أبهجني أن أقرأ، مؤخراً، سبع قصائد من الشاعرة الفلسطينية الراحلة فدوى طوقان (1917 ـ 2003)؛ لم تُنشر من قبل، وكانت طوقان قد عهدت بها إلى الشاعر الفلسطيني المتوكل طه، طالبة أن تُنشر بعد رحيلها. والقصائد تعكس موضوعات الشاعرة المألوفة، ولا تنطوي فنياً على أية عثرة أسلوبية ـ إذا جاز الحديث هكذا ـ تبرر لجوء طوقان إلى إرجاء نشرها. وإلى جانب الباع الطويل الذي تميّز به صديقنا طه، في الاشتغال على شعر آل طوقان، إبراهيم وفدوى؛ كنت قد شهدت، شخصياً، مقدار الثقة التي تمحضها له الراحلة، وذلك خلال ندوة لتكريمها أقيمت في عمّان، صيف سنة 2000.
القصائد السبع تحمل العناوين التالية: “هذا الكوكب الأرضي”، “أقنوم الشرّ”، “اعتذار الرمان”، “ومضة”، “حصاد”،، “توأم الثور”، و”دعيّ الشعر”. وفي القصيدتين الأخيرتين ثمة نبرة تهكم عالية (“يا دعيَّ الشعر ما أنتَ بشاعرْ/ سمة الشاعر حسّ مرهف، ذوق رفيع/ دفق فيض من مشاعرْ/ أنت ما أنت؟ أتدري؟/ أنت وحش أزرق الأنياب كاسرْ/ من سماء الشعر مطرودٌ فهاجرْ/ لمكان مقفر ما طار يوماً فيه طائرْ/ غير بوم ناعق ينعق ما بين المقابر”)؛ ومزاج غضب وسخط وتقريع(أنتَ يا توأم ثورٍ/ يابس الرأس عنيد ومكابرْ/ إمضِ عنّي إِنّ مرآك مقيت… إنّهُ/ لعنة تعمي البَصائر)؛ تبدو، في الإجمال، أشبه بتصفية حساب متأخرة مع شخصية ما؛ أو نمط إنساني عام.
غير أنّ هذه القصائد الجديدة أعادت تذكيري بعدد من المسائل الأساسية في تجربة طوقان، والتي يمكن أن تظلّ سجالية وإشكالية تماماً في أيّ نقاش معمّق حول الواقع الاجتماعي والثقافي، وربما الجمالي والتعبيري، الذي كان في خلفية انكباب طوقان على كتابة الشعر. من ذلك أنّ موضوعة الحبّ والقصيدة العاطفية إجمالاً كانت، وعلى النقيض من الافتراض الشائع في بعض النقد العربي، إسهام طوقان الأعمق والأكثر دلالة في حركة التحديث التي عرفها الشعر العربي على مستوى الموضوعات والأشكال، في نهاية الأربعينيات ومطلع الخمسينيات من القرن الماضي. وهذا يعني مناهضة الرأي الشائع الآخر، الذي يرى أنّ طوقان تحرّرت بعد عام 1967 من إسار النزعة الرومانسية، التي هيمنت على نتاجها قبل النكسة؛ الأمر الذي ينطوي على القول بأنّ هذا التحرّر كان تطوّراً إيجابياً، تكفل بنقل تجربتها إلى مصافّ أعلى.
كذلك، وفي ما يخصّ تجربة الراحلة تحديداً، أنطلقُ شخصياً من فرضيات مغايرة لتلك التي تقيم حالة من التنازع بين الموقف العاطفي والموقف الحداثي. ويقيني أنّ الخيارات العاطفية في شعر طوقان لعبت دوراً حاسماً في تطوير جبهة حداثة نسائية حيوية، كانت حركة التحديث العامة بحاجة ماسّة إليها؛ خصوصاً إزاء استئثار الخطاب الحداثي الذكوري، عموماً، بالقســـط الأعظم من الموضوعات والأشكال والأساليب. وبقدر ما كان هذا الخطاب مخوّلاً بتمثيل الشرائح الصاعدة والظافرة في المجتمعات العربية، كان الخطاب الحداثي النسائي مضطراً إلى تمثيل الشرائح المهمّشة والمقموعة.
والموقف العاطفي الذي اتصفت به قصائد طوقان في المراحل الشعرية الأولى كان “خطاب العاشق في عزلته القصوى”، على حدّ تعبير رولان بارت؛ ليس فقط لأنه كان يحمل رسالة تحرير اجتماعي، ويرتطم تالياً بالمحرّمات الاجتماعية في البيئات المحافظة؛ بل، أيضاً، لأنه خضع لازدراء فلسفي من جانب التيارات الحداثية التي رأت فيه نكوصاً رومانسياً (و”رجعياً” أحياناً!)، لا يليق بمقتضيات التهديم الراديكالي للنصّ القديم. غير أنّ حالة العزلة هذه لم تُسقط عن ذلك الخطاب وظيفته التحريرية، والتقدمية تالياً، في إغناء حركة الحداثة عن طريق الارتقاء بالنصّ الشعري النسائي.
ومن المدهش أنّ بعض النقّاد العرب أخذوا على طوقان نزوعها العاطفيّ هذا، وفاتهم أن يلاحظوا طبيعة الرسالة الثقافية الجبّارة التي انطوى عليها ذلك النزوع. ويستوي هنا الجانب السوسيولوجي المحض، الذي يتيح للشاعرة المرأة أن تمارس الحقّ في تحرير صوتها وروحها وجسدها دون أن تضطرّ إلى قمع مشاعرها الأنثوية أيّاً كانت؛ أو الجانب الإبداعي الذي يخصّ حقّها في التغريد الوجداني الطليق، خارج سرب الموضوعات الجدّية للشعراء الرجال (التي كانت، في معظمها، مجرّد استنساخ لموضوعات الحداثة الغربية؛ كما تجب الإشارة).
والمستوى الرفيع من الاستقرار الوجداني الذي توفّر في قصائد مجموعتَيْ “وجدتها” و”أعطنا حباً”، كان في الآن ذاته قد اقترن بانخراط طوقان في حركة التحديث الشعري العربية، عند نهاية العقد الرابع وبدايات العقد الخامس من القرن الماضي. والشكل هنا لم يكن مجرّد مجاراة لـ”موضة” العصر في استخدام التفعيلة بدل البيت، بل كان جزءاً لا يتجزأ من خدمة الرسالة الاجتماعية والثقافية؛ الكامنة عميقاً وراء نصوص شعرية تكتبها شاعرة امرأة عاشت أجواء محافظة، وخضعت لشروط نفسية تدميرية، وصُودر وجدانها مراراً.
وفي “رحلة جبلية، رحلة صعبة”، الجزء الأوّل من سيرتها الذاتية، تسرد الشاعرة جملة من الشروط التي خضعت لها في طفولتها ويفاعتها؛ وكان لها أثر عميق سوف يلازم معظم محطات حياتها اللاحقة، وسيتكفّل بتكييف ميولها الحياتية إجمالاً، والإبداعية بصفة خاصة. وليست هذه القصائد السبع إلا ذلك الجديد الذي يؤكد، مجدداً، سمات تجربة تكاملت في غمرة مباهج فنّ الشعر، ومشاقّ سياقاته الاجتماعية.
صبحي حديدي