل ملف الصحراء عن باقي الملفات، يجب على المغرب أن يعترف بأن موقف الجزائر من قضية الصحراء هو موقف مبدئي ثابت منذ عام 1975، وعلى المغرب أن يوقف أيضا الهجمات ضد الجزائر، وأن يتخلى عن خطابه العدائي، علما أن الطبقة السياسية المغربية ترفض الاعتراف حتى بالحدود بين البلدين، مع أن هذه الحدود مثبتة منذ اتفاقية لالة مغنية في 1854 ثم اتفاقية 1972 والتي صادق عليها المغرب، كما أنه يتعين على الرباط وقف إغراق الجزائر بالمخدرات، علما أنني أجريت دراسة ووجدت أن هناك 48 دولة لديها حدود برية مغلقة، والأمر لا يقتصر على الجزائر فقط. إذا كان المغرب يريد فتح الحدود يجب أن يوقف خطابه العدائي ضد الجزائر، لا يمكنك أن تشتمني ليل نهار في خطابات رسمية، ثم تطلب مني فتح الحدود، يجب المبادرة بإجراءات بناء الثقة، وهذا أمر معروف في الدبلوماسية، أليس المغرب هو الذي أوقف الزيارات التي كان البلدان يتبادلانها في إطار تطبيع العلاقات؟ ألم يكن المغرب هو من رفض استقبال أحمد أويحيى لما كان رئيسا للحكومة، مع أن المغرب هو الذي وجه له الدعوة، فمن غير المعقول أن توجه الدعوة لمسؤول بحجم رئيس حكومة ثم ترفض استقباله، وهذا كان السبب في القطيعة بين الرئيس عبد العزيز بوتفليقة والملك محمد السادس.

عبد العزيز رحابي وزير الإعلام الجزائري الأسبق لـ«القدس العربي»: السلطة أخطأت عندما قدمت الانتخابات البرلمانية المقبلة على أنها المخرج من الأزمة

كمال زايت

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية