الأزمة المالية تخنق عائلات في غزة مع فقدان موظفين 80 ٪ من رواتبهم

حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»: اشتدت الأزمة الاقتصادية التي تضرب قطاع غزة، بفعل الحصار الإسرائيلي الممتد منذ أكثر من عشرة أعوام، والانقسام السياسي على نحو غير مسبوق، خاصة في ظل شح السيولة المالية، وهو أمر أوجده قرار السلطة الفلسطينية بإيقاع خصومات على رواتب موظفيها في القطاع، مما أثر بشكل كبير على الحركة الشرائية في كافة الاتجاهات، وأجبر الأسر على التخلي عن شراء الكثير من المستلزمات الضرورية.
ومع إقرار الحكومة الفلسطينية للشهر الثاني على التوالي، خصومات على رواتب موظفي السلطة في قطاع غزة، وعددهم يفوق الـ 40 ألف موظف، بنسبة بدأت من 30٪، ووصلت لحد 80٪ مع بعض الحالات، تفاقمت الأزمة الاقتصادية بشكل أكبر، خاصة وأن قيمة ما جرى خصمه حسب خبراء ومختصين في الأسواق والمال، كان بمثابة الجزء المخصص للإنفاق على المشتريات والمصروفات المنزلية بشتى أنواعها.
وتأثرت الأسر بشكل كبير، أجبر الكثير من الموظفين من أرباب العائلات على ترك عادات شرائية أساسية، للتكيف مع واقع الراتب المخصوم، فكثير منهم قنن إلى حد كبير شراء اللحوم والملابس وسلع أساسية أخرى، فيما أحجم الجميع عن شراء الأجهزة الكهربائية، التي تشهد أسواقها ركودا كبيرا، واندفع آخرون لبيع ممتلكاتهم كالسيارات، في الوقت الذي زادت فيه أوضاع العمال العاطلين عن العمل بسبب إجراءات الحصار سوءا بشكل أكبر، وأضرت بآخرين كانوا يعملون بشكل جزئي، مع اضطرار مصانعهم وورشهم لغلق أبوابها، إما بسبب أزمة الطاقة ونقص إمدادات الكهرباء، أو بسبب عزف الناس عن الشراء.

عائلات غيَر
عادات الشراء بشكل كامل

يقول الدكتور نبيل الطهراوي، وهو أكاديمي يعمل في جامعة الأقصى الحكومية في غزة، وتأثر من قرار خصم الراتب بنسبة وصلت إلى نحو 80٪ من قيمة راتبه الإجمالي، أن هذه العملية أجبرته على تغيير عادات الشراء بشكل كامل، كغيره من الموظفين الحكوميين.
ويشير الطهراوي لـ»القدس العربي» أن قرار الخصم أجبره وأسرته على تغيير نوعية الطعام، وأدخل تقليصات كبيرة على المصروف اليومي، وأثر بشكل كبير على الزيارات العائلية.
وأكد أنه أجبر على التخلي عن الكثير من المشتريات، وأن فئة الموظفين تضررت بشكل أكبر من قرار الخصم، خاصة أنهم يضطرون لاستخدام المواصلات في الذهاب والعودة من العمل، وهو ما يحتاج إلى مصاريف ثابتة في ظل الخصومات على الراتب. ويؤكد أن استمرار الأزمة على حالها، سيكون له آثار وتداعيات أكثر خطورة في المرحلة المقبلة.
ومن المتوقع أن تزداد الأزمة الاقتصادية التي تفاقمت خلال الأسابيع الأخيرة الماضية، مع حلول شهر رمضان بعد أيام، خاصة وأن الأسر الغزية كغيرها تحتاج إلى مصاريف إضافية لشراء بعض مستلزمات هذا الشهر.
ولوحظ أن الأزمة الحالية التي عبر عنها الأكاديمي الطهراوي، ويعاني منها كافة موظفي القطاع الحكومي في قطاع غزة، بما في ذلك المعينين من قبل حركة حماس، خاصة وأنهم يتلقون بسبب الضائقة المالية نصف قيمة رواتبهم منذ أكثر من ثلاث سنوات، أصابت الأسواق الغزية في مقتل.
فلم تعد الأسواق تشهد ذلك الإقبال على حركة الشراء عندما تساوى موظفو القطاع الحكومي التابعين للحكومة في الضفة، والمعينين من قبل حركة حماس بغزة، وهو ما أدى إلى تراجع دخل أصحاب المحال التجارية على اختلاف أشكالها، سواء أسواق الطعام، أو الملابس وغيرها من المحال.
ويقول محمد أبو جياب، المختص في الشأن الاقتصادي لـ»القدس العربي» إن الأزمة الاقتصادية الحالية التي تفاقمت في قطاع غزة، على كل المستويات، بسبب استمرار الحصار والخصم من قبل السلطة، وعدم وجود تمويل دولي للقطاع، دفعت الموظفين إلى «إعادة هيكلة» المصروفات.
وأشار إلى أن موظفي غزة حاليا يقدمون على شراء المواد الأساسية المتمثلة في المأكل والمشرب والمسكن، دون الإقدام على شراء الكثير من الأشياء الأخرى، إضافة إلى تقليل شراء الكثير من الأساسيات، وهو أمر حسب المختص الاقتصادي أدى إلى ركود كامل في حركة الأسواق.
وأشار إلى أن استمرار الأزمة مستقبلا، سيؤدي إلى انهيار قطاعات تجارية كثيرة.

