باريس ـ«القدس العربي»: تجري اليوم الأحد مراسم تسليم السلطة بين الرئيس الفرنسي المنتهية ولايته، فرانسوا أولاند والرئيس المنتخب إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه. ماكرون سيتولى مقاليد الحكم بشكل رسمي، وسيكون ثامن رئيس لفرنسا منذ بدء الجمهورية الخامسة وهو في التاسعة والثلاثين من عمره فقط. كما أنه من المقرر أن يعلن مساء اليوم عن اسم رئيس حكومته الجديد الذي سيتولى خوض الانتخابات التشريعية باسم حزب «الجمهورية إلى الأمام».
وسيحضر مراسم تسليم السلطة كبرى الشخصيات السياسية والعسكرية والمدنية الفرنسية إضافة إلى عائلة الرئيس المنتخب وفريق عمله.
وكان الرئيس المنتهية ولايته قد صرح قبل أيام أنه سيبذل كل ما في وسعه لتجري عملية تسليم السلطة للرئيس الجديد بشكل «بسيط وودي». وأضاف «أريد لبلدي النجاح، وأتمنى النجاح لإيمانويل ماكرون في التفويض الذي منح إياه الشعب الفرنسي».
وكانت الصحافة الفرنسية وصفت العلاقة بين الرجلين، بعلاقة أب بابنه، حيث أن أولاند يعتبر الأب الروحي لماكرون. وكان عبر عن ارتياحه بفوز ماكرون، ودعا قبلها للتصويت لصالحه في جولة الإعادة لقطع الطريق أمام اليمين المتطرف، بقيادة مارين لوبان.
كما أكد أن «جميع المعلومات، وبينها الأكثر حساسية، (مثل الأرقام السرية للسلاح النووي)، ستسلم لإيمانويل ماكرون ليتمكن من مباشرة من البدء في العمل فور تسلمه التفويض مني».
وسيمضي أولاند إجازة مع ذويه وأقربائه في مدينة تيل جنوب فرنسا، بعد مغادرته قصر الإليزيه. كما أن أولاند لا ينوي مغادرة العمل السياسي بشكل نهائي، لكنه لم يفصح ما إذا كان سيسعى لاحقا إلى مناصب أخرى واكتفى بالقول «في الحياة لا يمكن الجزم بأي شيء، فكل شيء رهن بالظروف».
وحول ما إذا يخشى الفراغ بعد الإليزيه؟ أجاب قبل ثلاثة أيام من انتهاء ولايته أن «اتخاذ قرارات كبرى من أجل البلد مسؤولية عليا وشرف رفيع، كما أنه يمنح قوة داخلية، ما قد يخلف شعورا بالفراغ عند التوقف عن ممارسته. لكنني أقاوم هذا الشعور».
وتواجه الرئيس الجديد ماكرون تحديات جمة بعد كسبه لرهان سياسي غير مسبوق وأنجز مهمة كانت تبدو شبه مستحيلة. زعيم حركة «إلى الأمام» التي تحولت إلى حزب «الجمهورية إلى الأمام» لم يكن يعرفه أحد من الفرنسيين قبل ثلاث سنوات ورغم ذلك تمكن من الفوز بالانتخابات الرئاسية من دون قاعدة شعبية أو دعم حزب من الأحزاب التقليدية الفرنسية العريقة. ولم تكن لديه أي تجربة انتخابية من قبل باستثناء عمله كمستشار اقتصادي للرئيس أولاند وبعدها وزيرا للاقتصاد لمدة عامين. لكن ماكرون كان مسلحا بطموح شخصي وذكاء وفطنة سياسية قل نظيرها، مكنته من تجاوز كل العقبات، وقلب كل السيناريوهات التي كانت مكتوبة سلفا من طرف المراقبين واستطلاعات الرأي.
وما يزال الرئيس الجديد يواصل مشاوراته لتشكيل حكومته الجديدة، في موازاة ذلك، يواصل حزبه العمل على تقديم لائحة المرشحين لخوض الانتخابات التشريعية الشهر المقبل.
وكشف حزب «الجمهورية إلى الأمام» قبل يومين عن لائحة المرشحين الذين سيتقدمون باسمه إلى الانتخابات البرلمانية المقبلة في يونيو/ حزيران المقبل، و الذين بلغ عددهم 428 مرشحا من بين 577، في انتظار تقديم ما تبقى من المرشحين في غضون الأيام المقبلة. وحرص الحزب على ضخ دماء جديدة في الحياة السياسية الفرنسية، وتطبيق مبدأ المساواة بين الجنسين، إذ صرح الأمين العام ريشارد فيرون، أن 52 في المائة من اللائحة مرشحون لم يسبق لهم أن خاضوا العمل السياسية من قبل. أصغر المرشحين، يبلغ من العمر 24 سنة وهو طالب جامعي، وأكبرهم 72 عاما، متقاعد، أما متوسط عمر المرشحين فهو 46 سنة. وشملت الوجوه الجديدة شخصيات أكاديمية، وعلمية، ورياضية وفنية إضافة إلى مرشحين شباب من أصول عربية وإفريقية.
كما عين الحزب العشرات من الاشتراكيين، من ذوي التوجهات الليبرالية الإصلاحية، في حين تم رفض ترشيح رئيس الوزراء الاشتراكي السابق مانويل فالس لكونه «لا يستوفي الشروط اللازمة» كما أعلن ذلك ريشارد فيرون. غير أنه أكد في المقابل أن الحركة لن تقدم مرشحا باسمها لمنافسته في دائرته الانتخابية، وهو ما رحب به فالس، ووصفها بالمبادرة الجيدة. غير أنه لم ينجح لحد الساعة في استقطاب شخصيات وازنة من حزب اليمين المحافظ، لأن هذا الأخير كان قد حذر قياداته بالطرد، في حال ترشح أحدهم للانتخابات التشريعية باسم حزب ماكرون.
وجاءت لائحة مرشحي حزب «الجمهورية إلى الأمام «، منسجمة مع الوعود التي كان قد صرّح بها الرئيس المنتخب إيمانويل ماكرون، خلال الحملة الانتخابية بتجديد النخب السياسية، وإعطاء الفرصة لقوى المجتمع المدني لدخول قبة البرلمان.
كما يرى مراقبون، أن الرئيس الجديد، يحاول استقطاب عدة قيادات من اليمين المحافظ، من أجل كسر شوكة حزب «الجمهوريين» الذي يحاول تجميع قواه من جديد بعد هزيمة فرانسوا فيون في الانتخابات الرئاسية، من أجل الفوز بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات التشريعية. يشار إلى أن الأمين العام لحزب الجمهوريين، أوضح أن الهدف هو الحصول على الأغلبية البرلمانية من أجل فرض رئيس حكومة يميني على إيمانويل ماكرون، وهو السيناريو الذي يخشاه الرئيس الجديد.
ويدخل ماكرون معركة التشريعيات التي ستكون بمثابة استفتاء آخر على برنامجه الانتخابي التي فاز في دورتها الثانية بنسبة مريحة بلغت 66 في المئة، والهدف هو التمكن من تشكيل غالبية رئاسية من النواب في البرلمان تكون السند التشريعي للرئيس والحكومة خلال الولاية الرئاسية المقبلة. ومن أجل تطبيق برنامجه بشكل جيد، سيكون على الرئيس الشاب الحصول على غالبية واضحة في الجمعية الوطنية، حيث يصوت النواب على الثقة برئيس الوزراء الجديد وفي الحكومة التي يشكلها. ويطمح للحصول على غالبية مريحة تسهل له تمرير مشاريع القوانين الضرورية لتنفيذ برنامجه الانتخابي الطموح، وتحقيق الإصلاحات الكبرى في مجالات الاقتصاد والتعليم والقضاء والأمن، وهي إصلاحات هيكلية وجذرية تحتاجها فرنسا للانطلاق مجددا والتخلص من القيود البيروقراطية والجمود السياسي منذ ثلاثة عقود، حسب تعبير الرئيس إيمانويل ماكرون.
أولويات الرئيس الجديد
ومن المقرر أن يعطي ماكرون، الأولوية للاقتصاد وخفض البطالة وتعزيز السوق الأوروبية المشتركة. كما أنه سيسعى لإرسال رسائل واضحة للمواطن الفرنسي، كما تعهد في برنامجه الانتخابي، عبر «أخلقة» الحياة السياسية الفرنسية، وإعادة المصداقية لممثلي الشعب، بعد أن عرفت الحملة الانتخابية الأخيرة تفجر عدة قضايا فساد طاولت مرشح اليمين المحافظ فرانسوا فيون، في قضية الوظائف الوهمية لزوجته وابنيه ومرشحة «الجبهة الوطنية»، مارين لوبان، في قضية الفساد المالي في البرلمان الأوروبي، وهو ما خلق حالة من الغضب في الشارع الفرنسي وعزوف 25 في المئة من الفرنسيين للتصويت في الانتخابات الرئاسية لهذا العام.
وسيقترح ماكرون قانونا يلغي توظيف المنتخبين والوزراء لأعضاء من عائلاتهم، لوضح حد للمحسوبية والزبائنية في المؤسسات الحكومية، إضافة إلى حصر ولايات المنتخبين في ثلاث ولايات لا أكثر، وخفض عدد النواب للثلث، كما أن الترشح لأي استحقاق انتخابي محلي أو وطني سيتطلب سجلا جنائيا نظيفا للمرشح.
