الأوطان الطاردة.. والمطلوب لمساندة الأسرى

حجم الخط
0

قالت مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة إن «عدد الأشخاص الذين شردتهم الصراعات قد وصل إلى نحو 67.3 مليون شخص مع نهاية عام 2016، وتابع تقرير المفوضية: أن واحداً من كل 113 شخصاً في العالم مشرد! أو نازح أو لاجئ. والغريب أن 57% من بينهم عرب. بالتأكيد، فإن سوء الأوضاع الأمنية والاقتصادية والسياسية العربية، تقف وراء هجرة العرب من أوطانهم. الأدهى، أن العديد من الدول تغلق حدودها في وجوههم، مثل المجر وجمهورية التشيك وبولندا، فهي لا ترفض استقبال المهاجرين فحسب ولكن أيضاً ترفض عبورهم أراضيها. كما أن دولاً كثيرة تضعهم في معسكرات للاجئين في ظروف بالغة القسوة.
كاتب هذه السطور كان شاهد عيان منذ عام على رؤية اللاجئين العرب في كلّ من برلين وبروكسل، وبالفعل فإن كل من يرى أحوالهم مباشرة، يتأسف على ظروفهم، ويتمنى لو ظلّوا في بلدانهم أيّاً تكن صعوبة الظروف التي كانوا يعيشونها، هذا انطلاقاً من تجربة تهجير غالبية شعبنا الفلسطيني من وطنه، ومعاناته الممتدة منذ ما يقارب السبعة عقود.
ونسأل: ألم تلفتْ هذه الأرقام النظام الرسمي العربي؟ أم أنه في صميمه يتمنى هجرة شعوبه؟ نقول ذلك مع الإحساس الكبير بالألم والحزن، لرؤية الكثير من الأقطار العربية طاردةً لأبنائها! ندرك، أهمية الأمن كأولوية للمواطن في مطلق دولة. كما أهمية الديمقراطية وحرية التعبير كظاهرتين ملازمتين للوجود الإنساني، فالاضطهاد والاعتقال على مخالفة وجهات نظر الهيئات الحاكمة في الدولة، هي مجافية للحرية التي يتوجب أن تصاحب الإنسان منذ ولادته حتى وفاته. هذا إضافة إلى واجبات الهيئات الحاكمة تجاه مواطنيها في تهيئة كل الظروف الحياتية الأفضل لشعوبها، اقتصادياً وسياسياً، اجتماعياً وإنسانياَ، طبابةً وتعليماً، تدريساً وعملاً، ضماناً حياتياً وديمقراطيةً، وتأميناً حياتياً وضمان شيخوخة. وإلاّ لماذا هي هيئات وأنظمة حاكمة؟ وهي إن فعلت عكس المنوط بها، فلترحل ويأتي غيرها. لا يمكن مجابهة المؤامراة الخارجية، التي نقرّ بوجودها، دون الاعتماد على الجماهير الشعبية العريضة.
من ناحية أخرى، أصبح السماع عن آلاف المهاجرين يومياً، ممن يجوبون البحر ويواجهون خطر الغرق والفقدان، مسألةً طبيعية. عائلات بأكملها تغرق مع أطفالها على طريق الهجرة إلى الدول الغربية. إنها رحلات يلجأ إليها المهاجرون مضطرين! رحلات من العذابات القاسية والطويلة والمكلفة والابتزازية من قبل المهربين، وغير مضمونة النهاية، فإن نجح الرّسو على شواطئ احد هذه البلدان، تجمعهم سلطاتها وتضمهم إلى أمثالهم في معسكرات (مثلما ذكرنا)، وتكون العذابات والمساومة. يبقون سنوات فيها الى أن تنظر سلطات البلد المعني، في إعطائهم حق اللجوء إليها، أو تقوم بتسفيرهم إلى بلدانهم.
في أوروبا والدول الغربية عموماً، ظهرت العديد من الأحزاب القومية الشوفينية، التي تعمل على محاربة الأجانب المقيمين فيها! فكيف باللاجئين الجدد؟ أصبح من الصعوبة بمكان إعطاء الهاربين إلى هذه الدول حق اللجوء إليها، الذي يتم تحت مبررات عديدة. في كثير من الأحيان تقوم سلطات هذه البلدان بتسهيل هجرة جنسية معينة إليها. الحالة المحددة التي نقصدها هي: تسهيل هجرة الشباب الفلسطيني، سواء منهم من يعيشون في فلسطين المحتلة، أو الذين يقيمون في الشتات. هذه الهجرة تحديداً تتم من أجل اهدافٍ سياسية، فالذين يعيشون على الأراضي الفلسطينية يتم التسهيل لهم من أجل إفراغ فلسطين من العنصر الشبابي الحيوي. أما الذين يقيمون في الشتات فيأتي بهدف إنقاص عدد المطالبين بحق العودة إلى الأرض الفلسطينية. لذلك فإن سفارات وقنصليات الدول الغربية في رام الله ، وفي العديد من العواصم في البلدان الأخرى عربية وغيرها، تقدم التسهيلات والإغراءات للشباب الفلسطيني من أجل الهجرة.
في كثير من الأحيان، يقدم الغرب تسهيلات كبيرة للكفاءات من الدول العربية! التي لا تقدر كفاءة أبنائها، فيكون مستقرهم في البلدان الأجنبية! فما أكثر الكفاءات العربية في الطب والهندسة، وحتى في علم الذرة وغيرها من التخصصات الأخرى التي تعمل في الدول الغربية. لو وجدت هذه الكفاءات ظروفاً مماثلة للعمل في بلدانها لاستقرت فيها. ولكن للأسف فإن العديد من الدول العربية أصبحت طاردةً لأبنائها.
على صعيدٍ آخر، فبعد مضي ما يقارب الشهر على إضراب أسرانا البواسل، أصبح من الواضح أن العدو الصهيوني، ومثلما وعد قادته لن يفاوضهم، بل في صميم قلوبهم يتمنون موتهم والتخلص منهم. لقد ابتدأ العدو حربه النفسية ضدهم. ففي محاولة لكسر الاضراب، وزعت سلطات السجون على وسائل الإعلام الإسرائيلية، شريطاً يزعم أن القائد مروان البرغوثي يأكل في زنزانته، لتتكشف المؤامرة سريعاً ويظهر زيف الشريط.
هذا، في حين شن عدد من ساسة الاحتلال هجوماً على محامي الأسرى، بزعم أنهم يعملون على التنسيق بين الأسرى في إضرابهم! وكما هو الحال دائماً، فقد ظهر شبه الإجماع الصهيوني في العدائية للأسرى، إذ دعا عدد من أعضاء الكنيست من الائتلاف والمعارضة، الى منع المحامين من زيارة الأسرى. وقال رئيس لجنة الخارجية والأمن البرلمانية آفي ديختر من حزب الليكود مدعياً، أنه «معروف لدى السلطات أن محامي الأسرى ينقلون المعلومات إلى فصائلهم خارج السجون! وأن المشكلة تكمن في إثبات ذلك بالدليل القاطع، مستطرداً في أكاذيبه: «أن هذه الظاهرة منتشرة وسيصعب على إسرائيل مكافحتها في المستقبل». وطالب عضو الكنيست من حزب العمل «المعارض» نحمان شاي سلطات الاحتلال، بالتحقيق حول إمكانية نقل محامي الأسرى للمعلومات وتنسيق الإضراب! ودعا إلى سلب حقوق الأسرى. إن تقارير المحامين الذين سمحت لهم سلطات الاحتلال بزيارة الأسرى، أثبتت تصاعد عمليات التنكيل بهم وعزل العديدين منهم، وأكدت على التدهور السريع في صحة الكثيرين منهم، وأكدوا على أهمية حل مشكلاتهم بشكل سريع، من خلال الاستجابة لمطالبهم الإنسانية العادلة.
في إضراب الكرامة لا يسعى المضربون عن الطعام إلى مكتسبات خاصة، بل إلى إرسال رسالة سلمية لكل العالم وذوي الضمير، للتنبيه إلى أنهم يفتقدون الحق الأدنى من الحقوق الإنسانية، والتي يصرّ المحتلون الفاشيون على مصادرتها منهم. وليقولوا إنهم متمسكون بقضيتهم .الإضراب عن الطعام هو السبيل الوحيد للمقاومين ليقولوا لا للمحتل، ويُسمعوا صوتهم ويرووا قصة الظلم الكبير، بكشف الوجه البشع للمحتل والسجان.هم يعلمون تماماً ما يُقْدمون عليه، وأنهم بمقاومتهم السلمية ربما يفقدون حياتهم، لكنهم قرروا أن الاستمرار بالصمت على جرائم الاحتلال لن يساعد قضيتهم، ولن يردّ الجلاد عن مزيد من ممارسة الظلم بحقهم، فهذا المحتل الذي اتخذ قراراً ببقاء جثمان أحد المضربين في ثلاجة الموتى، لقضاء ما تبقى من محكوميته، بعد أن توفي نتيجة إضرابه عن الطعام في ثمانينيات القرن الماضي، لا ينفع معه شيء، لأنه فاقد القيم والأخلاق والإنسانية، ولا يعطيها حتى للموتى.
على ضوء كل المستجدات فيما يتعلق بقضية أسرانا الأبطال، فإن أفضل هدية نقدمها لهم، هي تجاوز الانقسام والعودة إلى الوحدة الوطنية الفلسطينية. ثم إلغاء اتفاقيات أوسلو، فقد تبين جلياً أن العدو الصهيوني لا يحترمها، وأنه قصد منها، إحكام سيطرته على الفلسطينيين. هذا العدو هو الذي سمم الرئيس الراحل عرفات بعد أن حاصره في المقاطعة ثلاث سنوات. هذا العدو هو الذي أعاد اجتياح الضفة الغربية عام 2004 ضارباً عرض الحائط بكل ما صدر عن الاتفاقيات معه. إن العودة إلى المقاومة بكل أشكالها ووسائلها، هي الكفيلة بإجبار العدو على الاعتراف بحقوقنا. علينا الانتقال من مرحلة التضامن مع أسرانا إلى انتهاج كلّ ما يترك تأثيره المباشر على العدو، ويجبره على التسليم بمطالب الأسرى الإنسانية العادلة.
كاتب فلسطيني

الأوطان الطاردة.. والمطلوب لمساندة الأسرى

د. فايز رشيد

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية