على الورق، وفي المعادلات الحسابية المنطقية، تبدو حظوظ إيمانويل ماكرون، مرشح حركة «إلى الأمام!»؛ أكبر من تلك التي تُقدّر لمنافسته مارين لوبين، مرشحة «الجبهة الوطنية»، حزب اليمين المتطرف الأبرز في فرنسا المعاصرة. ثمة، مع ذلك، حسابات أخرى، قد ترتسم على ورق آخر، بعيداً عن الإحصاء والحساب وموازين التصويت المنتظَرة، وتنتهي بالتالي إلى مآل طارئ ومفاجئ؛ من الطراز الذي جاء بنموذج دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، أو أخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في تصويت «بريكست»….
وبمعزل عن الأصوات التي ستذهب إلى لوبين من داخل صفوف مناصريها وأنصار سياساتها، ليس علانية فحسب، بل بحماس وفخار واعتزاز (والنسبة، هنا، لا يُستهان بها البتة)؛ ثمة شرائح سوف تصوّت لها، كما يقول ذلك المنطق الآخر، لأسباب قد لا تتطابق تماماً مع عقيدة «الجبهة الوطنية»، ولكنها تتناقض مع أطروحات «إلى الأمام!»، أو تصفّي حساب اليمين التقليدي مع المرشح الشاب ماكرون، الذي هبط على الحياة السياسية الفرنسية من خارج أحزابها ومراتبها ومقاماتها.
وهكذا، قد تحظى لوبين بالكثير من أصوات مرشحي اليمين الذين نالوا أقلّ من 5٪ في الدورة الأولى (وأبرزهم نيكولا دوبون آينيان)؛ وببعض أصوات حركة جان ـ لوك ملنشون اليسارية (خاصة وأنّ مرشحها لم يعط أيّ تفضيل بين ماكرون ولوبين)؛ وبعض أصوات اليمين الديغولي، التاريخي أو الراهن (رغم تصريح أبرز أقطابه، وخاصة مرشحه الخائب فرنسوا فيون، أنّ مفهوم «الجبهة الجمهورية» يقتضي التصويت لصالح ماكرون).
هذا، كلّه، إذا وضع المرء جانباً تتمة بالغة الأهمية لانتخابات الرئاسة، بل يذهب البعض إلى وضعها في موازاة ما سيقرره الناخب الفرنسي يوم السابع من أيار (مايو) المقبل؛ أي الانتخابات التشريعية، التي سترسم ملامح الأغلبية الحاكمة، أو ائتلافها على نحو ما، في «المجلس الوطني»، برلمان فرنسا. وكما هو معروف، قد يفلح ماكرون (في حال انتخابه رئيساً، بالطبع!) في أقناع الفرنسيين بمنحه أغلبية كافية تتيح له الحكم المريح؛ أو قد يفشل، وتأتي الانتخابات التشريعية بأغلبية معارضة، فيجري تكبيل يديّ سيّد قصر الإليزيه في ميادين شتى.
ولقد حدث في الماضي، مراراً في الواقع، أنّ فجوة فاغرة اتسعت بين أن يذهب الفرنسي إلى صناديق الاقتراع، ليضع أغلبية مطلقة (ودكتاتورية في الواقع، لأنها صاحبة قرارها الأوحد)؛ وأن يتظاهر بالملايين ضدّ ممارسة هذه الأغلبية، ذاتها، لسياسات وقوانين وتشريعات هي علّة وجودها وضمان استمرارها في الحكم. كذلك توفرت هوّة فاغرة مماثلة، بين شغف الفرنسي بدور القوة العظمى الذي يتوجب أن تلعبه فرنسا، على صعيد عالمي عسكري وسياسي ومالي؛ وبين الذعر وتحسّس الرأس، لأنّ السوق المالية الكونية (أياً كانت تسمياتها، ما دامت أكبر الجميع، والعملاق الأوّل بلا منازع) يمكن أن تجرّد الفرنسي من تقاعده وتعويضه الصحي وتعليمه الجامعي.
كذلك توفّر، ثالثاً، خيار نقل الاحتجاج إلى صيغة أقرب إلى «عصيان مدني» ضدّ قانون صدر عن البرلمان، الشرعي المنتخب، في نظام ديمقراطي حر؛ ضمن ما اعتُبر نموذج «انشقاق» مشروع، لمواطن مارس حقّه الانتخابي الأقصى، فانتخب ممثله إلى الهيئة التشريعية الأعلى في البلاد، بحرية مطلقة. المثال الأبرز على هذا وقع مطلع العام 1997، بصدد مشروع قانون حول تنظيم الهجرة، وضمن حركة احتجاج ضدّ فقرة محدّدة تُلزم المواطن الفرنسي بإبلاغ السلطات أنّ الضيف الأجنبي الذي زاره قد غادر الأراضي الفرنسية بالفعل، وأنه لم ينقلب إلى «مهاجر سرّي» غير شرعي.
هذه مستويات ثلاثة لحسابات الهوّة الفاغرة التي قد تجابه الرئيس الفرنسي القادم، هي في صدارة سلسلة أخرى من المجابهات، السياسية والاجتماعية والإيديولوجية المعقدة؛ إذا وضع المرء جانباً مختلف السيناريوهات، المتناقضة والمتقاطعة، التي تكتنف انتخابات رئاسية لا تشبه سواها، ربما على امتداد تاريخ الجمهورية الفرنسية بأسره.
صبحي حديدي