وعلى المستوى الاقتصادي، ينوي ماكرون تطبيق خطة استثمارية عامة بقيمة 50 مليار يورو لخلق نموذج جديد للنمو وإنعاش الاقتصاد، وتبنيه خطة لخفض الإنفاق العام بقيمة 60 مليار يورو خلال 5 سنوات، كما ينوي توفير 25 مليار يورو في المجالات الاجتماعية للقطاعات الحكومية، و15 مليار يورو للتأمين الصحي، و10 مليارات لتأمين ضد البطالة. و يبدي حرصه في الوقت نفسه على العامل الاجتماعي، عبر الدعوة إلى إشراف الدولة على أنظمة التقاعد والانتقال إلى نظام معاشات البطالة، مع تعليق المساعدات لكل عاطل عن العمل يرفض عرضين على التوالي لوظائف لائقة. وسيسعى إلى تخفيف كاهل الدولة، وذلك بإلغاء 120 ألف وظيفة في القطاع العام لمدة خمس سنوات من خلال قانون التقاعد المبكر، ووضع خطة لخفض معدلات البطالة، وتعهده بإعفاء 80٪ من الأسر محدودي الدخل والمتوسطة من ضريبة السكن باعتبارها غير عادلة، وهو إجراء يضعه في الاعتبار رغم أنه سيكلف 10 مليار يورو خلال فترة رئاسته الأولى.
ويعتبرالبطالة أولوية كبرى، وهو الذي وصف فرنسا، خلال الحملة الانتخابية بأنها البلد الأوروبي الوحيد الذي لم يجد حلا نهائيا لمعضلة البطالة المستفحلة. ومن المرجح أن يسعى لتطبيق صارم لقانون الشغل الجديد ابتداء من الصيف القادم، عبر تقديم «صيغة مخففة» تمنح حرية أكبر للشركات، كل واحدة على حدة، كي تتفاوض مع عمالها حول اتفاقات في ما يخص ساعات الشغل. ويقترح هنا الانتهاء من 35 ساعة في الأسبوع كحد للوقت القانوني للشغل في ما يخص الشباب. ويثير هذا المشروع حفيظة بعض النقابات العمالية، التي حذرت ماكرون من تقويض حقوق العمال، وأكدت أنها لن تقف مكتوفة الأيدي في حال مس ماكرون بالمكتسبات الحقوقية للعمال.
كما أن الرئيس الجديد سيقرر، في إطار مشروع قانون حول المالية وتمويل الضمان الاجتماعي، خفضا تدريجيا للضرائب على الشركات من 33٪ إلى 25٪، كما هو معمول به في معظم الدول الأوروبية. إضافة إلى إعفاء نحو 80 في المائة من البيوت الفرنسية من ضريبة السكن وهو إجراء سيقابل بارتياح كبير في أوساط الطبقات الشعبية والمتوسطة.
ومن أكبر الإصلاحات التي سيبدأ الرئيس الجديد في تنفيذها هي إصلاح التعليم الابتدائي، باعتباره العمود الفقري للتعليم. وحسب هذا الإصلاح الجديد فلن يكون في الفصول الدراسية أكثر من 12 تلميذا.
على مستوى سياسة فرنسا الخارجية، سيدافع ماكرون عن فهم «ديغولي- ميتراني» ( نسبة إلى الرئيسين السابقين ديغول وميتران) للسياسة الخارجية الفرنسية مبني على السيادة الوطنية والاستقلالية. وهو ما سيسمح لفرنسا أن تتحاور من دون تبعية، مع الحليف الأميركي، وبصرامة وبحزم مع روسيا. يشار إلى أن ماكرون كان أكد خلال حملته الانتخابية، أنه سيتعامل بندية وصرامة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
كما سيعزز إيمانويل ماكرون من متانة العلاقات الفرنسية الألمانية، والتأكيد على أهمية الوحدة الأوروبية للقيام بإصلاحات هيكلية في مؤسسات الاتحاد .يشار إلى أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل استقبلت فوز ماكرون بترحيب كبير،وقالت بأنه سيكون «رئيسا كبيرا لفرنسا» بدوره قال رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يانكر أن فوز ماكرون، يعتبر فرصة كبيرة لأوربا من أجل مزيد من التطور والازدهار ومواجهة التحديات الكبيرة التي تواجهها.
كما أن قضية الإرهاب ستكون ضمن أولويات الرئيس الجديد، ولهذا سيقرر ماكرون تمديد حالة الطوارئ، كما أنه ينوي إنشاء خلية في قصر الايليزيه عبارة «قيادة أركان دائمة لعمليات الأمن الداخلي والاستخبارات ومكافحة الإرهاب»، وذلك فور توليه الحكم.
هشام حصحاص