الضرر يطال التجار وأُسرهم

ويؤكد أبو أحمد صاحب محل لبيع الملابس الجاهزة أن حركة البيع والشراء لم تتحسن حتى في الأيام الأولى لصرف رواتب الموظفين، وهي أيام تشهد بالغالب نشاط اقتصادي ملحوظ بشكل كبير.
ويقول إنه بات «يدلل» الزبائن بشكل كبير وأنه يضطر أحيانا للبيع بدون أي مكسب لـ «تجميد السيولة» لدفعها للبنك، بدلا من قيمة شيكات اقترب أجل سدادها.
ويلاحظ عزوف السكان عن الشراء، في حال القيام بجولة في أسواق القطاع المنتشرة من شماله إلى جنوبه، حتى الشعبية منها التي تبيع بأثمان زهيدة.
ويقول أصحاب المحال التجارية إن هذا الأمر انعكس على وضع أسرهم الاقتصادي، وأن استمرار الأمر ينذر بانهيار الأسواق بشكل أكبر مما هي عليه الآن.
وقد اكتوى بنار الأزمة أيضا أصحاب المركبات العمومية، الذين يشيرون إلى ضعف حركة التنقلات المعتادة سابقا، مع بدء الخصومات على رواتب الموظفين.
ويُرجع الموظفون وغيرهم من السكان البسطاء، امتناعه كالعادة للتسوق بعد تسلم الراتب، أو الحصول على أموال من عمل ما، بعدم تبقى ما يكفي من أموال للشراء، خاصة وأن الكثير من هذه الأسر، لجأت إلى «خطة تقشف» من خلال اقتصار المشتريات على الأساسيات الملحة فقط.
ومع بداية الأزمة تناقل السكان أنباء عن إعلان العديد من محلات البقالة، منعها البيع بالدين لموظفي السلطة، خشية من عدم قدرتهم على السداد.

أزمات نفسية

وكان العديد من الموظفين تعرضوا لأزمات نفسية عند علمهم بقيمة الخصومات، حيث تلقى العديد علاجا في مشافي متفرقة في القطاع.
وقد أرجعت الحكومة قرار الخصم، الذي طبقته على موظفي غزة دون الضفة إلى الوضع المالي السيئ الذي تمر به، وهو لم يقنع الموظفين، الذين أرجعوا لقرار سياسي بهدف الضغط على حركة حماس.
وسبق أن حذرت غرفة تجارة وصناعة محافظة غزة من خطورة «القرار المفاجئ» بالخصم على رواتب موظفي السلطة، وأكدت أن هذا القرار «يعزز ويفاقم الانقسام ويسرع فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية».
كما أكدت على أن هذا القرار سوف يؤدي إلى «تداعيات خطيرة وكارثية على كافة مناحي الحياة في غزة»، لافتة إلى أن الجزء الأكبر من الموظفين مدانون للبنوك، وأن مجمل ما يتقاضونه شهريا لا يتجاوز 40٪ من إجمالي الراتب.
وأوضحت أنه بعد خصم قيمة 30٪ من الراتب لن يتبقى للموظف شيء ليعتاش منه ويسدد التزاماته وديونه من البقالة حتى إيجار المسكن بالإضافة إلى عدم التزامه بسداد فواتير الخدمات الخاصة بالكهرباء والمياه والاتصالات والالتزامات الأخرى.
وأشارت إلى أن كل هذا سوف يتسبب في خلل كبير في حركة دوران السيولة النقدية ونقصها من الأسواق إضافة إلى تسببه في تفاقم الأوضاع الاقتصادية، وتسببه في مزيد من الركود التجاري وتراجع في القوة الشرائية المعدومة أصلا.
وأوضحت أن الخصم على رواتب موظفي غزة سيؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة المرتفعة أصلا والأعلى عالميا في القطاع، بعد أن تجاوزت أكثر من 41٪، في ظل وجود أكثر من 200 ألف شخص عاطل عن العمل، وكذلك في ظل ارتفاع معدلات والفقر التي تجاوزت 65٪.

مخاوف من أن الآتي أسوأ

ومن المتوقع أن تتفاقم الأزمة الاقتصادية في قطاع غزة خلال الفترة المقبلة، خاصة وأن هناك الكثير من الموظفين يعيشون في منازل مستأجرة، حيث لن يتمكنوا في حال أبقت الحكومة على قرارها من دفع قيمة الإيجار الشهري، وهو أمر يهدد سكن أسرهم.
وازدادت الأوضاع الاقتصادية في غزة تدهورا مع دخول القطاع في أزمة أخرى هي «أزمة الكهرباء»، التي تفجرت من جديد بسبب الخلاف السياسي بين مسئولي غزة والضفة الغربية، وهو ما أدى إلى توقف محطة كهرباء غزة عن العمل، وجعل السكان يعتمدون فقط على تيار كهربائي يصل لـ 4 ساعات يوميا.
وقال اتحاد العمال في غزة، في تقرير له حول الأزمة،إن الانقطاع المتواصل للتيار الكهربائي زاد من معاناة العمال في قطاع الصناعات الغذائية والخياطة وعمال المخابز وعمال ورش النجارة والحدادة والمزارعين وقطاعات أخري تعطلت بسبب الأزمة الكهربائية، والتي نتج عنها تعطل ألاف العمال لتزداد أعداد البطالة ويزداد الفقر بين العمال وكأن العمال لا ينقصهم ما هم فيه من معاناة مستمرة .

الأزمة المالية تخنق عائلات في غزة مع فقدان موظفين 80 ٪ من رواتبهم
فيما زادت أوضاع أرباب العائلات العاطلين تدهوراً
أشرف الهور

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية